خاص “ليبرالي”| هاني شنودة في حوار لم يُنشر: نجيب محفوظ غير مساري.. و”زحمة يا دنيا زحمة” كانت ردي على حسين السيد.. وعبد الحليم حافظ عرف نقطة ضعفي

لم يكن الموسيقار الراحل هاني شنودة مجرد موزع موسيقي أو مؤسس فرقة ناجحة، بل أحد أبرز صناع التحول في الموسيقى المصرية الحديثة، وبين التمرد على القوالب التقليدية، والرهان على الأصوات الجديدة، والإيمان بأن التجديد يبدأ بالفعل لا بالجدل، ترك بصمة امتدت من فرقة “المصريين” إلى انطلاقات محمد منير وعمرو دياب وغيرهما.

وفي هذا الحوار الذي لم يُنشر من قبل، كشف هاني شنودة ما حدث معه، وسر علاقة الأديب العالمي نجيب محفوظ بفرقة “المصريين”، وحكى عن محطات فارقة صنعت تجربته الموسيقية، وإلى نص الحوار:

أشرف شرف

كيف كانت البداية.. وماذا دار بينك وبين الأديب العالمي نجيب محفوظ؟ وما السر الذي يربطه ببداياتك الفنية وفرقة “المصريين”؟

البداية كانت في فندق فلسطين بالإسكندرية خلال ستينيات القرن الماضي، بينما كان الأديب الكبير نجيب محفوظ يجلس مستمعًا إلى فرقة “Les Petits Chats” أو “القطط الصغيرة”، وسط أعضاء الفرقة المغمورين آنذاك، عزت أبو عوف، وعمر خورشيد، وعمر خيرت، ووجدي فرنسيس، وبينو فارس وغيرهم، لم يكن أحد يدرك قيمة الجالس أمامهم سوى شاب متمرد يعزف على الأورج، “إللي هو أنا”.

بينما تجاهل بقية الأعضاء الكاتب الكبير، الذي يرغب في إجراء حوار معهم، توليت وحدي الحوار، سألني محفوظ عن سر غنائنا بالإنجليزية والفرنسية، وتجاهلنا اللغة العربية والجمهور المصري، ثم ألقى في وجهي تحديًا مباشرًا: “أنتم مجرد زوبعة في فنجان”.

لم أقبل هذا الوصف، بل انتفضت مدافعًا عن تمردنا، وقلت له: لو كنا مجرد زوبعة في فنجان لم تكن تأتي من القاهرة لتستمع إلينا في الإسكندرية.

وشرحت له أن الأغاني العربية التقليدية لا تناسب إيقاع جيلي السريع؛ فالأغاني غارقة في “الربع تون”، ومقدمة أغنية عربية واحدة تستهلك وقتًا يكفي لثلاث أغنيات غربية.

وجدت محفوظ يبتسم أمام هذا الاندفاع، ووجه لي ضربة فكرية قاضية غيرت مساري حينما قال لي: “لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام.. اصنع الأغنية التي تراها صحيحة”.

وماذا عن علاقتك بالعندليب عبد الحليم حافظ؟ وهل حاول استقطابك؟
أعترف بأنني لم أكن أخجل بوصف نفسي في بداياتي بالشاب الطائش الذي لا يعلم مصلحته، ففي مطلع السبعينيات، كان عبد الحليم حافظ يطارد حفلات “لي بيتي شاه”، ويقف مأخوذًا بحركة أصابعي المتمردة على الأورج.

وحاول العندليب مرارًا استقطابي، لكنني أتهرب منه معتبرًا أن موسيقاه هو وأم كلثوم “العدو الكلاسيكي” لموسيقانا المتحررة التي تعشق فرانك سيناترا وإلفيس بريسلي، لم أكن مستعدًا للتخلي عن تمردي لصالح القوالب القديمة.

لكن حليم، بذكاء الثعلب، عرف كيف يصطاد هذا المتمرد من نقطة ضعفي، وهي شغفي بالآلات الحديثة، جمعني به اتصال هاتفي بسيط أخبرني فيه باقتناء أورج جديد من نوع “سوبر سترينجس”، وكان ذلك كافيًا لإيقاعي في الفخ.

وافقت بعدها على تشكيل فرقة حديثة تعزف خلف العندليب، تزاحم الفرقة الماسية العريقة لأحمد فؤاد حسن، لولا أن القدر أنهى هذا الحلم بوفاة حليم.

كيف جاءت فكرة تأسيس فرقة “المصريين”؟ وما الذي أردت تقديمه من خلالها؟
داخل استوديوهات التسجيل، وأثناء العمل على ألبوم محمد منير الأول، قررت تفجير قنبلتي الموسيقية استجابة لتحدي نجيب محفوظ، أسست فرقة اخترت لها اسم “المصريين”، رفضًا لمحاولات طمس الهوية تحت مسمى “الجمهورية العربية المتحدة”، لأعلن الحرب على “الأغنية الرومانسية” المستهلكة، وبدمج “الهارموني” وتكنيك “الكانون” الغربي، اخترعت “الأغنية الاجتماعية” التي تليق بصخب جيلي.

اخترت تشكيلة من الأصوات المتناغمة وهم: هاني الأزهري، وتحسين يلمظ، ومحمد هندي، وعمر فتحي، وإيمان يونس، وأضفت إليهم ممدوح قاسم بصوته الرخيم، الذي سخر منه المنتج عاطف منتصر، واصفًا إياه لي بصوت “بياع كرشة”، قبل أن أجبره على الاعتراف بنجاحه، ثم اكتملت الفرقة برعاية صلاح جاهين لهم.

واجهت العديد من الأزمات مع فرقة “المصريين” فكيف تعاملت معها؟
أعترف إنني كنت عنيدًا لأقصى درجة، لم أتوقف في مواجهة الأزمات، بعد اعتزال مطربات الفرقة تباعًا للزواج، اخترت “منى عزيز”، صديقة زوجتي، لأدربها على أغنية جديدة.

وما هي قصة أغنية “ماشية السنيورة” مع صلاح جاهين؟
أحكي لك قصة غريبة، وهي حينما التقيت بعبقري الكلمة صلاح جاهين، الذي رفض إكمال كتابة مطلع أغنية “ماشية السنيورة” قبل رؤية المطربة الشابة، بعد لقائها، أرسل جاهين الكلمات، واتصلت به لأسأله عن سر إصراره على لقائها فقال لي: “طبعًا يا هاني ماكنتش هاعرف أكتب شعري السايح لو هي كارتة”.

كيف لحنت أغنية “زحمة يا دنيا زحمة”؟
في إحدى المرات، شنت الصحافة، وعلى رأسها الشاعر حسين السيد، هجومًا عنيفًا عليّ، متهمين بأنني “خواجة” جئت لأطمس الهوية المصرية و”أفرنج” الأغنية، لذا قررت الرد بزلزال في قلب الأغنية الشعبية.

اخترت أغنية “زحمة يا دنيا زحمة” لأحمد عدوية، رغم اعتراض منتجه عاطف منتصر، الذي حاول إبعادي عنها لاعتقاده أنها لا تناسب طابع “الفرفشة”، حتى عدوية نفسه تملكه الرعب في البداية، متسائلًا باستنكار: كيف سيلحن لي “عمدة الغربي”؟.

لكنني أصريت، وأدخلت آلات الدرامز والبيز جيتار لأول مرة في تاريخ الموسيقى الشعبية لتصاحب صوت عدوية، لم تنجح الأغنية فحسب، بل تحولت إلى صرخة سياسية واجتماعية لانتقاد التكدس والضوضاء، لدرجة أنها دفعت الرئيس السادات شخصيًا إلى إصدار أوامر صارمة بضبط المرور وإعادة الانضباط إلى الشارع المصري ردًا على حالة الغليان التي أثارتها الأغنية.