في الوقت الذي يشهد فيه قطاع التعليم قبل الجامعي في مصر نقلة نوعية من حيث التوسع في تقديم الخدمات الإضافية والأنشطة الطلابية، والتعليم التفاعلي والمنصات الإلكترونية، يبرز دور “صندوق دعم وتمويل وتشييد وإدارة المشروعات التعليمية” كأحد أكبر الآليات التمويلية الذاتية في هذا القطاع، وهذا ما جعله محطة رئيسية للدراسة التقديرية والتي أظهرت أن الأرقام المتعلقة بإيرادات هذا الصندوق قد تثير حيرة كبيرة، وتطرح تساؤلات مشروعة للمقارنة بين نتائج الدراسة التقديرية ، وحجم التحصيل الفعلي، وما ظهر من فروق بينهما، ومصيرتلك الفروق المالية الضخمة بين التقديري والفعلي.
ونحن هنا، نقدم دراسة تقديرية تعتمد على بيانات رسمية من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ومركز معلومات وزارة التربية والتعليم، والقرارات الوزارية المنظمة لتحصيل موارد الصندوق، ثم نعقبها باستعراض لموازنة الصندوق كما هي معلن عنها بالموقع الرسمي لوزارة المالية لعمل لمقابلة النتائج التي ستوضح أي لبس أو غموض قد يحيط بالصندوق وموارده.
وقد انطلقت الدراسة من نقطة توثيق الأرقام والبيانات حتى تصبح حقائق وأسس تبني عليها كالأتي :
أولاً: البند الأضخم، وهو “مقابل الخدمات الإضافية والأنشطة الطلابية”، الذي يشمل الرسوم الدراسية مضافاً إليها ٥٠ جنيها للتعليم التفاعلي و٢٥ جنيهاً للمنصات التعليمية، وجرت الدراسة كالأتي :
طلاب رياض الأطفال حتى الصف الثاني الإعدادي وعددهم ١٩.٥ مليون طالب، يدفع كل منهم ٣٩٥ جنيها، فيكون الناتج ٧ مليارات و٧٠٢.٥ مليون جنيه.
طلاب الصف الثالث الإعدادي وعددهم ١.٧ مليون طالب، يدفع كل منهم ٢٩٥ جنيها، فيكون الناتج ٥٠١.٥ مليون جنيه.
طلاب الصف الأول الثانوي العام وعددهم ٨٠٠ ألف طالب، يدفع كل منهم ٦٢٠ جنيها، فيكون الناتج ٤٩٦ مليون جنيه.
طلاب الصف الثاني والثالث الثانوي العام وعددهم ١.٦ مليون طالب، يدفع كل منهم ٦٠٥ جنيهات، فيكون الناتج ٩٦٨ مليون جنيه.
طلاب الصف الأول الثانوي الفني وعددهم ٧٠٠ ألف طالب، يدفع كل منهم ٣٢٠ جنيهاً، فيكون الناتج ٢٢٤ مليون جنيه.
طلاب الصف الثاني والثالث الثانوي الفني وعددهم ١.٤ مليون طالب، يدفع كل منهم ٣٠٥ جنيهات، فيكون الناتج ٤٢٧ مليون جنيه.
وبجمع النتائج الستة السابقة ، يصل إجمالي البند إلى ١٠ مليارات و٣١٩ مليون جنيه، ولكي تكون الدراسة أقرب إلى الواقع، قمنا بخصم ٣٥% من الإجمالي (١٥% إعفاءات وتخفيضات لأبناء العاملين وأبناء الشهداء وذوي الهمم والفئات المستحقة، و٢٠% خلل في التحصيل بسبب الظروف الاقتصادية ونسب عدم السداد الفعلية)، أي ما قيمته ٣ مليارات و٦١١.٦٥ مليون جنيه، لتغطية حالات الإعفاء القانوني (كأبناء الشهداء، وذوي الهمم، والفئات المستحقة) وكذلك تم مراعاة نسب عدم التحصيل الفعلية بسبب الظروف الاقتصادية لبعض الأسر. وبذلك يصبح صافي إيرادات الخدمات الإضافية والأنشطة الطلابية بعد الخصم ٦ مليارات و٧٠٧.٣٥ مليون جنيه.
ثانيا: رسوم القيد والتسجيل والحفظ الإلكتروني للمستجدين: وتُسدد لمرة واحدة عند التحاق الطالب لأول مرة. وباعتبار أن عدد المستجدين يمثل ١٠% من الإجمالي (٢.٥٨ مليون طالب)، وبمتوسط رسوم ٩٧ جنيها للطالب، يكون الإجمالي ٢٥٠ مليون جنيه.
ثالثا: رسوم امتحانات الشهادات العامة: وتشمل طلاب الشهادة الإعدادية (١.٧ مليون طالب × ١٥٨ جنيهاً = ٢٦٨.٦ مليون)، وطلاب الثانوية العامة بالدور الأول (٧٣٨,٢٤٣ طالباً × ٢١٠ جنيهات = ١٥٥ مليوناً)، وطلاب الدبلومات الفنية (٧٨٠ ألف طالب × ٢٢٣ جنيها في المتوسط = ١٧٣.٩ مليون). وبجمعها تبلغ ٥٩٧.٥ مليون جنيه.
رابعا: رسوم التظلمات بواقع ٣٠٠ جنيه عن كل مادة، وبعدد تقديري ٢٢٤ ألف تظلم تم الإعلان عنه وقت التظلمات ، يصل الإجمالي قبل الاسترداد إلى ٦٧.٢ مليون جنيه.
وبجمع هذه البنود الأربعة الأخيرة ، نصل إلى إجمالي إيرادات تقديرية معدلة قدرها ٧ مليارات و٦٢٢.٠٥ مليون جنيه (أي نحو ٧.٦٢ مليار).
وكان لابد بعد هذه الدراسة التقديرية، أن ننتقل إلى المعلن رسميا عن موازنة الصندوق لعمل المقابلة، فوفقا للموقع الرسمي لوزارة المالية، جاءت موازنة الصندوق للفترة ذاتها مفصلة كالتالي:
أولاً: الاستخدامات (المصروفات):
١- مبلغ ٨١ مليون جنيه للأجور والمرتبات، وهي تشمل رواتب ومكافآت العاملين والإداريين بالصندوق.
٢- مبلغ ١٦ مليون جنيه لشراء السلع والخدمات التشغيلية.
٣- مبلغ ٣٢٠ ألف جنيه فقط للدعم والمنح للغير.
٤- مبلغ قدره ٢ مليار جنيه تحت بند المصاريف الأخرى، وهو بند واسع وغير مفصل في البيان الموجز.
٥- مبلغ ٣ ملايين جنيه لشراء الأصول غير المالية (كالأجهزة والمعدات).
٦- مبلغ ٥٠٠ مليون جنيه لشراء الأصول المالية (وهو ما يشمل الاستثمارات كشراء الأسهم أو العقارات كاستثمار طويل الأجل).
وبجمع هذه البنود الستة، يبلغ جملة الاستخدامات الكلية ٢.٦ مليار جنيه.
ثانياً: الإيرادات (المتحصلات)
١- بلغت إيرادات الخدمات ٢.٤ مليار جنيه، وهي تمثل ما تم تحصيله فعلاً من رسوم الخدمات والأنشط والمنصات.
٢- بلغت الإيرادات الأخرى ٢٠٠ مليون جنيه.
وبذلك يكون إجمالي الإيرادات الكلية في الموازنة ٢.٦ مليار جنيه، محققاً توازناً حسابيا مع المصروفات.
والنقطة الأهم هنا، والتي يجب أن تترسخ في ذهن كل قارئ، هي أن هذه الموازنة تعتمد بالكامل على التمويل الذاتي، فلا يوجد أي عبئ على الخزانة العامة للدولة، بل إنه حتى ما يُصرف على أجور العاملين (٨١ مليوناً) وبنود المصاريف الأخرى والاستثمارات (٥٠٠ مليون للأصول المالية)، كلها تُسدد من هذه الحصيلة الذاتية المتمثلة في إيرادات الخدمات والأنشطة والإيرادات الأخرى ، أي أن التمويل الذاتي هو الذي يمول كل شيء.
الآن، وبعد أن استعرضنا الدراسة التقديرية المعدلة (٧.٦٢ مليار) والموازنة المعلنة (٢.٦ مليار)، يصبح الفرق واضحا:
٧.٦٢ مليار – ٢.٦ مليار = ٥.٠٢ مليار جنيه، هذا الفارق، الذي يتجاوز ضعف الميزانية الرسمية بأكملها، لا يمكن تفسيره بسهولة، خاصة وأن الموازنة تظهر فقط ٢.٤ مليار كإيرادات خدمات، بينما تقديراتنا الواقعية بعد خصم ٣٥% تضع هذا البند وحده عند ٦.٧ مليار، وهذا اسوء سيناريو تحصيل ممكن يحدث وفي السيناريو الطبيعي لا يتم خصم أكثر من 10% ليزداد بقيمة 2 مليار أخرى.
ويحضر هنا فرضيات هامة، لتفسير ذلك ومنها :
1- أن يكون رسوم الخدمات الإضافية والأنشطة الطلابية ليست من المصادر الأصلية لتمويل الصندوق وإنما هو فقط وعاء للجمع يستقبل الرسوم ويخرجها بعد خصم عمولة التحصيل، وفي هذه الحالة هناك سؤال يفرض نفسة بقوة وهو منافذ صرف هذه الأموال
2- أن تكون نسب الإعفاء وعدم التحصيل أكبر بكثير مما افترضناه (وهو ما يحتاج إلى إثبات بمستندات وأرقام فعلية).
3- أن هناك تدفقات مالية لا تنعكس في موازنة الصندوق المعلنة، أو أنها تُصرف في بنود غير معلنة، أو تذهب إلى استثمارات بعيدة عن الهدف الأساسي للصندوق.
4- أن يكون هناك عمولات تحصيل ( 3% ) يتم خصمها من المبالغ قبل ادراجها في موارد الصندوق، وعلى الرغم من أن وزارة المالية قد وضعت العمولة في وضعية الشرعية، إلا أن الإيرادات جاءت بقوة قرار وزاري يخضع له كل العاملين في المدارس والإدارات والمديريات دون جهود تفيد باستحقاق عمولة تحصيل.
5- أي أرباح يتم توزيعها علي العاملين أو مجلس الإدارة بموافقة السلطة المختصة خاصة وأن الصندوق يتضمن مشروع مدارس النيل التي لها مجلس إدارة منفصل وهيكل اداري منفصل، وهذه المدارس تحصل رسوم من الطلاب فمن الممكن أن يكون قد تحقق أرباح في ختام العام المالي لهذه المدارس.
6- احتمال وجود خلل في متابعة التحصيل فهذا الفارق المهول لا يأتي من فراغ، بل يتزامن مع معطيات سابقة عن تاريخ الصندوق قد تثير القلق في النفوس.
1- أين الأنشطة في المدارس ؟ وهذا هو الأهم على الإطلاق وهو ضعف أدوات وإجراءات الأنشطة الطلابية في ( الرياضية – الفنية – الثقافية ) في المدارس.
2- مخالفات سابقة أعلن عنها في الصندوق وتم على آثارها استبعاد قيادي سابق.
3- استثمار عقاري ليس له علاقة بالمشروعات التعليمية، كأن يقوم الصندوق بشراء شقق سكنية وإدارية دون أن يمارس فيها أي نشاط تعليمي، مبررا ذلك بارتفاع أسعارها في المستقبل، وكأن دوره تحول من دعم التعليم إلى المضاربة العقارية، وهو ما يثير تساؤلات حول أهداف الصندوق الحقيقية.
4- لو كان أعضاء مجلس إدارة وقيادات الصنوق آغلبهم هم أعضاء مجلس إدارة وقيادات شركة النيل التي تدير مدارس النيل أغلبهم هم أعضاء مجالس إدارات متعددة وقيادات بالوزارة وهذا ضد مبادئ حوكمة المتابعة والرقابة المالية.
في ضوء ما سبق، نوصي بتشكيل لجنة مستقلة من الجهات الرقابية المعنية لعمل الأتي:
1- مراجعة الإيرادات الفعلية المحصلة عبر مكاتب البريد والمنافذ الإلكترونية، ومقارنتها بالأرقام التقديرية (٧.٦٢ مليار) للوصول إلى السبب الحقيقي وراء الاكتفاء بـ ٢.٦ مليار فقط في موازنة الصندوق.
2- التدقيق في كافة عقود شراء الأصول المالية وغير المالية، وتقييم مدى مشروعيتها في ضوء الهدف الأساسي للصندوق، وهو تشييد ودعم المشروعات التعليمية، لا الاستثمار العقاري.
3- وضع آليات رقابية دورية صارمة على جميع الصناديق المشابهة، لمنع تكرار ما حدث في الماضي القريب من تجاوزات، وضمان الشفافية الكاملة في إدارة هذا المال العام.
4- إعادة النظر في آليات حوكمة المتابعة والرقابة المالية لهذه الصناديق والمشاريع ومجالس الإدارة للصالح العام.
أموال التعليم الذاتية ليست مجرد أرقام، بل هي موارد تساهم في رفع العبئ عن موازنة الدولة لتساعد في رسم مستقبل ٢٥ مليون طالب، وأولياء أمورهم الذين هم الممول الحقيقي وفي نفس الوقت هم متلقي الخدمة، والعميل الأساسي الذي يجب علينا جميعًا أن نحوز رضاه حتي يتأكد ترسيخ ثقتهم في مؤسسات الدولة.





