
وجد العراق نفسه عالقًا في مرمي نيران الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الجولة الأخيرة من الحرب والتي استمرت 39 يومًا، وعلى عكس دول الخليج، يتعرض العراق لهجمات من كلا الجانبين، استهداف من قبل إيران للقواعد والمصالح الأمريكية، وكذلك هجمات من طرف أمريكيا وإسرائيل تستهدف الميلشيات التابعة لإيران، مما يرهق قدراته على البقاء محايدًا ومقاومة الضغوط المتزايدة من الميليشيات العسكرية الموالية لإيران في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، فكلما طال أمد الحرب تزايدت وتيرة استهداف العراق، وازداد خطر انزلاقه إلى الفوضى.
يزداد الوضع خطرًا في العراق بسبب وجود الجماعات المسلحة الشيعية الموالية لإيران وجماعات الأكراد الإيرانية المعارضة، والتي من شأنها أن تفاقم التوترات التي قد تشعل فتيل الحرب الأهلية، خاصة مع تعطيل الحرب على إيران صادرات العراق النفطية وواردات الكهرباء، والذي من شأنه أن يدفع بالسكان المنهكين أصلاً نحو اضطرابات مفتوحة أكثر عنفًا، ويضاف لذلك وجود اتهامات من دول الخليج أن جزء من الهجمات التي وقعت عليها أثناء الحرب جاءت من الميلشيات الشيعية، وهو ما يهدد بتفاقم العلاقات بين بغداد ودول الخيج العربي الأخرى.
لطالما كان العراق متأرجحًا بين إيران والولايات المتحدة، وكنتيجة للحرب التي طال أمدها لعقدين من الزمان، وصل العراق في العام 2023، ونجح بشق الأنفس بإبقاء البلاد بمنأى عن الحروب الإقليمية التي تعصف بالمنطقة، حيث التزم القادة العراقيون بشقيهم السياسيون والدينيون، على رأسهم المرجعية الشيعية الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني، بحماية الاستقرار الهش وضعف الدولة العميقة الذي وصل إليها العراق بعد سقوط صدام حسين.

بغداد.. ما بين سيادة الدولة وضحية سوء التوقيت
يتفاقم وضع العراق الهش بسبب سوء التوقيت، فالعراق في خضم مرحلة انتقالية حرجة، حيث مساعي تشكيل الحكومة الجديدة، في ظل عمل الحكومة السابقة بصلاحيات مؤقتة محدودة، كما أن ثلث الوزراء الحاليين أصبحوا شاغلين لعضوية البرلمان، ما دفع برئيس الوزراء شياع السوداني إلى إدارة مؤسسات هامة وحساسة كوزارة الدفاع بالوكالة.

نفوذ الميليشيات
سعت الحكومة العراقية رغم ما تعانيه من اضطرابات، إلى التعامل بحزم وتحجيم الميليشيات المسلحة من المشاركة المباشرة في الصراع، فتحركت سريعًا لمنع المتظاهرين الموالين لإيران من دخول المنطقة الخضراء ومهاجمة السفارة الأمريكية، وبينما كانت واشنطن تقصف طهران، قامت أيضًا بتوسيع دائرة عملياتها لتشمل قصف عدة قواعد لقوات الحشد الشعبي في الأراضي العراقية، ما أسفر عن وقوع ضحايا من بين عناصرها.
على الجانب الأخر، شنت إيران هجمات على الوجود الأمريكي في كردستان العراق، مستهدفة بالدرجة الأولى مطار أربيل الدولي الذي يضم آخر قاعدة أمريكية في العراق، وتعد منطقة كردستان العراق منطقة حساسة، حيث تضم بداخلها جماعات المعارضة الكردية الإيرانية.

العمق الاستراتيجي للعراق
يمثل العراق على المستوى الاستراتيجي عمقًا بالوكالة لإيران وممر احتواء للولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تستطيع إيران ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة دون فتح جبهة مباشرة ومكلفة من خلال شبكات ميليشياتها في العراق، ما يبقي الصراع بعيدًا عن أراضيها مع استغلال نفوذها الإقليمي بفعالية،مما يمنح طهران مرونة عملياتية وقدرة على التحكم في التصعيد.
وتجد بغداد نفسها في حالة ارتباك، لأنها مجبرة على الحفاظ على علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة، والرد على استهداف هياكل الميليشيات التي تشكل جزءًا من بنيتها الأمنية، يدفع هذا الوضع بغداد إلى موقف متناقض، من ناحية يجعلها معتمدة على واشنطن وفي الوقت نفسه متوترة معها.
ويتجاوز هذا التناقض كونه معضلة دبلوماسية للعراق،حيث يلمس مباشرة مسألة قدرة العراق وسيادته، فإذا التزم العراق الصمت حيال استهداف عناصر قوات الحشد الشعبي التي تعتبر جزءا من هيكله الأمني فإنه يضعف شرعيته الداخلية، وإذا رد فإنه يزيد من خطر التوتر المباشر مع الولايات المتحدة، ما يجعل بغداد محاصرة بشكل متزايد في سياسة التوازن القسري مع تضييق نطاق مناوراتها.

المعارضة الكردية الإيرانية في العراق
من الخطأ التعامل مع الأكراد ككتلة واحدة، سواء على الصعيدين الإقليمي أو داخل إقليم كردستان نفسه، فبينما يتوقع الأكراد الإيرانيون تغيير النظام في إيران، إلا أن أكراد العراق ليسوا مستعدين للتضحية بما قد اكتسبوه سياسيًا من العام 1991، فكما الحال مع السياق السوري، تدخل كردستان العراق للوساطة بين قوات الكرية في سوريا(قسد) ودمشق، إلا أنهم لم يتبنوا القضية الكردية السورية.
كما صرح رئيس وزراء اقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، أن العراق سيبقي على الحياد من الصراع الأمريكي الإيراني، ومن المرجح أن يستمر اقليم كردستان العراق في الحياد حتي وإن حاولت واشنطن استخدام كردستان العراق كنقطة انطلاق لتمردي كردي داخل إيران، فالعراق ليس طرفًا في الحرب، إلا أن موقعه الجغرافي يجعله متأثر بشكل مباشر بتداعياتها والعمليات العسكرية القائمة فيها.

شيعة العراق وتشابك العلاقات مع طهران
تربط شيعة العراق علاقة معقدة مع طهران على كافة مستوياتها من المواطنون العاديون حتي رجال السياسة والدين في الدولة، فعلى الرغم من إعلان الحداد ثلاثة أيام والحزن باستقبال نبأاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلا أنها كانت حسبة سياسية لتهدئة الانقسام الشيعي في الداخل العراقي، فعلى مدار العقود الماضية اختلف شيعة العراق حول كيفية النظر إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، هل هي حليف أم متدخل ذو نوايا خبيثة في الشؤون العراقية؟.
ومن أبرز رادعي التدخل الإيراني في العراق، مقتدى الصدر وهو شيعي، وقد أصدر فور إعلان وفاة خامنئي بيان تعزية وإعلان الحداد ثلاثة أيام عليه، ما جعله متفوق على الدولة العراقية، في محاولات تقدير الموقف والبحث عن استقلالية في الجانب الشيعي العراقي عن الجانب الإيراني.

“السيستاني” والمرجعية الشيعية عالميًا
باغتيال علي خامنئي تم إعادة ترتيب هرمية القيادة الدينية للشيعية في العالم، تاركة “السيستاني” في النجف على قمة الهرم كأقدم مرجع ديني بلا منازع، لكن، لا يتبنى “السيستاني” ولا المراجع الدينية الشيعية على عكس “خامنئي” المذهب الثيوقراطي لولاية الفقيه، المبدأ الذي يقضي بأن يحكم رجال الدين الدولة مباشرة، فطالما كان السيستاني واقعي يعمل داخل إطار الدولة القومية العراقية، يولي الاستقرار أولوية قصوى فوق أي اعتبرات أخرى، كما لا يتواني مع أي شخص أو جماعة تسعي لاستغلال الدين للتحريض على العنف الانتقامي تجاه الدولة وشرعيتها.

التعامل مع العراق كدولة طبيعية
يحتاج النظام الدولي إلى تكثيف جهوده لتعزيز العلاقات الثنائية مع العراق كدولة طبيعية. في ظل صعوبات منافسة النفوذ الإيراني، إلا أنه بإمكانه البدء في تبني سياسات مماثلة لتلك التي اتبعتها دول الخليج، التي بدأت الاستثمار في العراق كوسيلة لدعم استقراره وتخفيف النفوذ الإيراني.
وتخدم علاقات العراق الخارجية المتنامية مع الأوروبيين ودول الخليج المجاورة المصالح الإقليمية والدولية، مما يسمح للعراق بالعمل كوسيط بين إيران وبقية العالم، وقد أظهر الصراع الحالي في الشرق الأوسط أهمية الوسطاء الإقليميين، فالانخراط مع إيران بشكل بناء سيكون أمرًا صعبًا، ولكن هو المجال الأنسب للعراق لتقديم الدعم.
يتطلب استقرار الشرق الأوسط سياسة شاملة في الانخراط مع طهران، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي من خلال دول الشرق الأوسط نفسها والتي تسعى للحفاظ على استقرار المنطقة والتي لطالما عصفت بها الأزمات الإقليمية.






