إريتريا ترفض مطالب أثيوبيا بـ”الاستحقاق البحري” وتحذر من توظيف الجغرافيا في تفجير القرن الأفريقي 

في تصعيد دبلوماسي لافت، ردت وزارة الخارجية الإريترية الاثنين، على مقال نشرته مجلة  “هورن ريفيو” في 16 أبريل 2026، بعنوان “الضرورة البحرية لإثيوبيا”، معتبرة أنه لا يندرج ضمن التحليل الاستراتيجي المحايد، بل محاولة مغلفة بغطاء أكاديمي لإعادة تسويق أطروحات من شأنها تقويض أسس  الاستقرار الإقليمي في القرن الإفريقي.

وشنت وزارة الخارجية الإريترية هجومًا حادًا على المقال الإثيوبي، معتبرة أنه “لا يقتصر على كونه تحليلًا جيوسياسيًا، بل يمضي نحو ترسيخ، بشكل غير مباشر، فكرة الاستحقاق البحري لإثيوبيا”، وهذ أطروحة تعتبرها أسمرة متعارضة بشكل جوهرى مع قواعد القانون الدولى ومبدأ السيادة الوطنية.

وبحسب بيان الخارجية الإرتيرية، فإن تصوير وضع إثيوبيا كدولة حبيسة باعتباره ظلمًا هيكليًا يهدف إلى إعادة توظيف الجغرافيا كذريعة سياسية، تمهيدًا لطرح مبررات لإعادة النظر في الحدود القائمة.

توظيف الجغرافيا كأداة ضغط سياسي

وفقًا لبيان وزارة الخارجية، أن المقال يركز محل الجدل على أن افتقار إثيوبيا إلى منفذ بحري يمثل عبئًا استراتيجيًا في ظل التنافس الدولي المتزايد، ويدعو إلى ما يسميه “الوصول البحري السيادي”، غير أن الوزارة ترى في هذا الطرح انزلاقًا خطيرًا من مفهوم الوصول الذي تنظمه الاتفاقيات الدولية، إلى مفهوم السيادة الذي لا يقبل القسمة أو التفاوض.

وأكدت الحكومة الاريترية أن القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمنح الدول غير الساحلية حقوقًا واضحة في الوصول إلى الموانئ عبر ترتيبات ثنائية، لكنه لا يجيز بأي حال من الأحوال امتلاك أو إدارة أراض أو موانئ خارج حدودها السيادية،  ومن ثم، فإن أي محاولة لتوسيع هذا المفهوم تُعد، وفق الرؤية الإريترية، “تحريفًا قانونيًا يخدم أهدافًا سياسية”.

سرد تاريخي متنازع عليه

أشار المقال إلى سرد لتارخ العلاقة بين أثيوبيا وأسمرة قبل استقلال إريتريا، وهو ما وصفته وزارة الخارجية الإريترية بـ”الانتقائية في السرد التاريخي”،  ولفتت إلي أن الاستشهاد باستخدام  إثيوبيا لميناء عصب في الماضي يقدم كدليل على وجود علاقة طبيعية بينها وبين الساحل الإريتري، مؤكدة أن هذا الطرح يتجاهل عمدًا التعقيدات والسياقات التاريخية التي شكلت تلك المرحلة.

في عام 1952، جرى ربط إريتريا بإثيوبيا ضمن إطار اتحاد فيدرالي بقرار دولي أثار جدلًا واسعًا قبل أن تعلن أديس أبابا ضمها الكامل عام 1962، وهو ما أدى لاحقًا إلى اندلاع حرب تحرير استمرت نحو ثلاثة عقود.

وبحسب بيان الخارجية الإريترية، فإن استفادة إثيوبيا من الموانئ خلال تلك الفترة لم تكن تعبيرًا عن “حق تاريخي”، بل جاءت نتيجة ترتيبات سياسية فُرضت بالقوة، وانتهت لاحقًا بإعلان استقلال إريتريا عام 1991.

السيادة مقابل الاستحقاق

ورفضت وزارة الخارجية الإريترية، ما يُعرف بـ” مبدأ الاستحقاق غير المشروع”، الذي يقوم على فكرة أن حجم دولة إثيوبيا أو قوتها الاقتصادية قد يبرر منحها حقوقًا تتجاوز ما تقره القوانين الدولية على حساب الدول الأخرى، مؤكدة أن هذا الطرح يتعارض مع مبدأ المساواة السيادية بين الدول، أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي.

ورفضت الخارجية لمفهوم “الحتمية الجغرافية”، الذي يفترض أن إثيوبيا لا يمكن أن تبقى دولة حبيسة إلى الأبد، معتبرة أن هذا التصور قد يُستخدم لتبرير إعادة رسم الحدود أو فرض تغييرات قسرية، بما يهدد استقرار المنطقة ويقوض التوازنات القائمة.

وعلى المستوى العملي، تشير إريتريا إلى أن إثيوبيا لا تعاني من عزلة بحرية فعلية، إذ تعتمد بشكل أساسي على موانئ جيبوتي عبر اتفاقيات طويلة الأمد، كما تمتلك خيارات أخرى في المنطقة، وتؤكد أن التحديات التي تواجهها أديس أبابا هي بالأساس لوجستية واقتصادية، وليست قانونية أو سيادية.

وتضيف أن إثيوبيا كانت قد استخدمت الموانئ الإريترية بعد الاستقلال عبر ترتيبات تجارية قبل أن تتوقف تلك الترتيبات عقب الحرب الحدودية بين عامي 1998 و2000، ما يعني أن مسألة الوصول يمكن حلها عبر التعاون، لا عبر إعادة طرح قضايا السيادة.

البعد الاستراتيجي والقلق الإقليمي

لم تغفل الخارجية الإريترية في ردها بالإشارة إلى البعد الأمني في الطرح الإثيوبي، حيث أشار إلى أن الحديث عن الاستقلالية الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على الآخرين، يحمل في طياته أبعادًا تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والدفاع، وفي منطقة  حساسة مثل البحر الأحمر، التي تشهد تنافسًا دوليًا متزايدًا، فإن إدخال مثل هذه المفاهيم قد يؤدي إلى تعقيد التوازنات القائمة.

كما حذرت أسمرة، من أن مثل هذه السرديات قد تؤثر على الرأي العام داخل إثيوبيا، عبر خلق تصور بأن “القضية البحرية” لا تزال مفتوحة، ما قد يضغط على صناع القرار ويدفعهم نحو مواقف أكثر تشددًا.

ورغم حدة الانتقادات، أكدت إريتريا أنها لا تعارض مبدأ التعاون الإقليمي أو دعم الدول غير الساحلية في الوصول إلي الموانئ، بل ترى  في ذلك عنصرًا أساسيًا للتكامل الاقتصادي في القرن الإفريقي، لكنها ترفض بشكل قاطع أي محاولة لتحويل هذا التعاون إلى التزام دائم أو مدخل للمطالبة بالسيادة.

وتشدد على أن التمييز بين “الوصول والسيادة” ليس مسألة لغوية، بل قاعدة أساسية للحفاظ على الاستقرار،  فالوصول يتم عبر اتفاقيات قابلة للتفاوض، بينما السيادة تظل حقًا مطلقًا غير قابل للمساومة.

خلاصة المشهد

يعكس هذا الجدل تصاعد التوترات الفكرية والسياسية في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الطموحات الاقتصادية مع الاعتبارات السيادية، وبينما تسعى إثيوبيا لتعزيز موقعها الإقليمي وتأمين مصالحها الاستراتيجية، وتتمسك إريتريا بإطار قانوني صارم يرفض أي إعادة تفسير للحدود أو السيادة.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن مستقبل العلاقة بين البلدين سيتوقف على قدرة الطرفين على الفصل بين ضرورات التنمية الاقتصادية ومتطلبات الاستقرار السياسي، دون الانزلاق إلى صراعات تعيد فتح ملفات تاريخية لم تُطوَ بالكامل بعد.