نهاد شعبان

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية والتحديات البيئية المتزايدة، اتجهت مصر خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع الاعتماد على ما يُعرف بـ”الاقتصاد الأخضر”، باعتباره أحد المسارات الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات وتقليل الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتغيرات المناخية.
فلم يعد الاقتصاد الأخضر مجرد مفهوم مرتبط بالحفاظ على البيئة، بل أصبح جزءًا من خطط الدولة الاقتصادية، خاصة مع التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، والنقل الكهربائي، ومعالجة المياه، وإدارة المخلفات، والتوسع في المشروعات الصديقة للبيئة.

مجمع بنبان
وشهدت مصر خطوات ناجحة في هذا الاتجاه، كان أبرزها التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفي مقدمتها مجمع “بنبان” للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، الذي يعد واحدًا من أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم، حيث ساهم في تعزيز قدرة الدولة على إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، كما اتجهت الدولة إلى تنفيذ مشروعات ضخمة لطاقة الرياح في منطقة خليج السويس، مستفيدة من طبيعة المنطقة وسرعات الرياح المرتفعة، إلى جانب التوسع في مشروعات الربط الكهربائي التي تهدف إلى تحويل مصر لمركز إقليمي للطاقة.

القطار الكهربائي والمونوريل
وفي قطاع النقل، بدأت مصر في إدخال وسائل نقل أكثر اعتمادًا على الطاقة النظيفة، من خلال مشروعات القطار الكهربائي والمونوريل والأتوبيسات الكهربائية، ضمن خطة تستهدف تقليل التلوث الناتج عن وسائل النقل التقليدية، خاصة في المدن الكبرى التي تعاني من الزحام والانبعاثات المرتفعة، كما تم التوسع في إنشاء محطات معالجة وتحلية المياه، في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية، حيث تم تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى لإعادة استخدام المياه في الزراعة والتنمية العمرانية، خاصة في المناطق الجديدة.
وفي ملف المخلفات، تم البدء في تنفيذ مشروعات لتطوير منظومة جمع وتدوير القمامة، بعد سنوات طويلة من المشكلات البيئية المرتبطة بتراكم المخلفات والحرق العشوائي، وتسعى الدولة إلى تحويل المخلفات إلى مصدر اقتصادي من خلال مشروعات إعادة التدوير وإنتاج الطاقة من المخلفات الصلبة.

الهيدروجين الأخضر
كما يعد الهيدروجين الأخضر من أبرز الملفات التي تسعى الحكومة إلى التوسع فيها خلال الفترة الحالية، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بهذا النوع من الوقود باعتباره أحد بدائل الطاقة النظيفة المستقبلية، وشهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس توقيع عدد من الاتفاقيات مع شركات وتحالفات دولية لتنفيذ مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، مستفيدة من الموقع الجغرافي لمصر وقدراتها في مجال الطاقة المتجددة، والهدف من ذلك جذب استثمارات أجنبية جديدة وفتح أسواق تصديرية مستقبلية، في ظل التوقعات العالمية بارتفاع الطلب على الوقود الأخضر خلال السنوات المقبلة.
وفي القطاع الزراعي، ظهر اتجاه نحو التوسع في أساليب الري الحديثة وترشيد استهلاك المياه، إلى جانب التوسع في استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل الآبار والمشروعات الزراعية بالمناطق الجديدة، خاصة في مشروعات الاستصلاح الزراعي الكبرى، كما شهدت المدن الجديدة توسعًا في تطبيق مفاهيم البناء الأخضر واستخدام الطاقة النظيفة، من خلال الاعتماد على الإضاءة الموفرة للطاقة وإنشاء مساحات خضراء والتوسع في استخدام وسائل النقل الحديثة، ضمن خطط تستهدف تقليل استهلاك الطاقة وتحسين جودة الحياة.

مؤتمر المناخ
وجاءت استضافة مصر لمؤتمر المناخ COP27 بمدينة شرم الشيخ عام 2022 لتمنح ملف الاقتصاد الأخضر دفعة كبيرة، حيث شهد المؤتمر الإعلان عن عدد من الاتفاقيات والمشروعات المتعلقة بالطاقة النظيفة وتمويل المناخ، إلى جانب تسليط الضوء على جهود الدولة في مجالات التنمية المستدامة والتحول الأخضر، ورغم التوسع في هذه المشروعات، إلا أنه ما زالت هناك صعوبات مرتبطة بارتفاع تكلفة التكنولوجيا الحديثة، والحاجة إلى زيادة الاستثمارات المحلية في القطاعات الخضراء، إلى جانب أهمية رفع الوعي المجتمعي بترشيد استهلاك الموارد وتقليل التلوث.
كما يتطلب التحول نحو الاقتصاد الأخضر تطوير البنية التحتية وتوسيع استخدام التكنولوجيا الحديثة في مجالات الصناعة والطاقة والزراعة والنقل، بما يضمن تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية وتقليل التأثيرات البيئية، ودائمًا ما يتم الرهان على الاقتصاد الأخضر باعتباره فرصة لتحقيق التنمية وخلق فرص عمل جديدة، خاصة مع التوجه العالمي نحو تقليل الانبعاثات والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، كما تسعى مصر إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي وقدراتها الطبيعية في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يعزز قدرتها على جذب الاستثمارات وتحويلها إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، ومع استمرار التغيرات الاقتصادية والمناخية عالميًا، أصبح الاقتصاد الأخضر أحد الملفات الرئيسية في خطط التنمية، في ظل السعي إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية، عبر مشروعات تستهدف بناء مستقبل أكثر استدامة وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.




