مصالح الحلفاء المتعارضة.. تطوير الهجوم على لبنان يشعل الخلافات بين ترامب ونتنياهو

تبادلت إسرائيل وإيران إطلاق النار بكثافة صباح اليوم الإثنين، في تصعيد عنيف شكل اختبارا حقيقيا لوقف إطلاق النار الهش الذي أبرمه الرئيس ترامب في الشرق الأوسط، وتمثل هذه الهجمات والهجمات المضادة أول استهداف متبادل بين إيران وإسرائيل منذ دخول وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ في 8 أبريل.

تبادل إطلاق النيران
بدأت الهجمات بضربة إسرائيلية على بيروت الأحد الماضي، وسط تجدد القتال مع حزب الله، وهو ما هدد بتصعيد الصراع الذي تم احتواؤه إلى حد كبير منذ وقف إطلاق، رغم وجود مناوشات أقل حدة، وصعدت إسرائيل بتوجيه ضربات إلى منشأة بتروكيماوية إيرانية رئيسية، ووصف الحرس الثوري الإسلامي هذه الخطوة بالخطيرة، وهدد بتعريض منشآت الطاقة في جميع أنحاء المنطقة للخطر.

وردت إيران بتوجيه صواريخ على إسرائيل في عدة موجات من الهجمات، وانطلقت صفارات الإنذار في تل أبيب، وسُمع دوي انفجارات ناجمة عن اعتراض صواريخ في أنحاء المدينة، بعد أن نفذت إسرائيل وعدها بشن هجوم مضاد رغم التحذيرات الأولية التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتريث، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتعرض لضغوط من حلفائه السياسيين والمعارضة للرد على وابل الصواريخ الإيرانية.

وقال مسئول إسرائيلي إن سلاح الجو الإسرائيلي شن غارات على أهداف عسكرية في وسط وغرب إيران ردًا على ذلك، والتي شملت أنظمة دفاع جوي وأسلحة، وذكر سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، على مواقع التواصل الاجتماعي، أن من بين الأهداف الأخرى مواقع إطلاق صواريخ إيرانية وبنية تحتية غير متعلقة بالطاقة.

وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن من بين الأهداف شركة “كارون للبتروكيماويات” التي أصيبت وتضررت، وتخضع الشركة لعقوبات أمريكية لكونها مصدر تمويل للحرس الثوري الإسلامي، وأكدت إسرائيل استهداف مجمع بتروكيماوي في المنطقة.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني، في بيانٍ صادر عن وكالة أنباء تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، أنه ردّ بشن غارات على مصنع للبتروكيماويات في حيفا، شمال إسرائيل، وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية بأن إيران ستواصل الرد على الضربات الإسرائيلية طالما دعت الحاجة.

ويتزامن الهجوم الإيراني على إسرائيل مع إعلان الحوثيين في اليمن عزمهم مهاجمة السفن الإسرائيلية التي تحاول عبور البحر الأحمر، حيث أطلق الحوثيون صاروخًا باليستيًا على وسط إسرائيل يوم الإثنين، وأعلنوا فرض حصار بحري على إسرائيل في البحر الأحمر، مع أنه لم يتضح بعد ما سيعنيه هذا التهديد عمليًا، مما يهدد الملاحة البحرية العالمية.

خلفية التصعيد
أعلن الرئيس “ترامب”، الأسبوع الماضي، رفضه شن هجوم إسرائيلي واسع النطاق على بيروت، وقالت تل أبيب إن اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان يتضمن تفاهمًا أمريكيًا يسمح لها بضرب بيروت في حال شن حزب الله هجومًا على إسرائيل.

وفي الأسبوع الماضي أجرى “ترامب” اتصالًا هاتفيًا متوترًا مع “نتنياهو”، وطالب إسرائيل بوقف الضربات على بيروت، وسط ضغوط من طهران لإنهاء العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله حليف إيران.

وصرحت وزارة الخارجية الأمريكية بأن الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية اتفقتا على وقف إطلاق النار شريطة أن يوقف حزب الله هجماته وينسحب من منطقة قرب الحدود مع إسرائيل، وينص الاتفاق على أن يسيطر الجيش اللبناني على أجزاء صغيرة من المنطقة في مشروع تجريبي.

ورفض حزب الله وإيران الاتفاق سريعًا مؤكدين أنهما لن يقبلا أي هدنة حتى تنسحب إسرائيل بالكامل من لبنان، ومنذ ذلك الحين استمر تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله.

وجاء الهجوم الإيراني والغارات الجوية في بيروت عقب تبادل آخر لإطلاق النار خلال عطلة نهاية الأسبوع بين القوات الأمريكية والإيرانية، وهو الأحدث في سلسلة من المناوشات بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي يعتمد عليه خُمس إمدادات النفط في العالم والذي أصبح مسرحاً مركزياً للصراع.

مكاسب “نتنياهو”
مثل استئناف القتال مع إيران مزايا واضحة لنتنياهو على الأقل على المدى القصير، منها أنه أظهر لقاعدته السياسية الساخطة استعداده لمواجهة الرئيس “ترامب”، الذي وبخ إسرائيل يوم الأحد الماضي في مكالمة هاتفية لقصفها ضواحي بيروت، وهو ما يعد أمرًا بالغ الأهمية لنتنياهو الذي يتأخر في استطلاعات الرأي قبل خوضه معركة إعادة انتخاب صعبة.

كما يخشى “نتنياهو” أيضًا أن تكون اتفاقية السلام التي تسعى إدارة “ترامب” لإبرامها مع إيران كارثية على إسرائيل، من خلال تقييد قدرتها على التعامل مع حزب الله، ذلك لأنه إذا سمح “ترامب” لإسرائيل بتصعيد القتال، فإن إيران ستوسع نطاق ردها، ليس فقط عبر حزب الله والحوثيين في اليمن، بل أيضًا إلى إمكانية انجرار الميليشيات الشيعية في العراق إلى الصراع.

وهو ما يرسخ لمعادلة تسعى إيران إلى تحقيقها، إذ قد يعزز الربط المباشر بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، حيث يمكن الرد على الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في بيروت ومحيطها بهجمات إيرانية على إسرائيل، ما سيجعل الوضع الاستراتيجي أسوأ بالنسبة لإسرائيل.

خلافات الحلفاء
يواجه “نتنياهو” انتخابات هذا الخريف، ويتعرض لضغوط شعبية للرد على هجمات حزب الله المستمرة على شمال إسرائيل، كما أنه يحرص على عدم الظهور بمظهر الخاضع لترامب.

في الوقت نفسه، يواجه الرئيس الأمريكي أيضًا انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر الماضي، وهو حريص على إنهاء حربه هزت الاقتصاد العالمي ورفعت الأسعار على المستهلكين.

يحاول “ترامب” تهدئة الموقف وصرح لمراسلي “فوكس نيوز” و”أكسيوس” بأنه يضغط على إيران و”نتنياهو” للتراجع، وذكرت فوكس نيوز أن “ترامب” قال لمراسلها الرئيسي تري ينجست، في مقابلة:” ما اقترحه على إيران: لقد أطلقتم صواريخكم، هذا يكفي، عودوا إلى طاولة المفاوضات وتوصلوا إلى اتفاق”.

وفي مقابلة مع قناة فوكس نيوز يوم الأحد، قال “ترامب” إن الضربات الإسرائيلية الأخيرة على أهداف حزب الله في لبنان لم تكن منسقة مع الولايات المتحدة، وأخبر “ترامب” برنامج “ميت ذا برس” على قناة “إن بي سي” أنه يؤيد الضربات الدقيقة ضد حزب الله، وذلك بعد أن أبلغ “نتنياهو” بذلك.

وفي وقت لاحق، صرح “ترامب” لصحيفة “فايننشال تايمز” بأنه سيملي شروط الحرب على “نتنياهو”، ونقلت الصحيفة البريطانية عن “ترامب” قوله: “أنا صاحب القرار المطلق هو لا يملك القرار” في إشارة لنتنياهو.

جاء الهجوم الإيراني بعد أن هددت طهران بضرب إسرائيل والقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط ردًا على الهجوم على العاصمة اللبنانية، وهي المرة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل بيروت منذ إعلان الولايات المتحدة وقف إطلاق النار على تلك الجبهة الأسبوع الماضي، وكانت إسرائيل قد وافقت على عدم ضرب بيروت شريطة ألا يهاجم حزب الله إسرائيل نفسها، واتفقت مع لبنان على هدنة أوسع نطاقًا شريطة أن يتوقف الحزب عن القتال.

وأمر “نتنياهو” بشن الضربة على ما وصفه بأنه مقر لحزب الله في الضواحي الجنوبية لبيروت معقل الحزب، وفي وقت سابق، قال الجيش الإسرائيلي إن حزب الله أطلق صواريخ على شمال إسرائيل والتي اعترضها.

محاولات طهران
تسعى طهران إلى وقف العمليات الإسرائيلية داخل لبنان كجزء من مفاوضات السلام مع واشنطن، وصرح كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف يوم الأحد الماضي، بأن الحصار الأمريكي للسفن الإيرانية وما وصفه بالضوء الأخضر الأمريكي للضربة الإسرائيلية في لبنان، “يحول القواعد والأصول الأمريكية وقواعد النظام في المنطقة إلى أهداف مشروعة”.

ولم يرد مكتب رئيس الوزراء نتنياهو على طلبات التعليق بشأن ما إذا كانت الضربة الإسرائيلية الأخيرة على بيروت قد حظيت بموافقة واشنطن.

 نقاط الخلاف
صرح مسئول أمريكي لشبكة CNN بأن الجيش الأمريكي لم يعترض أيًا من الصواريخ الإيرانية التي أطلقت ليلًا، وهو تحول ملحوظ عن جولات الصراع السابقة مع إيران، حين استخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من صواريخها الاعتراضية لإسقاط الصواريخ الإيرانية الموجهة نحو إسرائيل.

ويتناقض هذا النفي مع تصريح أدلى به مسؤول عسكري إسرائيلي في وقت سابق من الإثنين، قال فيه إن الولايات المتحدة ساعدت إسرائيل في جهود الدفاع الجوي، بما في ذلك اعتراض بعض الصواريخ الإيرانية.

كما صرح المسؤول لشبكة CNN بأن الجيش نسق ليلا مع القيادة المركزية الأمريكية، حيث تحدث رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي الفريق إيال زامير مرتين مع قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر.

يعبر ما حدث عن مدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام الضغط العملي الفعلي، ليس فقط فيما يتعلق بمبيعات الأسلحة، بل أيضا من خلال عدم رغبتها في تبادل المعلومات الاستخباراتية للعمليات، أو حتى عدم المشاركة في الدفاع الصاروخي كما فعلت، وبالتأكيد سترد إسرائيل على الضغط العملي من طرف واشنطن والذي سيتجاوز حدود المكالمات الهاتفية الحادة.

وحث مسئولون من مصر والسعودية وتركيا وباكستان وقطر إدارة “ترامب” على الضغط على إسرائيل لكبح جماح ضرباتها على إيران وبيروت، كما حثوا المسؤولين الإيرانيين على وقف الهجمات على إسرائيل.

أسعار النفط
دفعت الموجة الجديدة من الهجمات بين إسرائيل وإيران أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد صباح الإثنين، حيث ارتفع سعر خام برنت إلى 97.8 دولارًا للبرميل، مقارنة بـ 92.9 دولارًا للبرميل عند إغلاق جلسة تداول يوم الجمعة الماضي.

في الولايات المتحدة ارتفع سعر البنزين بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب، حيث بلغ متوسطه الوطني 4.16 دولارًا للجالون يوم الاثنين وفقًا لجمعية السيارات الأمريكية، بعد أن كان 2.98 دولارًا للجالون قبل النزاع.

ونجد أن الخلل في سوق النفط يأتي نتيجة إلى ما كلفته السياسة الأمريكية الشرق الأوسط الكثير وزعزعت استقرار المنطقة بأكملها، ومكنت إسرائيل من التحول لأكثر عدوانية دون مواجهة أي عقوبات، وبغض النظر عن مدى التوافق مع السياسات الغربية، فالحفاظ على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط سيكلف المنطقة الكثير، لأن الحفاظ على هيمنة إسرائيل يستلزم استمرار الحرب على إيران، والذي يتعارض حاليًا مع السياسات الأمريكية، فالميزان يتأرجح ما بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، فأي منهما سترجح كفته؟.