
مع اقتراب عيد الأضحى، تتغير ملامح الشوارع والأسواق في المدن والقرى، وتبدأ عشرات المهن الموسمية في استعادة نشاطها المعتاد، وكأن العيد لا يأتي فقط بفرحة الأضحية واللقاءات العائلية، بل يحمل معه أيضا موسما استثنائيا للرزق والعمل، من باعة المواشي والجزارين، إلى سن السكاكين وبيع الفحم، مرورا بتجار التوابل والثلاجات والعمالة اليومية، تتحول الأيام التي تسبق العيد إلى خلية عمل لا تهدأ، حيث يسعى الجميع لاستغلال هذا الموسم الذي يعتبره كثيرون فرصة العام.

تجار المواشي
في أسواق المواشي، تبدو الحركة مختلفة تماما عن أي وقت آخر من السنة، أصوات الباعة تختلط بثغاء الخراف وأصوات المساومة بين المشترين والتجار، بينما تتكدس السيارات المحملة بالعجول والأغنام القادمة من المحافظات المختلفة، ويمثل موسم عيد الأضحى بالنسبة للكثير من التجار النسبة الأكبر من أرباحهم السنوية، حيث تبدأ الاستعدادات قبل العيد بأسابيع طويلة، من شراء الرؤوس وتغذيتها وحتى نقلها للأسواق، ومع ارتفاع الأسعار هذا العام، يحاول كثير من التجار جذب الزبائن عبر تقديم تسهيلات في الدفع أو البيع بالوزن، في حين يظل الإقبال قائما باعتبار الأضحية شعيرة دينية وطقسا اجتماعيا تحرص عليه الأسر مهما كانت الظروف الاقتصادية.

موسم الجزارين
أما الجزارون، فهم من أكثر الفئات التي تدخل ماراثون العمل الحقيقي قبل العيد بأيام قليلة، حيث تمتد ساعات العمل أحيانا حتى الفجر، بين تجهيز الأدوات وتنظيم الحجوزات والاستعداد لأيام الذبح المكثفة، ويصف الكثير من الجزارين عيد الأضحى بأنه “الموسم الذهبي” بالنسبة لهم، حيث تتضاعف فيه الأرباح مقارنة ببقية شهور السنة، وفي الأحياء الشعبية تحديدا، تتحول محال الجزارة إلى نقاط ازدحام كبيرة، مع تزايد الطلب على خدمات الذبح والتقطيع والتغليف، ويعتمد بعض الجزارين على عمالة إضافية خلال العيد لمواجهة الضغط الكبير، فيما يحرص آخرون على تطوير أدواتهم واستخدام معدات حديثة لتسريع العمل وخدمة أكبر عدد من الزبائن.

مهنة سن السكاكين
وبالقرب من محال الجزارة، يظهر أصحاب مهنة قديمة تعود بقوة كل عام، وهم “سنانة السكاكين”، يجلس الرجل أمام حجر السن، محاطًا بعشرات السكاكين والسواطير التي يأتي بها المواطنون استعدادا للذبح، ورغم بساطة المهنة، فإنها تشهد رواجا كبيرا في موسم العيد، حيث يعتمد عليها الجزارون والأسر على حد سواء، ويؤكد العاملون بها أن الأيام الأخيرة قبل العيد هي الأكثر ازدحاما وربحا طوال العام، حيث يمكن أن يمر عليهم مئات الزبائن يوميا، كما أصبحت بعض الورش تقدم خدمات متنقلة داخل الأحياء والأسواق لتلبية الطلب المتزايد، خاصة مع تراجع عدد الحرفيين المتخصصين في هذه المهنة التقليدية.

بائعو الفحم
ولا يقل نشاط باعة الفحم عن غيرهم، فمعروف أن عيد الأضحى يرتبط لدى كثير من الأسر بالشواء والتجمعات العائلية، لذلك تنتشر أكوام الفحم أمام المحال وعلى الأرصفة، وتزداد حركة البيع بشكل واضح قبل العيد مباشرة، حيث أن الطلب يتضاعف خلال هذه الفترة، خاصة على الفحم سريع الاشتعال والمخصص للشواء، وبعض التجار يبدأون تخزين كميات كبيرة قبل الموسم بأسابيع تحسبا لزيادة الإقبال، بينما يعتمد آخرون على البيع في المناطق الشعبية والقرى التي تحافظ على عادة الشواء الجماعي خلال أيام العيد، كما تنتعش في الوقت نفسه مبيعات الشوايات المعدنية وأدوات الطهي الخارجية التي أصبحت جزءا أساسيا من طقوس الاحتفال لدى الكثير من الأسر.

محلات العطارة
وفي الجانب الآخر من الأسواق، تحقق محال التوابل والبهارات انتعاشة ملحوظة مع استعداد المواطنين لتجهيز الولائم والعزائم العائلية، حيث تملأ روائح الفلفل الأسود والكمون والكزبرة والقرفة الأجواء، بينما يقف الزبائن لشراء خلطات خاصة بالكباب والكفتة والمشاوي، كما أن العطارة في عيد الأضحى تمثل موسما مهما يزيد خلاله الإقبال على البهارات بنسبة كبيرة مقارنة بالأيام العادية، خاصة مع حرص الأسر على إعداد الأكلات المرتبطة بالعيد مثل الفتة والممبار والكوارع والمشاوي، كما تشهد محال بيع الثوم والبصل والليمون والخضراوات المستخدمة في الطهي ارتفاعا واضحا في الطلب، ما ينعكس على حركة الأسواق وأسعار بعض السلع.
ومع زيادة كميات اللحوم داخل المنازل، تنتعش أيضا تجارة الثلاجات والديب فريزر وأدوات التخزين، والكثير من الأسر تسارع قبل العيد إلى شراء أجهزة جديدة أو صيانة القديمة لاستيعاب اللحوم بعد الذبح، وتشهد محال الأجهزة المنزلية خلال موسم عيد الأضحى ارتفاعا في مبيعات أجهزة التجميد مقارنة بباقي فترات العام، خاصة مع انتشار العروض والتقسيط، كما تستفيد مراكز الصيانة من الضغط المتزايد، حيث تتلقى طلبات متلاحقة لإصلاح الأعطال قبل أيام العيد خوفا من تلف اللحوم أو تعطل الأجهزة في وقت حرج.

العمالة اليومية
العمالة اليومية أيضا تجد في العيد فرصة مهمة لتحسين الدخل، فعمليات نقل المواشي والذبح والتنظيف والتقطيع تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال المؤقتين، سواء داخل الأسواق أو المجازر أو حتى في الشوارع والأحياء الشعبية، والكثير من الشباب يلجأون إلى العمل الموسمي خلال هذه الأيام للاستفادة من الأجور المرتفعة نسبيًا، بينما تعتمد بعض الأسر على هؤلاء العمال للمساعدة في تنظيف أماكن الذبح أو نقل اللحوم، حيث يعد موسم العيد فرصة مؤقتة لآلاف الأشخاص، حتى وإن كانت تستمر لأيام معدودة فقط، ورغم اختلاف هذه المهن وتنوعها، فإنها تشترك جميعًا في حقيقة واحدة، وهي أن عيد الأضحى لا يمثل مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل موسما اقتصاديا كبيرا، يعيد الحياة إلى مهن تقليدية ويمنح آلاف الأسر مصدر دخل تنتظره من عام إلى آخر.







