د. مجدي عبدالحميد
د. مجدي عبدالحميد

الاقتصاد التعاوني كبديل للاستدانة (2) مقال د.مجدي عبد الحميد

يمثل الاقتصاد التعاوني نموذجًا اقتصاديًا يجمع بين كفاءة القطاع الخاص والبعد الاجتماعي للقطاع العام. وفي ظل التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد المصري — وعلى رأسها ارتفاع حجم الدين العام والضغط على العملة الأجنبية — يمكن للقطاع التعاوني، إذا أُعيدت هيكلته وتحديثه، أن يتحول من مجرد دور رعاية اجتماعية تقليدي إلى مُحرّك استراتيجي للنمو والإنتاجية.

يرتبط تفاقم الدين العام بالاعتماد المستمر على الاقتراض الحكومي لتغطية عجز الموازنة، واستيراد السلع الأساسية، وتمويل المشاريع. في ظل تعاظم أعباء الدين الخارجي، والشروط الهيكلية والسياسية المجحفة التي تفرضها مؤسسات التمويل الدولية أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة يبرز الاقتصاد التعاوني كنموذج للتمويل الذاتي والتنمية المستدامة النابعة من الداخل. ليس كمجرد قطاع ثالث هامشي، بل كخيار استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصادات النامية ودون المتوسطة، وبناء نموذج تنموي مرن، تشاركي، قائم على المعرفة والاستخدام الكفء لأقل الموارد المتاحة، حيث يعتبر البديل الهيكلي بالغ الأهمية لتلك البلدان.

أولاّ: الآليات الاقتصادية والهيكلية الرئيسية التي تجعل من الاقتصاد التعاوني، حال تفعيلها،  بديلاّ حقيقياّ عن الاستدانة والاستثمار الأجنبي المشروط:

آلية تعبئة المدخرات المحلية والتمويل الذاتي

بديل الاقتراض الخارجي: الاستدانة الخارجية تُدفع بالعملة الصعبة وتكلف الدولة فوائد تضغط على ميزان المدفوعات.     في المقابل، تقوم التعاونيات الائتمانية والمالية بتجميع فوائض المدخرات الصغيرة للمواطنين وإعادة ضخها في الاقتصاد المحلي كقروض إنتاجية ميسرة.

السيادة المالية: تظل القرارات التمويلية خاضعة للمصلحة المحلية للأعضاء والمجتمع، بعيداً عن شروط “التكيف الهيكلي” التي تفرض تقليص الدعم أو خصخصة الأصول الخدمية كشرط لمنح القروض.

آلية توطين رأس المال ومنع تهريب الأرباح

معضلة الاستثمار الأجنبي: تعاني الكثير من الدول من خروج جماعي للأرباح والعملة الصعبة مع أول هزة اقتصادية.

الحل التعاوني: في المؤسسات التعاونية، يُعاد استثمار الفوائض المالية إما في تطوير خطوط الإنتاج محلياً، أو توزيعها كعائد على الأعضاء (المواطنين) الذين ينفقونها في السوق المحلية، مما يعزز الطلب الداخلي ويحمي الاحتياطي النقدي من الاستنزاف.

آلية خفض تكلفة تشغيل وإدارة الأصول العامة

بديل الخصخصة: بدلاً من بيع المرافق العامة (كالكهرباء والماء والاتصالات) لمستثمرين أجانب يرفعون الأسعار لتعظيم أرباحهم، يمكن تحويل هذه المرافق إلى تعاونيات مستهلكين أو تعاونيات خدمية مشركة. هذا يضمن إدارة المرفق بكفاءة اقتصادية وبأقل تكلفة تشغيلية، دون الحاجة للجوء لقروض دولية لتطوير هذه القطاعات.

ثانياً: نماذج عالمية ناجحة أثبتت فاعلية هذا البديل

هناك تجارب عالمية عملاقة لم تعد مجرد “مبادرات محلية”، بل أصبحت ركائز أساسية لاقتصادات دولية تتفوق في مرونتها على قطاعات رأس المال التقليدي:

1. مجمع “موندراغون” إقليم الباسك، إسبانيا

تأسس هذا المجمع في خمسينيات القرن الماضي بواسطة قس محلي وأفراد من المجتمع في ظل ظروف فقر مدقع وبطالة وركود اقتصادي خانق عقب الحرب الأهلية الإسبانية، ودون أي دعم من استثمارات أجنبية أو قروض دولية.

الحجم والأثر: اليوم، موندراغون هو أكبر تكتل تعاوني في العالم، يضم أكثر من 80 ألف عامل، ويعد سابع أكبر شركة في إسبانيا من حيث المبيعات وقيمة الإنتاج.

المرونة والتمويل الذاتي: يمتلك المجمع بنكاً تعاونياً خاصاً به يقوم بجمع مدخرات المجتمع وإعادة توجيهها لتمويل وتوسيع المصانع التابعة للمجمع. لم تلجأ موندراغون يوماً للاستدانة الخارجية أو لسيطرة المستثمرين الأجانب؛ بل واجهت الأزمات الاقتصادية العالمية (مثل أزمة 2008) بمرونة مذهلة عبر تدوير العمالة وتخفيض الأجور مؤقتاً بقرار جماعي بدلاً من تسريح العمال.

2. نموذج “رابيوبانك” هولندا

تأسس في أواخر القرن التاسع عشر كشبكة من بنوك الائتمان التعاوني الزراعي الصغيرة لمواجهة الفقر والاحتکار المالي الذي كان يمارسه كبار المقرضين ضد المزارعين الهولنديين.

الحجم والأثر: تطور هذا النظام التعاوني ليصبح اليوم واحداً من أكبر المؤسسات المالية في هولندا والعالم، وهو المتخصص الأول عالمياً في تمويل الأغذية والزراعة.

البديل التمويلي: يثبت هذا النموذج كيف يمكن للقطاع المصرفي التعاوني أن يدعم قطاعاً حيوياً كالأمن الغذائي والزراعة بالاعتماد الكامل على التمويل الذاتي والمدخرات المشتركة، مغلِقاً الباب أمام الحاجة للاستدانة لتمويل القطاع الزراعي.

3. اتحاد “إميليا رومانا” إيطاليا

يُعرف هذا الإقليم بـ “المثلث الثالث” في الاقتصاد الإيطالي، ويعتمد ثلث ناتجه المحلي الإجمالي على النشاط التعاوني.

الحجم والأثر: يضم الإقليم آلاف التعاونيات المتخصصة في التصنيع المتقدم، والزراعة، والخدمات الاجتماعية. يتميز الإقليم بأنه يسجل أدنى معدلات بطالة وأعلى مستويات معيشة في أوروبا.

الابتكار دون استثمار أجنبي: طوّر الإقليم نموذجاً فريداً للتمويل يفرض على كل تعاونية تخصيص 3% من أرباحها لصالح صندوق مشترك لتأسيس تعاونيات جديدة وتطوير التكنولوجيا. هذا التمويل التضامني الداخلي أغنى الإقليم تماماً عن البحث عن استثمارات أجنبية ذات شروط مجحفة لتطوير بنيته التكنولوجية والصناعية.

خلاصة القول سياسياً وتنموياً:

إن التحول نحو الاقتصاد التعاوني كبديل للاستدانة يتطلب إرادة سياسية واعية تدرك أن السيادة الوطنية تبدأ من الاستقلال المالي. إن توجيه التشريعات وسياسات الدولة نحو تنظيم وتسهيل عمل التعاونيات الإنتاجية والائتمانية هو بمثابة بناء “مصدات صدمات داخلية” تجعل الدولة قادرة على رفض الإملاءات الخارجية وتطوير نموذج تنموي متمحور حول الإنسان واحتياجاته الحقيقية.