نزيف البالطو الأبيض.. هجرة الأطباء تهدد المنظومة الصحية في مصر والحل “التأمين الصحي الشامل”

صورة بالذكاء الاصطناعي



وكيل صحة النواب: نحتاج 80 كلية طب وتنظيم سفر الأطباء بدلًا من الهجرة العشوائية

مقرر إعلام الأطباء: تدني الأجور وضغط العمل وراء نزيف الكوادر الطبية

وزير الصحة: التأمين الصحي الشامل يرفع دخل الطبيب 4 أضعاف ويحد من تسرب الكوادر.

في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تفاقم أزمة نقص الأطباء في مصر، تبرز هجرة الكفاءات الطبية إلى الخارج كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية، بالتزامن مع التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل وما تفرضه من احتياجات متزايدة للكوادر البشرية.

وتكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتي صدرت بمناسبة اليوم العالمي للصحة 7 أبريل الماضي عن استمرار أزمة نقص الأطباء في القطاع الحكومي، إذ انخفض عدد الأطباء البشريين إلى 120.4 ألف طبيب خلال عام 2024 مقابل 122.4 ألف طبيب في 2023، بنسبة تراجع بلغت 1.7%. وتأتي هذه الأرقام في وقت تتزايد فيه التحذيرات من اتساع فجوة الكوادر الطبية مع استمرار هجرة الأطباء إلى الخارج وارتفاع معدلات رفض التكليف، وهو ما يضع المنظومة الصحية أمام تحديات متزايدة، خاصة مع التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، وسط دعوات برلمانية لوضع رؤية متكاملة تضمن الحفاظ على الكفاءات الطبية وتنظيم الاستفادة منها داخل مصر وخارجها.

ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، تقدم بطلب إحاطة إلى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، بشأن تفاقم الأزمة الهيكلية بمنظومة المستشفيات الحكومية، وتدهور مستوى الخدمات الطبية بمعهد ناصر، والمستشفى الشاملة بشبرا الخيمة، ومستشفى النيل التخصصي، ومستشفى قليوب التخصصي، محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية يهدد حق المواطنين في الحصول على رعاية صحية آمنة وكريمة.

تراجع مقلق في الخدمات الصحية

وأوضح “الهضيبي” أن المنظومة الصحية الحكومية تشهد تراجعًا مقلقًا في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، انعكس في تزايد شكاوى المرضى من نقص المستلزمات الطبية، وتعطل الأجهزة الحيوية، والعجز في الكوادر الطبية والتمريضية، بما يتعارض مع المادة (18) من الدستور التي تكفل الحق في الحصول على خدمات صحية متكاملة وفقًا لمعايير الجودة.

وأشار إلى أن المؤشرات الرسمية تكشف عن أزمة هيكلية حقيقية داخل القطاع الصحي، لافتًا إلى أن عدد الأطباء المسجلين بنقابة الأطباء يبلغ نحو 260 ألف طبيب، بينما لا يعمل داخل مصر سوى نحو 120 ألف طبيب فقط، نتيجة هجرة أكثر من 110 آلاف طبيب للعمل بالخارج، وهو ما أدى إلى تراجع معدل الأطباء إلى 8.6 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، مقارنة بالمعدل العالمي الآمن البالغ 23 طبيبًا لكل عشرة آلاف مواطن.

وأضاف أن القطاع الصحي يعاني كذلك من عجز يقدر بنحو 75 ألف ممرض وممرضة، فضلًا عن انخفاض الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الحكومية إلى نحو 121 ألف سرير فقط لخدمة أكثر من 110 ملايين مواطن، وهو ما يضاعف الضغوط على المستشفيات ويؤثر سلبًا على جودة الخدمات الصحية المقدمة.

وأكد وكيل لجنة حقوق الإنسان أن مخصصات قطاع الصحة بالموازنة العامة للدولة، والتي تبلغ نحو 301.9 مليار جنيه، لم تنعكس بالشكل المأمول على مستوى الخدمات، في ظل استمرار نقص المستلزمات الطبية، وتعطل الأجهزة، وغياب أعمال الصيانة الدورية، بما يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد وأولويات الإنفاق داخل المنظومة الصحية.

و حذر الدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، من استمرار نزيف الكفاءات، داعيًا إلى تبني رؤية متكاملة تقوم على التوسع المدروس في كليات الطب وتنظيم هجرة الأطباء بما يحولها من أزمة تهدد القطاع الصحي إلى فرصة تدعم الاقتصاد الوطني وتحقق التوازن بين احتياجات الداخل والطلب الخارجي.

قال مرشد في تصريحات لـ”ليبرالي” إن مصر تواجه أزمة حقيقية في نقص الأطباء، موضحًا أن إجمالي عدد الأطباء المسجلين بنقابة الأطباء يبلغ نحو 260 ألف طبيب، بينما لا يعمل فعليًا داخل البلاد سوى نحو 120 ألف طبيب فقط.

وأضاف مرشد أن ما بين 60 و70 ألف طبيب يعملون في القطاع الحكومي، ونحو 20 ألفًا بلغوا سن المعاش، فيما يعمل الباقون في القطاع الخاص أو الحر، مقابل ما لا يقل عن 120 ألف طبيب مصري يقيمون ويعملون خارج البلاد، مشيرًا إلى أن ظاهرة رفض التكليف تشهد تصاعدًا ملحوظًا، إذ يتراوح عدد الرافضين في كل دفعة بين أربعة وخمسة آلاف طبيب، وهو ما يستوجب الوقوف على أسبابه ووضع حلول جذرية لمعالجته.

وأوضح وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب أن أزمة هجرة الأطباء لا تقتصر على كونها خطرًا يهدد المنظومة الصحية، وإنما يمكن أيضًا تحويلها إلى فرصة إذا أُحسن استثمار الكوادر الطبية المصرية، مؤكدًا أن النقص الحالي مرشح للتفاقم مع التوسع التدريجي في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل.

وأشار إلى أن انضمام محافظات كبيرة، مثل المنيا، إلى منظومة التأمين الصحي الشامل سيدفع أعدادًا من الأطباء للانتقال إلى هيئة الرعاية الصحية، التي تمنح رواتب تتراوح بين 14 و25 ألف جنيه، مقارنة برواتب تتراوح بين 7 و10 آلاف جنيه في وزارة الصحة، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم العجز في المحافظات المجاورة.

وأضاف أن تجربة محافظتي بورسعيد والإسماعيلية تمثل نموذجًا واضحًا لذلك، بعدما نجحتا في استقطاب أعداد كبيرة من الأطباء وأطقم التمريض والفنيين من محافظات الشرقية والدقهلية والمنصورة بفضل فارق الرواتب، مؤكدًا أن الكفاءات الطبية المصرية تمثل ثروة بشرية يجب استثمارها وليس التعامل معها باعتبارها خسارة.

وأكد مرشد أن مواجهة الأزمة تعتمد على محورين رئيسيين، أولهما التوسع المدروس في إنشاء كليات الطب، وثانيهما تنظيم تصدير الكوادر الطبية إلى الخارج من خلال آلية مؤسسية واضحة تضمن تحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلية والطلب الخارجي.

وأوضح أن مصر تضم حاليًا ما بين 56 و59 كلية طب حكومية وخاصة وأهلية وأزهرية، في حين تشير المعدلات العالمية إلى الحاجة إلى كلية طب لكل 1.5 إلى مليوني نسمة، بما يعني أن مصر تحتاج إلى ما بين 60 و80 كلية طب.

وشدد على ضرورة أن تكون الكليات الجديدة متوسطة أو صغيرة الحجم، بحيث يتراوح عدد خريجي كل كلية بين 250 و300 طبيب سنويًا، بما يرفع إجمالي الخريجين إلى نحو 20 أو 25 ألف طبيب سنويًا، مع الإبقاء على ما بين 15 و20 ألف طبيب للعمل داخل مصر، وتنظيم سفر نحو خمسة آلاف طبيب سنويًا للعمل بالخارج عبر آلية رسمية، بدلًا من اعتمادهم على العلاقات الشخصية أو الوسطاء في الحصول على فرص العمل.

التأمين الصحي الشامل هو الحل

 أكد الدكتور أحمد مبروك، مقرر لجنة الإعلام بالنقابة العامة للأطباء، أن ظاهرة هجرة الأطباء وتخليهم عن المهنة لا ترتبط بالنقابة بقدر ما تعود إلى بيئة العمل والظروف المحيطة بها داخل المنظومة الصحية، مشدداً على أن “التأمين الصحي الشامل” هو الحل الوحيد والجذري للقضاء على هذه الأزمة وإنقاذ القطاع الصحي.

وأوضح “مبروك” في تصريحات خاصة لـ” ليبرالي ” أن الطبيب في مصر يواجه ضغوط عمل رهيبة في ظل تدني العوائد المالية، مستشهداً بظروف العمل اليومية قائلاً: “على سبيل المثال، قد يفحص الطبيب نحو 40 مريضاً في غضون ساعة ونصف أو ساعتين داخل عيادات التامين الصحي، وهو أمر غير إنساني، وفي النهاية لا يتجاوز المقابل المالي لهذه الساعتين سوى 30 جنيهاً، يتقاضى منها الطبيب صافي 20 جنيهاً فقط، وهو أجر لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الجهد والمجلس المخصص”.

تدني الأجور وضغط العمل

وأضاف مبروك أن ضعف المرتبات يضطر الطبيب للعمل في القطاع الخاص ليدخل في دوامة عمل لا تنتهي بدلاً من الحصول على راحة، حيث يصل أجر الطبيب أحياناً بعد 15 عاماً من العمل إلى 7 أو 8 آلاف جنيه فقط، وهو ما لا يكفي متطلبات الحياة الأساسية، مشيرا إلى أن البيئة الحالية تعاني من سوء توزيع الأطباء على المستشفيات، ونقص المستلزمات والأدوية، وغياب السكن الأدمي، إلى جانب ظاهرة الاعتداءات المتكررة على الأطقم الطبية، والتي يتم حصر المسؤولية فيها على الطبيب أو إدارة المستشفى دون معالجة الأسباب الحقيقية.”

وأوضح مبروك أن الحل ليس في القرارات الجبرية أو المنع من الاستقالة، لأن ذلك يدفع الطبيب للانقطاع عن العمل والمغادرة. الحل الحقيقي الذي أطالب به مجلس النواب هو الإسراع في تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل على مستوى الجمهورية تحت مظلة واحدة.”

وأضاف: “تطبيق التأمين الشامل سيضمن أجوراً عادلة للأطباء قد تصل إلى 40 أو 50 ألف جنيه، ويمنع تضارب المصالح، وتوفر بيئة عمل محترمة، وأحدث الأجهزة، وبرامج التدريب المستمر، وهو النمط المتبع في معظم دول العالم، ويمثل الضمانة الوحيدة للحد من اعتداءات المواطنين واستقرار الأطباء داخل وطنهم.

زيادة أجر الطبيب 4 أضعاف

وشدد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، على المحورية الكبيرة لمنظومة التأمين الصحي الشامل باعتبارها أحد أضخم المشروعات القومية لتطوير المنظومة الطبية، معربًا عن أمله في التوسع بتطبيقها بمختلف أرجاء مصر للوصول إلى التغطية الصحية الشاملة وتحقيق التكافؤ والعدالة الاجتماعية في توزيع الخدمات الطبية.

أوضح وزير الصحة، خلال لقائه أمس الثلاثاء مع الإعلامية لميس الحديدي في برنامج “الصورة” المذاع عبر قناة النهار، أن المشروع القومي يمثل حلًا جذريًا لمواجهة ظاهرة تسرب الأطقم الطبية للخارج، مشيرًا إلى أن العائد المالي للطبيب داخل المنظومة الجديدة يصل إلى 4 أضعاف نظيره في القطاع الحكومي التقليدي، مما ينعكس إيجابًا على تحسين أوضاعهم المعيشية واستقرارهم المهني.

وذكر أن القطاع الخاص يستحوذ على دور محوري وأساسي في هذه المنظومة، لافتًا إلى أن المشروع يمنح المستفيدين الحرية الكاملة في اختيار المستشفى أو المركز الطبي المتعاقد للخدمة.