
ميلاد قامة فنية بملامح استثنائية
تحلّ اليوم ٢٨ من شهر يوليو كل عام، ذكرى ميلاد الفنان القدير حسن عابدين لتستعيد معها الذاكرة الفنية والإنسانية واحدة من أكثر الشخصيات استثنائية في تاريخ الفن المصري والعربي فهو الفنان الذي لم تقتصر مسيرته على إبداعه الاستثنائي أمام الكاميرات وخشبة المسرح، بل امتدت لتسجل سيرة رجل حافلة بالبطولات الوطنية والمواقف الحاسمة التي شكلت ملامح وقاره المعهود ورسوخه في قلوب ملايين المشاهدين.

فدائي في السابعة عشرة ونجاة إعجازية من الإعدام
بدأت أولى ملاحم ابن محافظة بني سويف في سن مبكرة، إذ لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره عندما تسلل سراً عام 1948 ليلتحق بصفوف الفدائيين المتطوعين تحت قيادة البطل أحمد عبد العزيز لمواجهة الاحتلال في فلسطين، وهناك خاض تجربة قاسية برفقة صديق عمره الفنان إبراهيم الشامي، حيث وقعا في الأسر وحُكم عليهما بالإعدام، قبل أن تُكتب لهما نجاة إعجازية حين اقتحم أحد الفدائيين مقر المحكمة مهدداً بتفجيرها إن لم يُطلق سراح الأسرى، ليعود الشاب الثائر إلى وطنه متسلحاً بروح جديدة ومقدرة إنسانية عميقة.

صوت الطبقة المتوسطة وحارس القيم على المسرح
مع انطلاقته الفنية عقب ثورة 1952 عبر المسرح العسكري وفرقة الفنان يوسف وهبي، سرعان ما استطاع حسن عابدين أن يحجز لنفسه مكانة فريدة، فصار صوتاً أميناً يعبر عن الطبقة المتوسطة والبسطاء وجسّد براعة استثنائية في أداء شخصيات الأب الحنون والموظف المكافح، والمسؤول النزيه عبر أعمال خالدة في التلفزيون والمسرح والسينما، من بينها مسلسلات “أهلاً بالسكان” و”أنا وأنت وبابا في المشمش”، ومسرحيات “عش المجانين” و”ع الرصيف”، وأفلام مثل “على من نطلق الرصاص” و”عنبر الموت”.

واقعة الحرم ولقاء الشعراوي الذي غير المسار
ولم تخلُ رحلته الإبداعية من محطات مفصلية كادت تغير مسارها بالكامل، ففي سبعينيات القرن الماضي، وعقب موقفه المحزن أثناء أداء مناسك العمرة حين أبعده الحراس من أمام المقام النبوي لمعرفتهم بشخصه كفنان، دخل في عزلة نفسية شديدة وقرر اعتزال التمثيل نهائياً غير أن لقاءه التاريخي مع إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي كان نقطة التحول الكبرى، إذ حثه الشيخ على مواصلة الفن الهادف قائلاً له “إذا اعتزلت أنت والمحترمون مثلك، فمن يترك العرش للكلمة الطيبة؟”، ليعود عابدين إلى ساحة الإبداع متخذاً ضوابط صارمة تُعلي من شأن القيم الأخلاقية والرسائل النبيلة.

المعركة الأخيرة وإرث خالد في الوجدان
وفي عام 1989، خاض الفنان القدير معركته الأخيرة مع مرض سرطان الدم، متحملاً آلامه بشجاعة لإتمام آخر أعماله السينمائية، حتى فاضت روحه إلى بارئها عن عمر يناهز 58 عاماً ورحل حسن عابدين تاركاً خلفه رصيداً يتجاوز 120 عملاً فنياً وسيرة عطرة جعلت منه نموذجاً للفنان المقاوم، والإنسان الأصيل، والرمز الخالد في وجدان الجمهور.




