اكتشفه يوسف شاهين مبكرًا ففتح له أبواب السينما

تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان القدير عبد الله محمود، الذي غيبه الموت عن عالمنا في مثل هذا اليوم 9 يونيو 2005 بعد صراع مرير مع مرض سرطان المخ، ورغم أن القدر لم يمهله طويلا ورحل في الأربعينيات من عمره -مواليد مارس 1956-، إلا أنه نجح في حفر اسمه بحروف من ذهب في ذاكرة السينما والدراما المصرية، تاركا إرثا فنيا يتجاوز حسابات السنين ومفهوم “البطولة المطلقة”.
من مسرح المدارس لشاشة التليفزيون
لم تكن مسيرة عبد الله محمود وليدة الصدفة، بل بدأت ملامح موهبته تتبلور منذ الطفولة عبر المسرح المدرسي وبرامج الأطفال، برفقة صديقي عمره محسن محيي الدين وأحمد سلامة، ورغم التحاقه في البداية بمعهد التعاون الزراعي وعمله كموظف في كلية الزراعة، إلا أن شغفه بالفن قاده لإعادة توجيه بوصلته نحو المعهد العالي للفنون المسرحية ليتخرج منه عام 1986.
شهد عام 1974 انطلاقته التليفزيونية الأولى من خلال مسلسل “البوسطجي”، لكن القفزة الكبرى والمدوية في مسيرته كانت عام 1978، حينما التقطه رادار المخرج العالمي يوسف شاهين، ليقدمه في فيلم “إسكندرية ليه؟”، وهو العمل الذي فتح له أبواب السينما من أوسع أبوابها.
ملوك “الدور الثاني”

عُرف عبد الله محمود باهتمامه البالغ بقيمة المضمون والفكرة، زاهداً في ترتيب الأسماء على التترات أو حجم الأجور، وهو ما جعله القاسم المشترك في أهم أفلام السينما الواقعية والتاريخية، تنقل الراحل بمرونة مذهلة بين المدارس الإخراجية المختلفة، فكان بطلاً أثيراً لدى كبار المخرجين، مع يوسف شاهين شارك في “إسكندرية ليه” و”حدوتة مصرية” و”المصير”.
و مع “صلاح أبو سيف” وقف بندية أمام النجم العالمي عمر الشريف في فيلم “المواطن مصري”، مع “رضوان الكاشف” تجلت موهبته في “عرق البلح” و«”عفاريت الأسفلت”، حيث كشفت زوجته سابقا أن “الكاشف” كتب له خصيصا مشاهد مضافة في بداية “عرق البلح” للتمسك بوجوده بعد أن تأخر إنتاج الفيلم وكبر عبد الله في السن.
كما ترك بصمات لا تُنسى في السينما التجارية والجماهيرية، مثل أدواره في “شمس الزناتي” و”حنفي الأبهة” و”المولد” أمام الزعيم عادل إمام، و”الإمبراطور” و”الاحتياط واجب” أمام الإمبراطور أحمد زكي، فضلا عن ملحمته الوطنية في “الطريق إلى إيلات”، وروائعه الأخرى مثل “الطوق والأسورة” و”سواق الأوتوبيس” و”طالع النخل”.
في التليفزيون والمسرح
ولم تكن الشاشة الصغيرة بعيدة عن إبداعه، فقد شارك في وجدان المشاهد العربي عبر مسلسلات أصبحت كلاسيكيات، أبرزها “الوتد”، “ذئاب الجبل”، “عصفور النار”، “الطاحونة”، و”الفرسان”، بينما تألق مسرحيا في عروض مثل “قصة الحي الغربي” و”حضرات السادة العيال”.
قصة الحب والوفاء خلف الأضواء

خلف هذه المسيرة الفنية الحافلة، كانت هناك قصة حب استثنائية جمعت بين عبد الله محمود وزوجته الكاتبة والناقدة حنان البنبي، بدأت الحكاية في كافتيريا المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث لم يحتج الفنان الراحل لمقدمات طويلة وفاجأها في اللقاء الأول بسؤال مباشر “تتجوزيني؟” ورغم رفض أسرتها في البداية، إلا أن تمسك حنان به أثمر عن زواج ناجح عام 1986 أسفر عن ولدين أحمد وعمر، ودائمًا ما كانت تصفه زوجته بأنه كان نموذجا للزوج والأب المسئول، وكان معروفا بنقائه الشديد، ورفضه للكذب والمراوغة.
الفصل الأخير

في عام 2003، تلقى الفنان الراحل صدمة إصابته بمرض سرطان المخ، لكنه استقبل الخبر بتماسك وشجاعة نادرة، وخلال رحلة علاجه المستمرة لعامين، قرر ألّا يستسلم للمرض، فخاض مجازفة إنتاجية وفنية هي الأولى والوحيدة له في البطولة المطلقة من خلال فيلم “واحد كابتشينو” بمشاركة حسن حسني ونشوى مصطفى.
كانت أمنية عبد الله محمود الأخيرة والدعاء الذي يلازمه على فراش المرض في “معهد ناصر” هو أن يمهله القدر حتى يرى فيلمه الأخير يُعرض في دور السينما خلال الموسم الصيفي، لكن القدر كتب نهايته قبل تحقيق الأمنية، حيث دخل في غيبوبة عميقة ولفظ أنفاسه الأخيرة في 9 يونيو 2005.
رحل عبد الله محمود جسدا، لكنه بقي حيا بأعماله، يذكره الجمهور كلما شاهدوا جنديا مخلصا في “الطريق إلى إيلات”، أو شابا يبحث عن الحقيقة في “ذئاب الجبل”، لتظل سيرته فصلاً من فصول النبل الإنساني والفني في تاريخ الفن المصري.






