من “678” إلى “أسد”.. محمد دياب يفتح ملف كسر التابوهات في السينما

أقدم ما أقتنع به فقط حتى لو أثار الجدل
أعتبر فيلم “أسد” بمثابة ابني
لا أبحث عن الإبهار بل عن إدهاش الجمهور
أناصر الإنسان فقط وليس المرأة
لم أتنازل عن هويتي في هوليوود لحظة واحدة
العمل الجيد قادر على جذب كل الجمهور مهما اختلفت أذواقه
راهن المخرج والسيناريست محمد دياب على تجربة سينمائية مختلفة مع النجم محمد رمضان، مقدمًا من خلال فيلم “أسد” ملحمة تاريخية ضخمة أعادت الثنائي إلى شاشة السينما بعد غياب، وطرحت رؤية بصرية وإنسانية لقضايا الحرية والكرامة الإنسانية.
ونجح الفيلم الذي استغرق إعداده وتنفيذه 6 سنوات بميزانية إنتاجية ضخمة بلغت 7 ملايين دولار، في تصدر شباك التذاكر وتحقيق أرقام لافتة منذ طرحه، وسط إشادات نقدية وجماهيرية واسعة، حيث تدور أحداثه في مصر خلال القرن التاسع عشر، في مرحلة شهدت بدايات إلغاء تجارة العبيد، ويروي قصة عبد يُدعى أسد يقود تمرده على الظلم بحثًا عن الحرية والكرامة، كما أثار الفيلم نقاشات واسعة قبل عرضه، بسبب اتهامات بتبني أفكار “الأفروسنتريك”، وهو ما نفاه “دياب” مؤكدًا أن العمل يحتفي بالهوية المصرية وتاريخها.
في هذا الحوار، يتحدث محمد دياب لـ”ليبرالي” عن كواليس “أسد”، وتجربته مع محمد رمضان، ورحلته بين السينما المصرية وهوليوود، ورؤيته للفن والنجاح والجوائز العالمية.

حدثنا في البداية عن النجاح الكبير لفيلم “أسد”؟
الحمد لله، بذلنا جهدا كبيرا في صناعة هذا الفيلم، وأجمل شعور أن يحظى العمل باحتفاء جماهيري ونقدي في الوقت نفسه، هذا الإحساس يمثل حلمًا كبيرًا لأي مخرج وأي صانع سينما عمومًا، والحمد لله، حقق فيلم “أسد” ذلك، كما أننا حققنا أعلى إيرادات لفيلم في السينما خارج مواسم الأعياد، وهو إنجاز يُضاف إلى رصيدنا ويُحسب للفيلم، والحمد لله على كل شيء، فلكل مجتهد نصيب.
طُرح الفيلم في توقيت صعب تزامن مع موسم الامتحانات ورغم ذلك حقق هذا النجاح الكبير فما الأسباب من وجهة نظرك؟
معك حق، ولذلك نحن فخورون بأننا حققنا أعلى إيرادات لافتتاح فيلم خارج المواسم، كما ذكرت لك، ومن بين أساليب الترويج التي اعتمدنا عليها طرح الفيلم قبل موسم العيد، ما أتاح له فرصة الاستمرار خلال الموسم أيضًا، ونتمنى بالطبع أن يواصل الفيلم هذا النجاح خلال الفترة المقبلة.

فيلم “أسد” يُعد رهانا كبيرا مع محمد رمضان، فهل كنت مستعدًا للتعامل مع جمهوره الذي قد يختلف عن جمهور أفلامك السابقة؟
أنا مؤمن بأن اختلاف أذواق الجمهور لا يغير حقيقة أن العمل الجيد قادر على جذب الجميع، مهما كانت طبيعة هذا العمل، والحمد لله، أعتقد أن هذا العنصر متوافر في فيلم “أسد”، لذلك التف الجمهور حوله وحظينا بإشادات مهمة من الجمهور والنقاد على حد سواء، كما أن الفيلم مصنوع بمستوى تقني عال، ولذلك أتوقع أن يفتح لمحمد رمضان أبوابًا جديدة لم يطرقها من قبل، وأتمنى أن يكون ذلك مكسبا لنا جميعا.

إذا رجعنا “فلاش باك” لفيلم 678، فقد اقتحمت منطقة شديدة الحساسية كانت من المسكوت عنه في المجتمع، هل شعرت بالخوف من رد فعل الجمهور، أم أن الرغبة في كسر هذا التابو كانت أقوى من أي اعتبارات أخرى؟
فيلم “678” تناول قضية لم أكن أعرف عنها الكثير إلا قبل تقديمه بنحو عام تقريبا، وهي قصة أول فتاة رفعت دعوى قضائية بسبب تعرضها للتحرش، كانت قضية مسكوتا عنها إلى حد كبير في ذلك الوقت، وجزء أساسي مما أحاول تقديمه في أعمالي هو إلقاء الضوء على الفئات والقضايا المهمشة التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.
تم تصوير فيلم “اشتباك” بالكامل داخل عربة ترحيلات، هل اعتبرت هذه المغامرة نوعا من الجنون الفني، أم إيمانا بأن السينما يجب أن تكون حقيقية وليست مجرد إبهار بصري؟
فيلم “اشتباك” لم يكن تحديا دراميا فقط، بل كان تحديا تقنيا أيضا، وأنا دائما أحاول من خلال كل عمل أن أتعلم شيئا جديدا، وأن أطور أدواتي سواء ككاتب أو كمخرج، وهذا ما حدث بالفعل في “اشتباك”، وبالنسبة لي كان المشروع تحديا أكثر من كونه مجرد فيلم سينمائي،. كما أن عنصر الدهشة جزء أساسي من مهنتنا، لذلك أحرص دائما مع خالد وشيرين دياب على البحث عن عوالم جديدة وتجارب مختلفة.

علقت على واقعة منع شاب صعيدي من دخول إحدى دور العرض داخل فندق شهير بوسط القاهرة بسبب ارتدائه الجلباب الصعيدي أثناء محاولته مشاهدة فيلم “أسد”، وأعلنت رفضك الكامل لأي شكل من أشكال التمييز لماذا؟
لأنني اعتبرت ما حدث جريمة، فلا يجوز حرمان أي مواطن من خدمة أو من دخول مكان بسبب مظهره أو نوع ملابسه، خاصة أن الجلباب الصعيدي جزء أصيل من الهوية المصرية ويجب أن نفخر به لا أن يكون سببا للتمييز، والمفارقة أن الواقعة حدثت مع أشخاص كانوا في طريقهم لمشاهدة فيلم “أسد”، الذي يناقش في جوهره قضايا العنصرية والتمييز والدفاع عن الكرامة الإنسانية، والواقعة تقع مسئوليتها على إدارة دار العرض وليست على أسرة الفيلم، لذلك حرصت على التأكيد أنني، ومعي فريق العمل، نرفض أي شكل من أشكال التمييز أو الإقصاء ضد أي شخص.
يبدو أن علاقتك بفيلم “أسد” مختلفة عن أي عمل قدمته من قبل، كيف تنظر إلى هذه التجربة، وما الذي يدفعك إلى قضاء سنوات طويلة في التحضير لأعمالك؟
فيلم “أسد” بمثابة ابني، وأصف نفسي دائما بأنني مؤلف محترف ومخرج هاو، واتجهت إلى الإخراج لأنه يمثل بالنسبة لي امتدادا لفكرة التأليف، وأنا دائمًا أشعر بالخوف قبل أي عمل، ولو اختفى هذا الشعور فلن أقدم أفلاما جيدة، يجب أن أظل أبحث عن إدهاش الجمهور، وألا أصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، وهذا ما يجعلني أحتاج إلى خمس سنوات تقريبا حتى أتقن أي مشروع أقدمه.

حدثنا عن اختيار أبطال فيلم “أسد”؟ ولماذا استغرق المشروع كل هذه السنوات حتى خرج إلى النور؟
هناك قصة حب تجمع بين رزان جمال ومحمد رمضان في الفيلم، وهي تتمتع بحضور يشبه أميرات ديزني وبراءة كبيرة، وقد قلت لها إن جمالها ليس أهم ما فيها، بل موهبتها، وأعتقد أنها قدمت أفضل أدوارها حتى الآن، وليس الأمر مقتصرا على رزان فقط، فكل ممثل في الفيلم تم اختياره بعناية شديدة، كما يقدم علي قاسم دورا مهما، وكذلك أحمد داش، وماجد الكدواني، لذلك يضم الفيلم توليفة مميزة جدا من الممثلين.
عملت على هذا الفيلم لمدة سبع سنوات، بين الكتابة والتصوير والمونتاج، وعادة ما أفصل بين كل عمل وآخر نحو خمس سنوات، بدأت مشواري كمؤلف في أفلام مثل “الجزيرة” و”بدل فاقد” و”ألف مبروك”، ثم اتجهت إلى الإخراج، وفي “أسد” كنت أريد تقديم فيلم جماهيري وفني في الوقت نفسه، يحظى باحترام الجمهور والنقاد، ويحمل هوية مصرية واضحة.
هوليوود والعالمية
من “القاهرة” إلى “مارفل”.. هل شعرت بأنك تنازلت عن جزء من هويتك السينمائية لتتماشى مع الأفكار الغربية، أم أنك نجحت في فرض رؤيتك المصرية عليهم؟
أقول لك مفاجأة، فمنذ اليوم التالي لعرض فيلم “اشتباك” جاءتني عدة عروض من هوليوود، وكان ذلك في عام 2016، لكنني قررت تأجيل هذه الخطوة حتى عام 2022، وحتى مع مسلسل مارفل، كنت حريصا على تقديم شيء يعبر عن ثقافتنا، وأن أكون راضيا عنه فنيا وأخلاقيا، وهو ما تحقق في مسلسل “مون نايت”.
وقد استدعى ذلك تقديم بعض التضحيات، لكنني فعلتها حتى أقدم عملا يتماشى مع مبادئي ورؤيتي وثقافتي، وحرصت خلال فترة طويلة على اختيار المشاريع التي أقدمها للجمهور بعناية، والحمد لله حققت نجاحا كبيرا في الوطن العربي، وكان الجمهور مبهورا بثقافتنا وأغانينا التي ظهرت في كل حلقة، من أغاني مصرية وفرعونية، إضافة إلى مواقع تصوير مصرية أيضا، والحمد لله تمكنا من تحقيق النجاح دون أي تنازل، بل بكل فخر بهويتنا وثقافتنا.

كيف توازن بين كونك مخرجا مصريا يطرح قضايا محلية، وبين كونك مخرجا عالميا يراعي ذوق الجمهور الدولي؟
بعد “مون نايت” بإنتاج ضخم تجاوز 160 مليون دولار، شعرت أنني وصلت إلى مرحلة مهمة، لذلك أصبحت الآن أبحث عن القصة أكثر من أي شيء آخر، وفي الوقت الحالي اتفقت على تقديم فيلم أمريكي مع نتفليكس بعنوان “ذا نوت”، وهو عمل قريب إلى قلبي، يدور في عالم حقيقي وليس له علاقة بفكرة البطل الخارق، بل هو عالم درامي إنساني عن شخصية عربية تعيش في أمريكا.
المستقبل والاختيارات
إذا عُرض عليك سيناريو يمس قضية حساسة جدا، هل ستقبله إذا كان يضمن لك جائزة الأوسكار، لكنه يجعلك مخرجا مثيرا للجدل لدى جزء من الجمهور العربي؟
ما المقصود بالقضية الحساسة، الخلاصة أنني سأقدم ما أقتنع به فقط، فالطريق إلى الأوسكار أهم من الأوسكار نفسه، ولا أنكر أن الأوسكار حلم لكل مخرج، لكن الأهم بالنسبة لي أن أصل إليه بطريقة ترضيني.
هل تعتبر نفسك مخرجا للمرأة، خاصة بعد أن أصبحت أفلامك تُحسب على مناصرة قضاياها وتمكينها؟
إطلاقًا أنا قدمت فيلمًا واحدًا عن المرأة وهو “678”، أنا أناصر الإنسان فقط، وآخر أفلامي تناولت قضايا الكرامة ومناهضة العبودية والعنصرية والتمييز، بينما تناول “اشتباك” أشخاصا متناحرين سياسيا، و”أميرة” تناول قضية فتاة فلسطينية باعتبارها قضية إنسانية في حد ذاتها.

أسئلة “في الجول”
ما هو المشهد الذي ندمت على تصويره، وتمنيت لو عاد بك الزمن لتغييره؟
هناك مشاهد كثيرة في أفلامي، حتي بعد عرض الفيلم جماهيريا كنت أتمني أن أعيد تصويرها أو مونتاجها.
من هو الممثل الذي ترفض العمل معه تماما مهما كان الدور بحاجة إليه؟
الممثل غير الملتزم أو الذي يسبب مشكلات، فعملنا مرهق جدا، والمخرج يكون تحت ضغط كبير في مختلف مراحل التصوير، وفي كل تجربة أحب أن أتعامل مع أشخاص مريحين في التعامل.






