من الإيجار القديم إلى الحساب الختامي.. البرلمان يواجه فوضى البيانات

وقف رئيس لجنة الخطة والموازنة الدكتور محمد سليمان،  أمام الجلسة العامة واضعًا ملف الحساب الختامي على طاولة البرلمان، لكن كلماته لم تكن مجرد عرض تقني للأرقام، بل حملت نبرة انتقاد واضحة لغياب المعلومات، المشهد عكس حالة من التوتر داخل أروقة البرلمان، حيث فجر “سليمان” مفاجأة تتعلق بتخلف عدد من الجهات الحكومية عن تقديم البيانات المطلوبة، في لحظة بدت كاشفة لخلل إداري يتجاوز مجرد تأخير إجرائي.

بنبرة حاسمة، راح يسرد أسماء الجهات واحدة تلو الأخرى، في إشارة مباشرة إلى حجم الأزمة، مؤكدًا أن غياب البيانات من وزارات وهيئات خدمية أساسية، مثل التعليم العالي والتموين والزراعة، إلى جانب المستشفيات الجامعية وهيئة الرعاية الصحية، يضعف قدرة البرلمان على ممارسة دوره الرقابي بدقة، لم يكن المشهد مجرد ملاحظة عابرة، بل بدا كأنه رسالة سياسية واضحة، لا يمكن الحديث عن انضباط مالي أو تخطيط رشيد في ظل معلومات ناقصة أو غائبة.

غياب الأرقام الدقيقة وتضارب الإحصاءات في القضايا الحيوية ينعكس مباشرة على جودة القوانين وكفاءة السياسات العامة، فبين مشروعات قوانين تُعرض دون دراسات كافية، وملفات كبرى تُناقش بأرقام متباينة أو غير مكتملة، تتراجع قدرة الدولة على التخطيط السليم، ويصبح اتخاذ القرار أقرب إلى الاجتهاد منه إلى البناء على حقائق واضحة.

قانون الإيجار القديم نموذجًا
في يوليو الماضي، قدمت الجلسة العامة لمجلس النواب نموذجًا واضحًا لأزمة غياب البيانات الدقيقة وتأثيرها المباشر على عملية التشريع، خلال مناقشات مشروع قانون الإيجار القديم، حيث طغت حالة من الجدل الواسع بعد عرض بيانات خيرت محمد سيد أحمد بركات رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي جاءت استجابة لطلب سابق من رئيس المجلس.

ورغم أهمية البيانات المقدمة، فإنها قوبلت بانتقادات حادة داخل القاعة، حيث وصفها المستشار حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب السابق، بأنها “غير دقيقة”، مؤكدًا أن الحكومة حضرت إلى البرلمان وهي تفتقر إلى معلومات وإحصائيات أساسية، وهو ما تكرر- بحسب قوله – في عدد من مشروعات القوانين السابقة التي قُدمت دون دراسات كافية أو حوارات مجتمعية مكتملة.

اللافت أن حالة الرفض لم تقتصر على اتجاه سياسي بعينه، بل امتدت لتشمل ممثلي الأغلبية والمعارضة والمستقلين، حيث طالب نواب من مختلف الأحزاب، وعلى رأسهم ممثلو حزب الأغلبية وقتها، بتأجيل مناقشة مشروع القانون لحين استكمال البيانات الدقيقة التي يمكن البناء عليها تشريعيًا، رغم الموافقة عليه من حيث المبدأ.

وكشفت المناقشات عن فجوات واضحة في البيانات المرتبطة بملف الإيجار القديم، خاصة فيما يتعلق بعدد المستأجرين الأصليين، وتوزيعهم العمري والجغرافي، وكذلك آليات احتساب هذه الفئات، حيث اعتمد الجهاز على معيار اعتبار من تجاوزوا سن الستين في تعداد 2017 كمستأجرين أصليين، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول دقة هذا التوصيف ومنهجيته.

كما برزت تساؤلات حاسمة حول غياب بيانات تفصيلية تتعلق بالجيل الأول من المستأجرين، وخطط توفير السكن البديل، وحجم الأراضي المتاحة لذلك، وهي عناصر اعتبرها النواب ضرورية قبل المضي قدمًا في مناقشة قانون يمس شريحة واسعة من المواطنين.

وانتهت الجلسة وقتها إلى قرار بتأجيل استكمال المناقشات، في مشهد عكس إدراكًا برلمانيًا واسعًا لخطورة المضي في تشريعات كبرى دون قاعدة معلومات موثوقة، لتبقى هذه الواقعة واحدة من أبرز الشواهد على أن أزمة البيانات لم تعد مسألة فنية، بل أصبحت عاملًا حاسمًا في توجيه مسار التشريع وصنع القرار.

كارثة حقيقية
أكد وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، النائب إيهاب منصور ، أن هناك “كارثة حقيقية” تتمثل في غياب البيانات الدقيقة والدراسات الاكتوارية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على موقفه الرافض لمشروع قانون التأمينات الاجتماعية الذي ناقشه مجلس النواب الأسبوع الماضي، مشددًا على أن إقرار أي أرقام دون سند علمي واضح وتحليل دقيق “أمر غير مقبول تشريعيًا”.

وأوضح في تصريحات لـ”ليبرالي”  أن المناقشات البرلمانية حول مشروع القانون كشفت عن إشكاليات جوهرية تتعلق بتقدير التزامات الدولة تجاه صناديق التأمينات، في ظل تضارب الأرقام المطروحة وغياب رؤية تفصيلية توضح الحجم الحقيقي لهذه الالتزامات، إلى جانب الحاجة لإجراء تعديلات أوسع على عدد من مواد القانون بما يتناسب مع الواقع.

وأشار “منصور” إلى أن أزمة غياب البيانات لم تعد مجرد قصور إداري، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تؤثر بشكل مباشر على جودة التشريعات وكفاءة صنع القرار، لافتًا إلى أن هذا الخلل يمتد إلى عدد من الملفات الحيوية، من بينها العمالة غير المنتظمة، والتصالح في مخالفات البناء، وحصر الثروة العقارية.

وأضاف أنه وجه نصيحة إلى رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بضرورة طلب زيادة في التمويل، وتعزيز أعداد العاملين، وتحديث المعدات ووسائل النقل والتقنيات، مؤكدًا أن الجهاز يمثل ركيزة أساسية في بناء قاعدة بيانات دقيقة، وأصبح من أهم مؤسسات الدولة في هذا الملف.

وتابع أن العديد من القوانين المهمة، مثل قوانين حصر الثروة العقارية والإيجارات، تعاني من غياب بيانات محدثة، في ظل جدل واسع حول أعداد الملاك والمستأجرين، حيث تشير بعض التقديرات إلى أنهم بالملايين، بينما تفيد بيانات حكومية بأن نسبتهم لا تتجاوز 7% من السكان، رغم عدم إجراء تعداد حديث منذ عام 2017، وهو ما يعكس فجوة واضحة في المعلومات.

كما لفت إلى وجود تباينات كبيرة في الأرقام المرتبطة بملفات أخرى، مثل تقنين الأراضي، والتصاريح، وذوي الإعاقة، والعمالة غير المنتظمة، مؤكدًا أن اختلاف البيانات بين الجهات الرسمية يعكس غياب الحصر الدقيق، ويؤدي إلى صعوبة وضع حلول فعالة، قائلًا إن:” عدم معرفة الحجم الحقيقي للمشكلة يجعل التعامل معها أمرًا بالغ التعقيد”.

وفيما يخص ملف العمالة غير المنتظمة، أوضح أن الأرقام شهدت تضاربًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أعلنت الحكومة في 2020 صرف منحة لنحو 1.75 مليون مواطن، ثم أشارت في 2023 إلى أن العدد لا يتجاوز 25 ألفًا، قبل أن يعلن وزير العمل مؤخرًا وصول العدد إلى 236 ألفًا، معتبرًا أن هذا التباين يعكس غياب قاعدة بيانات مستقرة.

وأشار إلى أن هناك تحركات بدأت بالفعل لإجراء حصر أكثر دقة، مع بدء بعض الشركات والكيانات في إرسال بيانات العاملين لديها، في إطار بناء قاعدة معلومات متكاملة.

التحدي في كيفية قراءة البيانات
أكد عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي، النائب محمد فؤاد، أن أزمة البيانات في مصر لا ترتبط بغيابها بشكل كامل كما يُشاع، بقدر ما ترتبط بضعف القدرة على تحويل هذه البيانات إلى معلومات قابلة للاستخدام والتحليل، موضحًا أن “جزءًا كبيرًا من البيانات متاح بالفعل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية قراءته واستخلاص دلالاته”.

وأوضح “فؤاد” أن هناك صعوبة لدى كثيرين في الوصول إلى المعلومة الدقيقة رغم توافر مصادرها، مشيرًا إلى أن العديد من التقارير الرسمية، مثل تقارير البنك المركزي أو المؤسسات الدولية، تتضمن بيانات يمكن من خلالها الوصول إلى مؤشرات دقيقة إذا تم التعامل معها بشكل صحيح، قائلًا إن الأرقام لا تحتاج دائمًا إلى انتظار تصريحات رسمية، بل يمكن استنتاجها عبر تحليل البيانات المنشورة بالفعل.

وأضاف أن منصات دولية مثل صندوق النقد الدولي، إلى جانب قواعد بيانات السندات الدولية والبورصات، تتيح معلومات تفصيلية حول التزامات الدول، مؤكدًا أنه شخصيًا يعتمد على هذه المصادر في تكوين رؤيته، وأنه لم يواجه عائقًا حقيقيًا في الوصول إلى البيانات المرتبطة بالسياسات النقدية والمالية على مدار سنوات.

وأشار إلى أن الإشكالية الأساسية تتمثل في الفرق بين “البحث عن معلومة” و”البحث عن بيان جاهز”، موضحًا أن من يمتلك أدوات التحليل يمكنه تجميع البيانات المتاحة والخروج بصورة متكاملة، بينما يواجه آخرون صعوبة بسبب نقص الخبرة أو عدم الاستعانة بمتخصصين في هذا المجال.

وفي الوقت نفسه، أقر “فؤاد” بوجود حالات تظل فيها البيانات غير مكتملة أو يصعب الوصول إليها، مستشهدًا بملف الإيجار القديم، الذي اعتبره نموذجًا واضحًا لصعوبة الحصول على بعض المؤشرات الدقيقة، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الفئات العمرية للمستأجرين.

واختتم تصريحه بالتأكيد على أن نحو 95% من المعلومات متاح بشكل أو بآخر، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء القدرات اللازمة لتحليل هذه البيانات، مع الإقرار بأن بعض الملفات لا تزال تعاني من نقص أو غياب في البيانات، وهو ما قد يعكس أحيانًا عدم امتلاك الجهات نفسها للصورة الكاملة.