مقالات

تفكيك إرث دولة يوليو .. التأسيس لجمهورية المواطنة والسياسة الرشيدة

يمثل إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي، عدم المساس بالدستور، وتأكيد أن ولايته الحالية التي تنتهي في عام 2030 هي الأخيرة، محطة تاريخية وفصلًا مفصليًا في مسار الجمهورية المصرية المعاصرة، ولم يقف الأمر عند حدود الالتزام الدستوري بتداول السلطة، بل امتد ليتجاوز اللحظة الراهنة ليطرح أسئلة جوهرية وحيوية حول المستقبل؛ وتحديدا الكيفية التي ينبغي بها اختيار الرئيس القادم، ووضع الضوابط الصارمة التي تضمن كفاءة ونزاهة ومسؤولية من يتولى قمة هرم السلطة ورأس النظام في مصر.

هذا الطرح الرئاسي، بما يحمله من دعوة ضمنية أو صريحة للتفكير في المستقبل السياسي للبلاد، يفتح الباب واسعا أمام نقاش وطني جاد وحقيقي. إنه يقتضي منا الاشتباك الفكري والسياسي مع الأبعاد الحاكمة لطريقة تفكير الحكام في مصر منذ يوليو 1952 وحتى اليوم.

بعيدا عن السجالات حول تقييم رجال دولة يوليو والتمييز بينهم من منظور السمات الاقتصادية والاجتماعية لكل حقبة، أو تباين السياسات بين مرحلة وأخرى، تظل هناك سمات مشتركة متجذرة لا يختلف عليها اثنان، إنها سمات باقية الأثر، لا تزال تصبغ حياتنا السياسية بصبغتها، بل وتدير دفة العمل العام وفقاً لمبادئ أرستها تلك الدولة على مدى أكثر من سبعين عاما، لقد تحولت هذه الأسس والركائز إلى عقائد حاكمة لطريقة تفكيرنا ونظرتنا للسلطة والدولة وموقع الشعب منها، حتى باتت ثوابت لا يُسمح بالخروج عليها أو مجرد الاقتراب منها، مهيمنة كأنها نصوص مقدسة؛ ومن يحاول المساس بها أو مراجعتها يُوصم بالكفر السياسي والزندقة الفكرية، ويُستوجب له العقاب الصارم لخروجه عن “الملة الوطنية”.

وفي قلب هذا الموروث، تبرز ثلاث سمات رئيسية تشكل الهيكل الصلب لطريقة إدارة الشأن العام طوال العقود الماضية:

1. حكم الفرد المطلق:

أولى هذه السمات وأكثرها بروزا هي ظاهرة حكم الفرد المطلق بكل سماتها المعروفة والمسجلة في التاريخ الإنساني والسلطوي، لقد أفرزت دولة يوليو نمطا مركزيا حادا للسلطة، تتوحد فيه كافة خيوط الدولة في يد شخص واحد، وتتلاشى تحته المؤسسات لتصبح مجرد أصداء لرغبات الحاكم وإرادته، على مدى عقود، تعاقبت النخب والوجوه، لكن المركزية المطلقة ظلت هي الثابت الوحيد، حيث يُنظر إلى الرئيس باعتباره ليس فقط مديرا للبلاد، بل مصدرا لكل الشرعيات وملهما لكل السياسات، ما ألغى تدريجيا فكرة التأسيس المؤسسي المستدام الذي يعلو على الأشخاص.

2. العداء المستتر للديمقراطية والتحايل عليها:

السمة الثانية تتمثل في العلاقة الملتبسة والمأزومة مع الديمقراطية؛ حيث يُمارس العداء لها والتحايل عليها عمليا، مقابل الاستخدام المفرط لشعاراتها والتشدق بها طوال الوقت في الخطاب الرسمي، لقد أفرغت العملية الديمقراطية مرارا وتكرارا من مضمونها الحقيقي عبر آليات هندسية سياسية وإدارية تضمن دائما النتائج المسبقة، تم استخدام واجهات ديمقراطية وشكليات انتخابية وبرلمانية، ليس لتحقيق تداول حقيقي للسلطة أو رقابة شعبية فعالة، بل لشرعنة السيطرة القائمة وتأبيد الأوضاع الراكدة تحت غطاء دستوري وقانوني شكلي.

3. احتقار الشعب وتهميش القدرات الوطنية

أما السمة الثالثة والأخيرة، والأكثر خطورة على الصعيد المجتمعي، فهي احتقار الشعب وانعدام الثقة في قدراته، والنظرة الدونية له باعتباره “قاصرا” و”عاجزا” و”جاهلا” بحجم التحديات، ويحتاج دائما إلى “أب حانٍ” أو “منقذ عظيم” يفكر عنه، ويحل محله في الإدارة والحكم وصنع القرار، هذه الأبوية المقيتة أدت إلى تجريف الحياة السياسية، وتعطيل طاقات الأمة، واعتبار أي مبادرة ذاتية أو مشاركة شعبية مستقلة بمثابة تهديد لأمن واستقرار النظام، وكأن الشعب طفل صغير لا يدرك مصلحته إلا من خلال وصاية السلطة الحاكمة.

أنصاف الآلهة في مهب المراجعة التاريخية

إن هذه السمات الثلاث التي ترسخت وتأصلت عبر أكثر من سبعين عاما من حكم رجال دولة يوليو — على اختلاف سماتهم الشخصية وتوجهاتهم الفكرية وقدراتهم السياسية — جعلت منهم جميعا ما يشبه “أنصاف آلهة”، في ظل هذا المناخ، أصبح الحاكم شخصية لا يأتيه الباطل أبدا، ومحصنا ضد النقد أو المساءلة.

ومن يقترب من سلطاتهم ونفوذهم أو يجرؤ على مراجعة سياساتهم، يجد نفسه أمام تهم جاهزة: فهو إما “غير فاهم أو مستوعب لعظم المسؤولية” لأنه قاصر بطبيعته، أو “متآمر” و”عميل” يهدف إلى هدم النظام وأركان الدولة وتخريب الاستقرار. هذا الترسيم النفسي والسياسي أنتج ثقافة الخوف والتردد، وعطل آليات التطور الطبيعي للمجتمع المصري.

نحو حلحلة الموروث والتأسيس لدولة المواطنة

إن المطلوب الآن، من أجل إحداث عملية إصلاح وتغيير سلمي وآمن ومستدام في مصر، والتأسيس الفعلي للدولة المدنية الحديثة — دولة كل المواطنين بلا استثناء ولا تمييز ولا تعالي عليهم، هو شجاعة فكرية وسياسية وعملية لحلحلة هذه المفاهيم والأسس الموروثة عن دولة يوليو.

لا يمكن بناء مستقبل ديمقراطي مستقر برؤى عتيقة تؤسس للخضوع المطلق، إن اللحظة الراهنة، التي تتسم برغبة معلنة في تنظيم آليات تداول السلطة وضمان اختيار رئيس كفء للمستقبل، تستوجب أولاً وقبل كل شيء الأتي:

الاعتراف بأن الأزمات لا تُحل بفرد خارق: بل تُحل بمؤسسات قوية، وتشريعات عادلة، ورقابة شعبية حقيقية، ومشاركة واسعة لكل قطاعات المجتمع.

رد الاعتبار للشعب المصري: وثقته في قدرته على الإدارة، والإنتاج، والاختيار الواعي، والانتقال من منطق “الوصاية السياسية” إلى منطق “المواطنة الكاملة والمسؤولية المشتركة”.

ترسيخ مبدأ سيادة القانون المؤسسي: الذي يفصل تماما بين هيبة الدولة وكرامة المواطن من جهة، وبين أشخاص الحكام والسياسات الوقتية من جهة أخرى، بحيث تصبح الدولة وطنا للجميع لا ملكاً لفرد أو نخبة.

إن الخروج من عباءة الماضي لا يمثل قطيعة هدامة مع تاريخ مصر، بقدر ما يمثل نضجا سياسيا وتاريخيا ضروريا للعبور إلى الجمهورية الجديدة بمعناها الحقيقي؛ جمهورية تقوم على الكفاءة، والديمقراطية الحقيقية، والعدالة، واحترام الإنسان المصري الذي طالما كان هو الغاية والوسيلة في آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى