مصير “الناتو”.. من يحمي القارة العجوز بعد سحب أمريكا قواتها من ألمانيا؟

“لا فك ارتباط، لا ازدواجية، لا تمييز” هو الشعار الذي صرحت به وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في 1998، في إشارة  للعلاقة القوية بين حلف الناتو التي تقوده دولتها ودول الاتحاد الأوروبي، لكن ما بدا أنه ضرباً من الخيال، قد يكون قاب قوسين أو أدنى من أن يكون واقعًا، فما كان يعتبر مجرد كلام فارغ في إدارة “ترامب” الأولى، لا ينطبق على إدارته الحالية، فالرئيس “ترامب” بدأ في اتخاذ خطواته الفعلية، والتي بدأها بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، وحمل أوكرانيا مسسئولية الحرب التي شنتها روسيا ضدها، وبدأ محادثات ثنائية مع روسيا حول مستقبل أوكرانيا في تجاهل تام للسيادة الأوكرانية وجعلها هدف للمفاوضات لا طرف فيها في أكبر حرب تشهدها القارة منذ أربعينات القرن الماضي.

ومع رفض الحلفاء خاصة الأوربيين، المساعدة في تسيير دوريات في مضيق هرمز، ألمح “ترامب” إلى ضرورة الانسحاب من حلف الناتو، وعلى الرغم من أن منطق ترامب خاطئ فيما يتعلق بقواعد الاشتباك في حلف الناتو، إلا أن هدف الانسحاب يؤيده العديد من الليبراليين وبعض المحافظين وليس الكونجرس، وقد ردد وزير الخارجية مارك روبيو، نفس منطق “ترامب”، والقائل بما إن أوروبا لا تسمح لنا باستخدام القواعد التي نديرها ونمولها للدفاع عنها، فعلينا إغلاقها وسحب قواتنا.

ما هو حلف الناتو؟
تأسس حلف شمال الأطلسي “الناتو” في العام 1949 وفق معاهدة شمال الأطلسي، ويضم الآن 32 عضوًاً، مقره بروكسل، ويعمل الحلف وفق مبدأ الدفاع الجماعي، المنصوص عليه في المادة 5 ويهدف إلى ضمان الدفاع الجماعي “الكل للواحد، والواحد للكل” وتأسس لمواجهة الاتحاد السوفيتي، وبعد عقود من تفكك الاتحاد السوفيتي، ولاتزال الولايات المتحدة تتحمل نصيب الأسد من التكاليف والتي تصل إلى 62% من إنفاقه.

آليه الانسحاب من الحلف
تسمح المادة 13 من معاهدة شمال الأطلسي لأي دولة عضو بالانسحاب من الحلف، وتنص المعاهدة على أنه “بعد مرور عشرين عامًا على سريان المعاهدة، يجوز لأي طرف الانسحاب منها بعد عام واحد من تقديم إشعار الانسحاب إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدورها تُبلغ حكومات الأطراف الأخرى. ويتطلب الانسحاب إشعارًا رسميًا، ويسري مفعوله بعد عام، مما يتيح قانونًا لأي دولة الخروج من المعاهدة بموجب القانون الدولي”.

وتعد أبرز مثال على الخروج، إذ انسحبت من الهيكل القيادي العسكري للحلف عام 1966، بقيت فرنسا عمليًا عضوًا، وتحديدًا كجزء من مجلس شمال الأطلسي الجناح السياسي للناتو، ولكن صدرت أوامر لآلاف الجنود الأمريكيين بمغادرة فرنسا، ونقل مقر الناتو من باريس إلى بروكسل، حيث لا يزال قائمًا حتى اليوم، حيث لا يزال قائمًا حتى اليوم. ثم عادت إليه بالكامل عام 2009 في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي.

لكن يبقي “ترامب” محكوم بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024 المادة “250أ”،والذي يشترط أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ لاتخاذ قرار الانسحاب، لذا فالهدف الآن هو تقويض الناتو.

 قدرة أوروبا في الدفاع
ويطرح سؤالا هنا هل إذا انسحبت القوات الأمريكية، هل ستظل أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها؟، حيثيصل عدد القوات الأمريكية في أوروبا إلى 80 ألف جندي أمريكي ولا يشمل هذا الرقم القوات المؤقتة، وإذا ما قررت واشنطن سحب قواتها، ستحتاج أوروبا إلى 300 ألف جندي إضافي وزيادة سنويةفي الإنفاق الدفاعي لا تقل عن 250 مليار يورو، وذلك للاستمرار في الدفاع ضد روسيا.

وقد سجل الإنفاق الدفاعي الأوروبي في عام 2023 مبلغ 279 مليار يورو وهي زيادة بمقدار 10% عن العام 2022، فإن مضاعفة ذلك المبلغ تبدو مستبعدة للغاية في ظل الأزمات المالية التي يعاني منها العالم.

وتمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، يبلغ قوامه 355.200 جنديًا في الخدمة الفعلية وفي القوات البرية في الخطوط الأمامية 260.200، تليها فرنسا 202.200 جنديًا، تليها ألمانيا بـ 179.850 جنديًا.

ويظهر سؤال آخر،هل تستطيع أوروبا الدفاع بمفردهافي ظل قيود حدود الانتشار النووي؟، تمتلك كل من فرنسا وإنجلترا ترسانة نووية، إلا أنها غير كافية لردع روسيا، وما يجعل أوروبا في حالة أفضل من أوكرانيا هي الأسلحة النووية الأمريكية، ولأن جميع دول الاتحاد الأوروبي وقعت على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية والتي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 1970، وافقت الدول الموقعة غير الحائزة للأسلحة النووية على عدم امتلاكها مطلقاً، إلا أن دول حلف الناتو لم توقع على معاهدة حظر الأسلحة النووية لأنها تتعارض مع سياسة الردع النووي للحلف.

لذا يمكن لأوروبا أن تعتمد رادع بقيادة فرنسا أو رادع أوروبي موحد أو برنامج نووي ألماني، اختارت برلين عدم تطوير قواتها النووية الخاصة، إلا أنها أصدرت إعلان مكتوب يقضي بإمكانية وجود رادع نووي أوروبي في المستقبل) أو أن تطور منظة نووية ثلاثية “بريطانيا وفرنسا وألمانيا” تحت قيادة حلف الناتو، والذي سيكون ضمن نطاق معاهدة عد انتشار الأسلحة النووية.

قدرات الناتو بعيدًا عن أمريكا
يعتمد حلف الناتو بشكل مفرط على الولايات المتحدة في القدرة على توجيه ضربات في عمق أراضي العدو، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والقدرات الفضائية مثل استخبارات الأقمار الصناعية، والخدمات اللوجستية، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الأمنية “IISS”.

ما قد يعني التخفيف من السياسات التقييدية التي فرضها حلف الناتو على الحكومات الأوروبية تجاه الصادرات التكنولوجية المتقدمة إلى الصين.

العلاقة بين واشنطن والناتو؟
بعدما كانت تنظر واشنطن إلى أوروبا كحليف، أصبحت تنظر لها كمنافس وكخصم، وما بدا أنه التزام بالدفاع عن حلفاء الناتو، تحول إلى موضع شك، وبمجرد ما تبدأ بفقدان جزء من الالتزام، فأنك تفقده بأكمله بالتدريج، لذا فإن فكرة العمل بعيدًا عن واشنطن من شأنها أن تدفع حلف الناتو إلى سد النقص وتطوير القدرات الخاصة.

وإذا انسحبت الولايات المتحدة بالكامل من أوروبا، فإنها ستترك وراءها بنية تحتية مهمة،ووفقًا لمركز أبحاث الكونجرس، تمتلك الولايات المتحدة 31 قاعدة عسكرية دائمة في أوروبا، وهي عبارة عن منشآت بحرية وجوية وبرية ومراكز قيادة وسيطرة، ستكون متاحة للدول التي تتواجد فيها في حال انسحاب الولايات المتحدة.

كماأن الاعتقاد بأن حلف الناتو يخدم أوروبا فقط هو اعتقاد خاطئ، فعقب هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، فعل حلف الناتو للمرة الأولى والوحيدة المادة الخامسة لدعم واشنطن، وأرسل قوات للقتال في أفغانستان. وقد لقي آلاف الجنود حتفهم هناك، من بينهم نحو 500 جندي من بريطانيا، والعشرات من فرنسا والدنمارك وإيطاليا ودول أخرى.

ماذا يعني الانسحاب لواشنطن؟
من الناحية الرمزية أن انسحاب أمريكا سيمثل ضربة قوية لمصداقيتها وقيادتها على الصعيد العالمي، والذي سيكون أكبر تقليص طوعي للنفوذ الأمريكي منذ أن رفض مجلس الشيوخ الأمريكي عصبة الأمم عام 1919، “هي الهيئة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى وسبقت الأمم المتحدة”.

وهناك فارق بين الانسحاب وبين تقليص الالتزام، إذ يمكن لأي إدارة أمريكية أن تقلص المشاركة في عمليات الحلف أو إعادة توزيع الموارد العسكرية، والذي من شأنه التأثير على دور واشنطن داخل الحلف دون اتخاذ أي قرار رسمي بالانسحاب،  وهي عملية معقدة من الناحية القانونية والدستورية، والتي ما إذا حدثت ستتسبب في أزمة دستورية في حالة أن حدثت دون توافق بين الرئيس والكونجرس، وفقاً لدراسة صادرة عن مركز أبحاث الكونجرس.

إن التهديد الأكبر لحلف الناتو ليس أعداؤه الخارجيون، بل التفكك المستمر للتحالف من الداخل، فتقليص أو انسحاب الوجود الأمريكي من حلف الناتو من شأنه أن يعطي بوتين هدية ثمينة وهي شرق أوروبا والبلطيق، كما أن نشر القوات الأمريكية يصب في صالح واشنطن من أجل الدفاع عن المصالح الأمريكية في المنطقة.