مقالات

نخب الجنوب وتحديات صناعة البديل (٣)

هل يمتلك العالم النامي زمام المبادرة في النظام الجديد؟

في خضم التصدع المتسارع الذي تشهده أركان النظام العالمي القديم، ومع انهيار الأسس التي بني عليها طويلاً، يبرز السؤال المصيري الأكبر على الطاولة: هل ينجح الجنوب العالمي في أن يكون مركز الثقل والدفة التي توجه العالم نحو نظام أكثر عدالة وإنسانية؟

وهنا يبرز التساؤل الملحّ: هل تمتلك النخب السياسية والثقافية في دول الجنوب حالياً وعياً كافياً لصياغة مشروع بديل؟ أم أن “التبعية الفكرية” لا تزال تشكل عائقاً أمام بناء نموذج ديمقراطي اجتماعي نابع من خصوصية هذه المجتمعات؟ وهل التوازن الدولي الحالي، المختل لصالح أصحاب القوة والنفوذ الطاغي للنيوليبرالية المتوحشة يمكن أن يسمح لدول الجنوب بالمضي قدماً في تفعيل ذلك النموذج على الأرض بما يقوض هيمنتهم على العالم أجمع؟

يلمس هذا التساؤل الجرح العميق لمنظومة الفكر والتنمية في دول الجنوب، ليضع الإصبع على معضلة ثلاثية الأبعاد: أزمة الوعي النخبوي، ووطأة التبعية الفكرية، وجبروت النظام الدولي الحالي. وللإجابة عن هذا التساؤل المركب، يمكننا تفكيكه إلى محورين أساسيين:

أولاً: أزمة النخب ؛ بين غياب الوعي والتبعية الفكرية

لا يمكن بحال من الأحوال التعميم بالقول إن الوعي غائب تماماً؛ فقد قدمت الجهود الفكرية والأكاديمية في دول الجنوب عبر العقود قراءات نقدية عميقة، برزت في نظريات اقتصاديات التبعية وما بعد الاستعمار. بيد أن الإشكالية الحقيقية تكمن في أن هذا الوعي يظل في الغالب “نخبوياً، معزولاً، وتدجينياً”.

والشاهد أيضاً هو أن أجزاء واسعة من النخب السياسية والثقافية في الجنوب لا تزال أسيرة لنموذج الحداثة الغربية  بصيغته النيوليبرالية القسرية؛ إما إيمانيّاً مطلقاً بأنه الطريق الحتمي الوحيد للتطور، أو عجزاً عن ابتكار مفاهيم مستندة إلى الواقع المحلي والخصوصية الثقافية والاجتماعية.

كما لا تقتصر أزمة المشاريع البديلة على غياب التنظير فحسب، بل تعاني قبل ذلك من عجز في آليات الاشتباك الديمقراطي مع هموم الشارع، لتتحول النخب في كثير من الأحيان إلى “وكلاء” لتسويق سياسات المؤسسات الدولية، تبريراً لعجزهم عن الابتكار وصناعة الحلول الذاتية.

ثانياً: التوازن الدولي المعاصر.. وعقبة “النيوليبرالية المتوحشة”

على صعيد آخر، يقف النظام الدولي المعاصر حجر عثرة أمام أي محاولة جادة لتغيير الواقع؛ إذ تسيطر قوى المركز الرأسمالي والمؤسسات المالية الدولية (كصندوق النقد والبنك الدوليين) اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، رافضة منح أي هامش حقيقي للخروج عن النص وذلك عبر:

استخدام أسلحة الهيمنة في مواجهة أي محاولة جادة لإرساء قواعد “ديمقراطية اجتماعية” توزع الثروة وتحد من طغيان قوى السوق المتوحشة، بشهر سلاح العقوبات الاقتصادية، أو الحروب الناعمة، أو زعزعة الاستقرار المنهجي.

هندسة التبعية: لا تكتفي النيوليبرالية المعاصرة بالهيمنة الاقتصادية فحسب، بل تعيد هندسة المجتمعات لتغدو مستهلكة ومنتجة للتبعية في آنٍ واحد، مما يجعل معركة تفكيك قبضتها قاسية ومكلفة للغاية.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تسمح القوي المهيمنة، التي تعتبر نفسها مجلس ادارة العالم المفوض بإتاحة ذلك الهامش الحقيقي  للجنوب؟ قطعاً، لن يتنازل المركز المهيمن طوعاً عن امتيازاته المستمدة من استنزاف موارد الجنوب. غير أن التاريخ علّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط بضربات خارجية فحسب، بل تتآكل بفعل أزماتها البنيوية المتلاحقة؛ وهو ما يتجسد بوضوح في الأزمات المالية العالمية المتكررة والتراجع التدريجي للقطبية الأحادية المطلقة.

الخلاصة والمآل

إن صياغة نموذج ديمقراطي اجتماعي نابع من خصوصية دول الجنوب لا تتطلب مجرد “صحوة نخبوية”، بل تستدعي إرادة سياسية شعبية حقيقية، وتكاملاً إقليمياً فعّالاً (التعاون فيما بين دول الجنوب). هذا التكامل من شأنه أن يخفف من حدة التبعية للمركز، ويخلق فضاءات آمنة ومستقلة لتجريب نماذج تنموية بديلة تكفل للجنوب مكانه العادل تحت الشمس.

زر الذهاب إلى الأعلى