من «الملاية اللف» بمهرجان كان إلى السجن.. الوجه الآخر في حياة تحية كاريوكا

في ذكرى رحيلها الـ27، تعود سيرة تحية كاريوكا، واحدة من أشهر الراقصات والفنانات في تاريخ مصر، لتكشف عن حياة لم تكن مجرد رحلة فنية فوق خشبة المسرح، وإنما حكاية امرأة اختصرت في شخصيتها ملامح وطن؛ ففي عينيها كبرياء “إيزيس”، وفي مواقفها جدعنة “بنت البلد”، وفي تاريخها نضال لم يجرؤ عليه الكثير من الرجال في زمنها.
ولدت باسم بدوية محمد علي النيداني في مدينة الإسماعيلية، ولم تكن طفولتها مفروشة بالورود، حيث عاشت سنوات من القسوة والعذاب بعد وفاة والدها، لكن روحها المتمردة دفعتها إلى الهروب نحو القاهرة، إذ التقطت الراقصة محاسن موهبتها وقدمتها إلى الفنانة «بديعة مصابني».
وفي مسرح بديعة، لم تكن تحية مجرد رقم ضمن فقرات الاستعراض؛ فحين قدمت رقصة «الكاريوكا» البرازيلية عام 1940، قلبت الموازين، وارتبط اسمها بالرقصة طوال حياتها، حتى أصبحت «تحية كاريوكا» الاسم الذي يعرفها به الجمهور.
لكن تحية لم تحصر نفسها في حدود الرقص البصري، بل طورت أسلوبًا خاصًا يعتمد على التمثيل والتعبير بالوجه، لتقدم الرقص الشرقي باعتباره فنًا راقيًا ومحترمًا، وتثبت أن الاستعراض يمكن أن يحمل شخصية وروحًا وحكاية.
من الراقصة إلى نجمة السينما
فتحت السينما أبوابها أمام تحية كاريوكا، لكنها لم تقبل أن تحصر نفسها في أدوار الهامش، وسرعان ما تحولت إلى ممثلة قديرة تجسد قضايا المجتمع وشخصياته المختلفة.
ومن ينسى دورها الأسطوري في فيلم «شباب امرأة»، حين جسدت شخصية «شفاعات»، المرأة الريفية القوية والمسيطرة؟ وهو الدور الذي أوصلها إلى «مهرجان كان السينمائي»، حيث رفعت اسم مصر، وأصرت على ارتداء «الملاية اللف» على السجادة الحمراء، في موقف عكس اعتزازها بهويتها المصرية.
تحية كاريوكا.. الفنانة التي حملت السلاح
لم تتوقف حياة تحية عند الفن، إذ انضمت إلى حركة «حدتو» اليسارية، وباعت مجوهراتها لدعم الفدائيين، كما شاركت في نقل السلاح بسيارتها الخاصة خلال حرب فلسطين، وفي المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإنجليزي والعدوان الثلاثي.
وهي نفسها المرأة التي خبأت الرئيس الراحل أنور السادات، في مزرعة إخوتها بالإسماعيلية، عندما كان هاربًا من الإنجليز، وحين كرمها السادات لاحقًا في عيد الفن، تذكر موقفها النبيل، وقال لها: «فاكرة يا تحية؟»، لتجيبه بابتسامة تحمل الكثير من الكبرياء والذكريات.
لم تخش تحية السلطة يومًا، ودخلت السجن لأشهر بسبب آرائها ومواقفها السياسية الجريئة، لتظل حياتها شاهدًا على شخصية لم تكن تعرف الخوف بسهولة.
زيجات متعددة.. وحكاية حب انتهت بالمأساة
عاشت تحية كاريوكا دراما لا تقل إثارة عن أدوارها على الشاشة، فقد تزوجت أكثر من 12 مرة، فيما تذكر بعض المصادر أن عدد زيجاتها وصل إلى 14 زيجة، ومن بين أزواجها دنجوان السينما رشدي أباظة، والمخرج أحمد سالم، والفنان محرم فؤاد.
ورغم كثرة الرجال في حياتها، فإن زيجتها الأخيرة من الكاتب فايز حلاوة، والتي استمرت نحو 18 عامًا، انتهت بمأساة؛ إذ استولى على كل ما تملك وطردها من شقتها.
لكن تحية خرجت من المحنة مرفوعة الرأس، ولم تشتكِ أو تنكسر، لتثبت مرة أخرى أن المرأة التي واجهت المسرح والسلطة والظروف القاسية لم تكن تعرف الاستسلام.
ولم يكن نبل تحية كاريوكا الإنساني أقل من شجاعتها الفنية والسياسية؛ فقد تكفلت بتربية طفلة رضيعة وجدتها على باب شقتها، وأطلقت عليها اسم «عطية الله»، وأوصت صديقتها المقربة، النجمة شادية، برعايتها من بعدها، وكانت شادية أيضًا تدعم تحية ماديًا في أواخر أيامها، في صورة من الوفاء والصداقة النادرة بين نجمتين من زمن الفن الجميل.
20سبتمبر.. نهاية الرحلة
رحلت تحية كاريوكا في 20 سبتمبر 1999، إثر جلطة رئوية، بعد عودتها من رحلة عمرة، لتسدل الستار على حياة استثنائية جمعت بين الفن والتمرد والوطنية والإنسانية، رحلت تحية، لكن سيرتها بقيت حاضرة؛ فهي لم تكن مجرد جسد يتمايل فوق خشبة المسرح، بل كانت روحًا نابضة بالوطنية، وعقلًا متمردًا، وقلبًا يتسع للجميع.



