اقتصادالرئيسيةحوارات

إلهامي الميرغني في حوار لـ«ليبرالي»: وقف الاستدانة ودعم الإنتاج.. بوابة الخروج من الأزمة الاقتصادية

الخبير الاقتصادي: استعادة الطبقة الوسطى تبدأ من التعليم والتوظيف.. والزراعة والصناعة في مقدمة القطاعات القادرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات

  • إلهامي الميرغني: نحتاج إلى الاعتماد على الذات والتكامل مع المحيط العربي والأفريقي

  • وقف الاستدانة إلا لتمويل مشروعات إنتاجية قادرة على سداد تكلفتها

  • استعادة الطبقة الوسطى تبدأ من التعليم والتوظيف وتوسيع المشاركة في صنع القرار

  • نريد نموذجًا اقتصاديًا يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية

  • الزراعة والصناعة في مقدمة القطاعات القادرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات

في حوار جديد يطرح الخبير الاقتصادي البارز إلهامي الميرغني رؤية نقدية لأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، من تفاقم أعباء الديون والاختلالات الهيكلية إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وتآكل الطبقة الوسطى.

ويدعو إلهامي الميرغني إلى إعادة صياغة النموذج الاقتصادي على أساس دعم القطاعات الإنتاجية، والاعتماد على الذات.

وشدد إلهامي الميرغني على ضرورة تعزيز التكامل العربي والأفريقي، مع تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

اختلالات هيكلية

في البداية، كيف تقيم الوضع الاقتصادي في مصر اليوم؟

الاقتصاد المصري يعيش منذ فترة اختلالات هيكلية، تتمثل في عجز الموازنة العامة والميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتراجع الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وتدهور قيمة الجنيه أمام الدولار، وتراجع الزراعة والصناعة ووجود طاقات عاطلة، وانفجار المديونية المحلية والخارجية، وبيع الأصول وفقدان ركائز التنمية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وكلها مظاهر لاختلالات هيكلية.

هل الاقتصاد المصري بحاجة إلى تغيير النموذج الاقتصادي نفسه؟ وإلى أي نموذج؟

مؤكد أننا بحاجة إلى نموذج اقتصادي مختلف، يعتمد على الذات ومتكامل عربيًا وأفريقيًا، فهذا هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة، مع المواءمة بين التنمية، وليس النمو فقط، وبين العدالة الاجتماعية.

دوامة الديون

إلى أي مدى أصبحت الديون والاستدانة عائقًا أمام النمو؟ وكيف يمكن الخروج من دوامة الديون؟

الديون المحلية وصلت إلى أكثر من 14 تريليون جنيه، والديون الخارجية إلى 165 مليار دولار، وخدمة الديون تلتهم 65% من استخدامات الموازنة، ولذلك يتم بيع الأصول والتفريط في السيادة الاقتصادية حتى تستطيع الحكومة سداد الديون والحصول على قروض جديدة، يتم تبديدها في مشروعات لن تحقق عوائد على المدى القصير والمتوسط، وعندما يحين موعد السداد تضطر الحكومة إلى طلب قروض جديدة والخضوع لشروط جديدة.

ويكفي أن نعرف أننا مطالبون خلال العام بسداد أكثر من 62 مليار دولار، وهو عبء كبير يفوق مواردنا، لذلك نحتاج إلى وقف الاستدانة إلا لمشروعات منتجة وذات جدوى اقتصادية وعوائد مضمونة تضمن سداد الأقساط والفوائد.

إضافة إلى ضرورة الاهتمام بالقطاعات السلعية في الزراعة والصناعة لتحقيق قيمة مضافة حقيقية، وزيادة فرص العمل والصادرات، وتحقيق عوائد توفر عملات صعبة، وضرورة الاهتمام بزيادة معدلات الادخار المحلي.

الحماية الاجتماعية والفقر

هل سياسات الحماية الاجتماعية الحالية تكافح الفقر أم تدير آثاره فقط؟

للأسف، هي تدير آثاره فقط، ولكنها لا تقدم حلولًا لإخراج الفقراء من دائرة الفقر، وتحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي وشطب الملايين تأبيد للفقر، وثبات قيمة السلع المدعمة من 2018 وحتى 2026 عند 50 جنيهًا يكشف كارثة البدل النقدي وتآكل قيمته أمام التضخم.

إضافة إلى أن قيمة معاش «تكافل وكرامة» متدنية جدًا، في وقت وصل فيه الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه، لذلك لا تساعد سياسات الحماية الاجتماعية الحالية على الخروج من دائرة الفقر، إضافة إلى عدم وجود مصادر للتشغيل وتوفير دخول ثابتة تضمن خروجًا حقيقيًا من الفقر بدلًا من إعادة إنتاجه.

القطاعات التي تقود الاقتصاد

ما القطاعات التي يجب أن تقود الاقتصاد المصري: الصناعة والزراعة أم العقارات والخدمات؟

بالتأكيد القطاعات السلعية في الزراعة والصناعة، فهي تغطي حاجات أساسية، وتخلق قيمة مضافة حقيقية، وفرص عمل منتجة، وفرصًا للتصدير إلى الخارج، وتوفير عملة صعبة، وتقليل الواردات.

بينما العقار والخدمات، والتي أسميها «اقتصاد المول والكمبوند»، فهذه هي النتيجة: مدن أشباح، وقروض من البنوك، وإهدار لمدخرات المصريين، ووجود عرض يفوق الطلب.

كيف يمكن لمصر تنويع علاقاتها الاقتصادية وتقليل اعتمادها على الدولار؟

بالتكامل العربي والأفريقي والإسلامي، لدينا فرص كبيرة للتكامل والتبادل السلعي بما يخفف من الضغط على الاحتياج إلى الدولار، ولكن لن ننغلق على أنفسنا، وسنستمر في التعامل مع كل دول العالم شرقًا وغربًا.

ما دور الدولة الذي تراه ضروريًا في الاقتصاد؟ وأين يجب أن تنتهي مسؤوليتها ويبدأ دور القطاع الخاص؟

الدولة هي المنظم والمحفز للاستثمار والتنمية وفق خطة اقتصادية تعظم مواردنا الاقتصادية، وتقلل الاعتماد على الخارج، وتوفر حماية اجتماعية حقيقية لمحدودي الدخل، وألا يتم تسليع المرافق والخدمات العامة وتحويلها إلى سلع تباع لمن يملك سعرها.

القطاع الخاص يبحث عن تحقيق أعلى ربحية بغض النظر عن البعد الاجتماعي، والتنمية؛ فهو يبحث عن المجالات والقطاعات التي تحقق له أعلى ربحية، لذلك فإن إطلاق يده في التنمية يؤدي إلى المزيد من الأزمات والغلاء وارتفاع معدلات الفقر.

حتى الخصخصة وبيع الأصول، لم يتقدم القطاع الخاص الوطني للشراء والشراكة، وتُرك الموضوع لرأس المال الخليجي والأجنبي، إضافة إلى عدم ضخ استثمارات وتمويل كافٍ للتنمية، بدليل أن القطاع الخاص يعتمد على الاقتراض من الجهاز المصرفي وصغار المودعين بدلًا من ضخ أموال تساعد على دعم عجلة التنمية.

الطبقة الوسطى

كيف يمكن استعادة الطبقة الوسطى وفتح مسارات حقيقية للحراك الاجتماعي أمام الشباب؟

يحتاج ذلك إلى عودة الاهتمام بالتعليم والتوظيف، وتوفير الحماية الاجتماعية للطبقة الوسطى للحفاظ على مستوى معيشتها؛ لأنها رمانة الميزان الاجتماعي، وتآكلها له آثار سلبية على المجتمع.

لذلك، هي تحتاج إلى فتح المجال السياسي العام، وتوافر ديمقراطية المشاركة، وسماع مقترحاتها ورأيها، ومشاركتها في صنع القرار، وفي غيابها، تحتدم الأزمة ويزداد الغليان الذي لا نعرف سيخرج في أي اتجاه.

أولويات «سكة السلامة الاقتصادية»

إذا أُعيدت صياغة السياسة الاقتصادية خلال السنوات العشر المقبلة، فما أول ثلاث أولويات في «سكة السلامة الاقتصادية»؟

الاهتمام بالتعليم والصحة والزراعة والصناعة، ووقف الاستدانة إلا لتمويل مشروعات إنتاجية ذات جدوى اقتصادية وعائد اقتصادي مضمون.

أما «سكة السلامة» التي يجب أن تسلكها مصر، فهي الاعتماد الجماعي على الذات، والمشاركة الشعبية في صنع القرارات الاقتصادية، والحرص على رفع معدلات التنمية وتحقيق عوائد تنعكس على السلع والخدمات، والسيطرة على السوق بشكل منضبط يحفظ حقوق المشتري والبائع.

أما الأخطاء التي يجب تجنبها حتى لا نذهب في «سكة الندامة»، فمنها «أهل الثقة» و«أهل الخبرة» التي ثبت فشلها، ومنها إطلاق يد القطاع الخاص دون ضوابط، بما يحول السوق إلى فوضى، وفتح المجال العام، وزيادة المشاركة، وانتخاب ديمقراطي للمحليات، بما فيها وظائف المحافظين ورؤساء المدن.

نموذج يجمع بين الكفاءة والعدالة

بعد عقود من الجدل، هل ما زالت الأفكار الاقتصادية الاشتراكية قادرة على تقديم حلول جديدة لمشكلات اليوم، أم أن المطلوب نموذج اقتصادي مختلف يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟

لا يوجد شيء اسمه سوق مفتوح بلا ضوابط، والولايات المتحدة تضع شروطًا وضوابط على المنتجات الصينية، وكذلك تفعل أوروبا وكل دول العالم، إذ لا يوجد سوق مفتوح بلا رقابة وبلا ضوابط، فحتى منظمة التجارة العالمية تسمح بإجراءات لمنع الإغراق من الواردات، ومؤكد أننا بحاجة إلى نموذج اقتصادي يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى