عندما يأتي ذكر أحد من عائلة “أديب” سواء الابن البكر عماد أو الأوسط عمرو أو الأصغر عادل، يذهب ذهني دائمًا إلى الوالد الكاتب والسينارست عبدالحي أديب.
لا أخفي حبي وتقديري لأب العائلة الأستاذ عبدالحي، سواء لإبداعه أو أخلاقه.. كان رحمه الله إنسانًا في غاية الوداعة والذوق والتواضع، هذا الشعور تولد لدي منذ سنوات بحكم الجيرة، التي جمعتنا سويًا، حيث كان يسكن في شارع شريف بوسط القاهرة، أو عبر الالتقاء به في مكان سهره المفضل في نادي اجتماعي يحمل اسم إحدى الجاليات الأجنبية بميدان طلعت حرب.
دارت بيننا مناقشات عن سيناريوهات أفلامه وإسهاماته الفنية، والتي تتجاوز مائة عمل ما بين التراجيديا والكوميديا والأكشن، ويعد أبرزها “باب الحديد”، و”صغيرة على الحب” و”أم العروسة” و”الخائنة”.. لكن كان أكثر ما يشد انتباه الأستاذ عبدالحي عندما أتحدث إليه، عن الرمزية الخاصة في فيلمه “سعد اليتيم”، وهو الفيلم الذي حصل فيه على جائزة أفضل سيناريو من جمعية الفيلم، رسم فيه السينارست الراحل، شخصية تحمل بوق الشر وخططه “موسى”، والتي أداها باقتدار معتاد لأدوار الشر الفنان توفيق الدقن.
كان “موسى” يدير المكائد ويشعل الفتنة بين فتوات الحارة حتى يظفر بـ”التكية”، وفي أحد المشاهد التي تجمع بين “موسي” وسعد اليتيم “أحمد زكي”، وأمه كرامات “كريمة مختار”، والذي يلخص الصراع العربي الإسرائيلي. عندما يسأل سعد اليتيم “ليه يا موسي عاوز تأخذ التكية؟”، فيرد عليه موسى “عشان عاوز أخذ عضم جدي المدفونة هنا تحت الجدار في التكية”، مبررًا سرقته للذهب.. ويستمر الحوار بشكل رمزي عما يقوم به “موسى” لأجل إشعال الحرب بين الأشقاء من أجل أن يظفر بالتكية ويطرد سكانها منها.
كان الأستاذ عبد الحي أديب رحمة الله عليه يبتهج فرحًا، وهو يستمع إلى الكلام، لأنه كما كان يقول “شايف شباب صغير وقتها مازال عنده وعي بخبث موسى، ونبتة موسى”.
ويتبادر لذهني الآن، واتذكر حواري مع الراحل “أديب”، في نهاية جملة الحوارية على لسان موسى، وهو يوجه كلامه لـ”كرامات” صاحبة التكية “بكرة تشوفي الناس إللي بيكرهوني، لما أشتريهم بالذهب هيقفوا معايا وأنا باطلب حقي في التكية”.
وضع الراحل عبدالحي أديب، في حوار الفيلم “سعد اليتيم” الذي أُنتج في 1985، رمزية خاصة لفكرة الظلم الإنساني ضد أصحاب الأرض “التكية”.. كل فتوات الحارة يتآمرون ضدهم، يقفون بجوار “موسى” مدبر المكائد، مستغلاً ذهبه ونفوذه ضدهم، طمعًا في وهم جسد “هيكل” جده حتى لو كان ذلك على حساب أبدان أصحاب الأرض.
في السردية الرمزية للراحل عبدالحي أديب، انحاز لحق الإنسان، كموقف وحق دون تعصب، رافضًا لذهب “موسى”، هذا الذهب الآن، الذي ربما غير موقف ابنه البكر عماد أديب، والذي انسلخ على قناعات والده الراحل، لنجده يقف الآن مروجًا لسردية “موسى”، بل تحول لبوق دعاية، لنظرية أبنائه، نجده في اللقاءات التليفزيونية والإعلامية متفاخرًا بتنبي سرديتهم، كما فعل عندما التقى بـ”يأيير لابيد” زعيم المعارضة الإسرائيلية في إحدى الفضائيات العربية أثناء ارتكاب كيانه مذابح أطفال ونساء غزة ويتركه يبرر ما قامت به دولته من عدوان وحشي ضد العزل في غزة، دون أن يرد عليهم، باعتبار أن من حقهم المزعوم في “التكية”.
ربما حدث تحولات في قناعات الابن، وإنكار لتصورات الأب، أو ربما كان السر في بريق ذهب موسي، كما توقعه السينارست عبد الحي أديب، ليلمع في عين ابنه البكري، ليجعله يتحدث مدافعًا عن سردية موسى كما أداها القدير توفيق الدقن، مروجًا لحقهم المزعوم، غافلاً عن حق سكان الأرض وغلابة التكية.





