
هزت الأيام الأولى من الحرب على إيران منطقة الخليج العربي هزة عنيفة، حيث استهدفت الهجمات الإيرانية في منطقة الخليج القواعد العسكرية الأمريكية التي تنطلق منها الهجمات، ثم مواقع مدنية بما في ذلك المطارات والفنادق، بالإضافة للبنى التحتية الرئيسية لمنشآت النفط والغاز، وبجانب الخسائر المادية والبشرية في منطقة الخليج، فإنها ستعاني أيضًا من عواقب وخيمة فيما يتعلق بسمعتها كمركز تجاري.
ويعيد الاضطراب في سوق الطاقة العالمي الأذهان إلى الاضطرابات السابقة في أسواق الطاقة العالمية، كالحظر العربي للنفط في حرب عام 1973، وحرب الخليج عام 1991، إلا أن تلك الصدمة تبرز لأنها تؤثر على خطوط إمداد النفط الخام والغاز الطبيعي والوقود المكرر والأسمدة، ما يكشف عن الروابط التجارية العميقة وتوسع دور الشرق الأوسط كمورد نهائي للوقود.
وفي خضم الخلاف العلني بين الرياض وأبوظبي، تكاتفت دول الخليج في إدانة الهجوم الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي، في إشارة إلى أن التضامن الخليجي فيما بينهم لايزال قويًا، وأوضحت القوتين الأكبر السعودية والإمارات العربية المتحدة أن الهجمات الإيرانية تجاوزت جميع الخطوط الحمراء، لكن رغم توقف الهجمات نتيجة الهدنة بين أمريكا وإيران ما زالت دول الخليج تعاني من الأزمة في ظل حالة أللا حرب وأللا سلم، وسط حالة ترقب.

الإمارات العربية المتحدة
تكبدت الإمارات العربية المتحدة الخسائر الأكبر من الهجمات الإيرانية عليها عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، على الرغم من تعهدها بعدم استخدام مجالها الجوي لمهاجمة إيران، وعلى الرغم من أن كل من طهران وأبوظبي حافظتا على اتفاق شرف ضمني طويل الأمد يقتضي تجنب المواجهة المباشرة، إلا أن الهجمات التي تعرضت لها دبي تشكل نقطة ضعف رئيسية للإمارات، والتي تعتمد بشكل كبير على سمعة المدينة كمركز تجاري وسياحي.
وقد أمضت الإمارات عقودًا في تعزيز سمعة دبي كواحة استقرار، وهي السمة الأبرز لنهجها الاقتصادي، إذ أن أكثر من ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي من قطاعات غير نفطية، وهي المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي، وهي أيضًا سبب ضعفها حاليًا، حيث أنها تبعد بضعة أميال عن إيران.

سلطنة عُمان.. صديق الجميع
من بين الجوانب المفاجئة في الرد الإيراني هو الهجوم على سلطنة عُمان، وهي الدولة التي حرصت على تحقيق التوازن بين التعاون مع الولايات المتحدة والعلاقات الوثيقة مع إيران، ومكن النهج العُماني المعروف بـ “صديق الجميع، عدو لا أحد ” عُمان من لعب دور الوسيط مع إيران وحماية البلاد من التهديدات التي واجهها جيرانها، ما يرسخ لمقولة “على الجميع أن يدفع إلى اختيار أحد الجانبين، فلا مجال للحياد”.

قطر الحليف الرئيسي خارج الناتو
لم يكف امتلاك قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة على أراضيها، لحماية البلاد من الهجمات سواء من الجانب الإيراني أو الجانب الإسرائيلي -نشير إلى الهجوم الإسرائيلي على الأراضي القطرية لاستهداف عناصر من حماس في الدوحة-.

السعودية.. العهد الجديد
تعد المملكة العربية السعودية المستفيد الأكبر من الضعف الإيراني، في ظل مسعى الرياض إلى أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، وشكلت إيران باستمرار التهديد الأكبر لهذا الهدف في المنطقة نظرًا لقدراتها العسكرية وشبكة وكلائها وطموحاتها الإقليمية، ويفسر ضبط النفس الذي اتسمت به الرياض في الحرب يرجع إلى دورها المهيمن في المنطقة، وقد بدأ ولي العهد السهودي الأمير محمد بن سلمان، في اغتنام الفرصة لترسيخ دور الرياض كقوة مهيمنة في المنطقة.
ويعد موقف السعودية امتداد لاستراتيجية التحوط طويلة الأمد التي تتبعها، وبغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع، تدرك المملكة العربية السعودية ضرورة الحفاظ على اقتصادها واستقلالها الاستراتيجي، وإذا ما تمكنت من تحقيق حشد دعم جميع دول مجلس التعاون الخليجي لموقفها “بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والبحرين اللتين تضغطا من أجل موقف أكثر حزمًا تجاه طهران”، فسيكون لديها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي بعد انتهاء الحرب، بدلاً من أن يتراجع.

البحرين.. مقر الأسطول الخامس
جعل موقع البحرين القريب من إيران منها عرضه للخطر الفارسي، والناجم عن وجود مقر قيادة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، إضافة إلى التوترات الطائفية مما أدى إلى خلق حالة من عدم الاستقرار، ويعكس استهداف إيران للبحرين إلى تحالفها العميق مع الولايات المتحدة، ودورها في اتفاقات إبراهام، وهو ما تمثل في دعوة أحد أعضاء البرلمان الإيراني لضم البحرين إلى إيران، وهو ما يعبر عن طموحات فارسية توسعية، تؤثر بشكل كبير على تصورات المنامة للتهديدات التي تمثلها طهران لها.

الكويت.. الوجود العسكري
تتركز الهجمات الإيرانية في الكويت على الوجود العسكري الأمريكي، ومع إعلان الكويت عن تعرض منشآتها للضرر، والخسائر الاقتصادية التي تكبدتها نتيجة الهجوم الإيراني، أعلنت السلطات الكويتية عن القبض على أفراد متهمين بإدارة خلايا مرتبطة بحزب الله منذ بدء الحرب على إيران، حيث كانت العلاقات “الكويتية ـ الإيرانية” قد استقرت نسبيًا منذ قضية “خلية العبدلي” في الفترة ما بين 2015-2016، والتي اتهم فيها 25 شيعيًا كويتيًا بتجميع أسلحة ومتفجرات لشن هجمات إرهابية.

العراق وأزمات لا تنتهي
ما حدث للعراق في عام 2003، والخلافات الجوهرية حول إيران داخل العراق، ودور فصائل الموالية لإيران داخل قوات الحشد الشعبي، جعل دول الخليج تعيد تقييم النهج الذي ستتعامل به مع بغداد، حيث كشفت الأوضاع الراهنة عن حاجة العراق إلى التعامل مع قضايا الأمن والسيادة والتحالفات الإقليمية العالقة منذ سنوات.
ومع انجرار العراق إلى الحرب، وانخراط الفصائل المسلحة في هجمات ضد المصالح الأمريكية وردود الولايات المتحدة بالهجوم على مناطق في العراق، رسخت العراق مكانتها كساحة صراع بين الأجندات الخارجية المتمافسة على أراضيها، ولتجد نفسها عالقة بين ضغوط لا تستطيع التخلص منها، ومع الضغط الذي تواجهه العراق نتيجة للانخراط في الحرب، على دول الخليج توخي الحذر لضمان ألا يؤدي الضغط على العراق إلى عزلة قد تستغلها طهران بسهولة لإعادة تأكيد النفوذ الذي تسعى هذه الأطراف إلى تقليصه.

عدم اليقين الإقليمي
حجبت تمامًا سيطرة طهران على مضيق هرمز، صادرات العراق والكويت والبحرين وقطر، بينما أعاقت صادرات السعودية والإمارات، كما لاتزال القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والتهديد المستمر لها يشل الكثير من الأنشطة الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، كما أدى اكتشاف واعتقال مخربين يعملون لصالح إيران وحزب الله في قطر والكويت والبحرين والإمارات إلى وجود تهديدات حقيقية للأمن الداخلي الخليجي.
ومع اهتزاز ثقة الخليج في الولايات المتحدة، وقدرتها على حماية أمن الخليج، يجعل منطقة الخليج أمام اختبار حقيقي، فخيارات الولايات المتحدة سواء باستمرار الحصار على مضيق هرمز أو العودة لطاولة المحادثات، يضع الخليج أمام خطر التصعيد إذا ما قررت طهران القصف بما يهدد مستقبلها الاقتصادي، وهل إذا ما توصلت الولايات المتحدة إلى تسوية مع طهران، وهل يعني ذلك خضوع الخليج لسيطرة إيران، خصوصًا مع التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا وتقليل التواجد في الخليج والذي بدأه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

إعادة تقييم للتحالفات
لم يُبدي أي من اللاعبين الثلاثة الكبار السعودية والإمارات وقطر أي استعداد للتخلي عن التزامه الأمني القوي مع الولايات المتحدة، بل تسعى لتعزيزه بالإضافة إلى خلق شبكة تحالفات بجانب التحالف مع الولايات المتحدة، كالتحالف مع باكستان أو تركيا بوصفها قوى إقليمية سنية.
على الجانب الآخر حافظت عُمان على علاقاتها الوثيقة مع إيران، مواصلة موقفها الحيادي ما سمح لها بمواصلة التوسط سعيًا للوصول إلى تسوية بين جميع الأطراف، حيث أعلن وزير الخارجية العماني، السيد البوسعيدي، صراحة في مقالة منشورة في مجلة “الإيكونوميست” الرفض العماني للحرب والتصريح بأن واشنطن فقدت السيطرة على سياساتها الخارجية، وأن الهجمات الإيرانية هي ربما الخيار العقلاني الوحيد للقيادة الإيرانية، كما عمق من ذلك تهنئة عُمان الرسمية لأية الله مجتبى خامنئي، بمناسبة تعيينه مرشدًا أعلى جديد لإيران.
ولأن الجغرافيا ثابتة لا تتغير، يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي إيجاد سبيل للتعايش مع ما يُرجح أن يصبح “دولة الحرس الثوري” الأكثر تطرفاً وعدوانية بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وتولي ابنه المتشدد مجتبى السلطة.
ومن المرجح أن تواصل معظم دول مجلس التعاون الخليجي، إن لم يكن جميعها، شكلاً من أشكال التواصل الدبلوماسي مع إيران بعد انتهاء الحرب، إلا أن هذا التواصل سيجري في فترة ما بعد الانفراج الدولي، وربما بشكل حذر نتيجة للخبرات السابقة.






