هل تكون الديمقراطية الاجتماعية بوصلة النظام العالمي الجديد؟ (1)
تجسد الحقبة السياسية الراهنة، والتي يصفها البعض بـ«الحقبة الترامبية»، واحدة من أطوار النيوليبرالية العالمية المأزومة، وربما تكون المحطة الأخيرة التي ستطوي صفحة العقد الاجتماعي العالمي الذي تمت صياغته والتوافق على مبادئه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام الذي أصابه العطب والعجز الشامل، بدءًا من انهيار المعسكر الاشتراكي -أحد أركانه الأساسية- وصولًا إلى الفشل الذريع لنظام القطب الواحد؛ لتبرز «الديمقراطية الاجتماعية» اليوم كمدخل إيديولوجي وفكرة أكثر واقعية وإنسانية للتأسيس لنظام عالمي جديد.
ولم تعد الديمقراطية الاجتماعية مجرد تيار سياسي تقليدي، بل تمثل «الطريق الثالث» والمنطقي لتجاوز إخفاقات الماضي، فقد شهد العالم صراعًا مريرًا بين رأسمالية متوحشة واشتراكية شمولية، انتهى بانهيار المعسكر الشرقي، ثم غطرسة «القطب الواحد» التي خلفت فوارق طبقية مرعبة، وأزمات بيئية عميقة، وحروبًا مستمرة.
ركائز البديل الإنساني
تطرح الديمقراطية الاجتماعية نفسها كبديل واقعي لترميم العطب العالمي من خلال ثلاث ركائز أساسية:
المصالحة بين السوق والعدالة الاجتماعية: على عكس الليبرالية الجديدة التي تقدس السوق الحر على حساب الإنسان، ترفض الديمقراطية الاجتماعية ترك المصائر البشرية لـ«اليد الخفية»، وتتبنى تدخلًا ذكيًا للدولة كضامن للحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والسكن، إلى جانب إعادة التوزيع عبر نظام ضريبي تصاعدي يقلص الهوة بين الطبقات ويمنع الانفجارات الاجتماعية.
أنسنة العولمة: بُني النظام التقليدي على الهيمنة والمصالح الضيقة، بينما تقترح الديمقراطية الاجتماعية «أممية تضامنية» تتعاون فيها الدول لمواجهة التحديات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة، مع استبدال «التجارة الحرة» المدمرة للدول النامية بـ«تجارة عادلة» تحمي العمال والبيئة في كل مكان.
الديمقراطية كنهج حياة: نبع فشل نظام القطب الواحد من تصدير الديمقراطية كقالب جامد للهيمنة، وتؤكد الديمقراطية الاجتماعية أن السياسة لا تكتمل دون ديمقراطية اقتصادية، مع تعزيز المشاركة القاعدية للنقابات والمجتمع المدني في صنع القرار للحد من تغول الشركات الكبرى.
«الديمقراطية الاجتماعية هي المحاولة الوحيدة التي نجحت تاريخيًا في ترويض الرأسمالية وجعلها تعمل لصالح المجتمع، وليس العكس».
وتتجلى صلاحية هذا النموذج عبر ميزات استراتيجية عدة تشمل المرونة في التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، والاستدامة بوضع الاعتبارات البيئية والتحول الأخضر في قلب السياسة الاقتصادية، فضلًا عن الاستقرار من خلال القضاء على التفاوت الطبقي الذي تتغذى عليه التيارات الشعبوية والمتطرفة.
نحو توازن عالمي جديد
إن العجز المتراكم في مؤسسات الإدارة الدولية -مثل مجلس الأمن والبنك الدولي- يستلزم استدعاء روح جديدة تشبه ذلك العقد الاجتماعي الذي وُلد أعقاب الحرب العالمية الثانية، والديمقراطية الاجتماعية تقدم هذا العقد عبر موازنة دقيقة بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية، مما يجعلها النموذج الأقدر على توفير حياة كريمة في عالم متعدد الأقطاب ومضطرب.
إن اعتماد الديمقراطية الاجتماعية كإيديولوجية بديلة للتأسيس لنظام عالمي جديد، يتطلب خلق توازن عالمي يستطيع أن يفرض على القوى المتحكمة في عالم اليوم، تبني وإقرار التعديلات الهيكلية في المؤسسات الدولية لتصبح طيعة وصالحة لتفعيل ذلك النموذج الجديد، إن الأمر يتطلب بالضرورة أن تتبنى دول الجنوب تلك الرؤى الجديدة على المستويات المحلية أولًا، فالإصلاح الداخلي هو السبيل الوحيد لتمكين هذه الدول من المساهمة الفاعلة في صياغة التوازن العالمي الجديد، الأمر الذي من الممكن أن يجبر القوى المسيطرة حاليًا على التراجع والإقرار بضرورة وجود نظام عالمي يقوم على أسس وشروط جديدة، أكثر عدالة وأكثر إنسانية وبالتالي أكثر قدرة على الاستمرار.
وهو ما سنعرض له في المقال القادم.



