
راجت حالة من الإحباط المبكر في العديد من مؤسسات المجتمع المدني بمصر، مع بدايات إدارة الحكومة المصرية والبرلمان للمناقشات حول قوانين الأحوال الشخصية، سواء للمصريين المسلمين أو للمسيحيين، وسط مخاوف مما أسمته مصادر حقوقية وسياسية لـ”ليبرالي” بـ”سلق” قوانين الأسرة، رغم صدور نفي متكرر من الحكومة وتأكيدات على إجراء حوار مجتمعي واسع حول القوانين.
ويسود غموض واسع حول قانون صندوق دعم الأسرة، وهو القانون الثالث المفترض مناقشته في الفترة المقبلة، إذ لا يعلم النواب ولا المجتمع المدني عنه أي شيء بعد، فيما أعلنت الحكومة تجهيز مشروع قانون بشأنه دون أن تمرره إلى البرلمان.
وتوقع مصدران، أحدهما نيابي والآخر حقوقي، استمرار التسريع في المناقشات واستيفاء الشكل الرمزي للحوار المجتمعي مع تمرير مشروعات قوانين الأسرة الحكومية، لكن المصدر الحقوقي أكد أن مؤسسته تحاول الوصول إلى صانع القرار لوضع مقترحات مهمة للقوانين أمامه من أجل عدم حجبها عنه أو التشويش عليها، فيما أكد مصدر نيابي من حزب الأغلبية استحالة حدوث ذلك، ودعا الجميع إلى المشاركة والاطمئنان وعدم الالتفات إلى تلك المخاوف.
تحذيرات من تسريع المناقشات
وشهدت جلسة نقاشية للمجلس القومي لحقوق الإنسان، اليوم الأربعاء 6 مايو، نقاشًا واسعًا شارك فيه العديد من الحقوقيين والسياسيين والنواب والإعلاميين، وسط تحذيرات من تسريع مناقشات القوانين في المجلس دون حوار مجتمعي جاد وحقيقي.

ودعا الأكاديمي القانوني جاد نصار، الحكومة والبرلمان، في مداخلته، إلى التريث قليلًا في مناقشة قانون الأسرة باعتباره من أعمق القوانين المصرية التي تمس المجتمع بأسره، فيما أكد السياسي محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان ومؤسس حزب الإصلاح والتنمية، أهمية حدوث توافق عام على قوانين الأسرة قبل صدورها، بعد حوار مجتمعي موسع. جاء ذلك بعد ساعات من بيان أصدره حزبه حذر فيه من تسارع تمرير القوانين في مجلس النواب، وبخاصة قانون الأسرة والموازنة العامة الجديدة للدولة.
“التريث لا يضر”
كان أبرز الانتقادات النيابية للمشاركين من مجلسي النواب والشيوخ، خلال الجلسة، عدم الاطلاع على القانون بعد، وهو ما سجلته النائبة مها عبد الناصر، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي، في مداخلة لها، وكذلك عدم إشراك مجلس الشيوخ في المناقشات في سياق حقه في الأثر التشريعي، وهو ما أشار إليه آخرون من مجلس الشيوخ.

وفي حديثها لـ”ليبرالي”، لا تخفي النائبة مها عبد الناصر وجود مخاوف لديها من خروج قانون لا يرقى إلى مستوى احتياجات الأسرة المصرية ومصلحة الأطفال الفضلى، لكنها تتحفظ على استخدام البعض لمصطلح “سلق القانون”، وتؤكد أنها ونوابًا كثيرين سيواصلون جهودهم تحت القبة من أجل مناقشة موسعة لكل مواد القانون.
وتؤكد النائبة أنها تتبنى رؤية مفادها الدعوة إلى التريث في مناقشة القوانين التي استغرقت أكثر من 15 عامًا في المداولات، مشيرة إلى أن الاستمرار لوقت كافٍ، حتى ولو لمدة عام إضافي، في الحوار المجتمعي لا يضر، حتى يتم الاستماع إلى كل الآراء.
إحباط كبير
في هذا السياق، يسود إحباط أكبر وسط مؤسسات المجتمع الحقوقية النسوية، على وجه التحديد، جراء ما يحدث في بدايات مناقشات القوانين، والتي أدت، بحسب الحقوقية جواهر الطاهر، مسؤولة برنامج الوصول إلى العدالة بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، إلى انتشار مخاوف في الوسط الحقوقي من استبعاد مؤسسات المجتمع المدني العاملة في هذا المجال منذ أكثر من عقد، والتي لديها مشروعات قوانين جاهزة نابعة من واقع معاناة المصريين.

وتعرب جواهر، في حديثها لـ”ليبرالي”، عن إحباطها من التسارع المفاجئ في تحضير قانون الأسرة وبدء الحوار في البرلمان بغير المعنيين والمتخصصين، رغم فرض السرية على إجراءات تحضير القوانين ومناقشاتها، مؤكدة أنها لاحظت، عقب صدور توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتحريك قانون الأحوال الشخصية، وجود سرعة كبيرة في الدفع بالقانون، وهو ما تخشى استمراره حتى صدور القانون، بجانب وجود جزر منعزلة في صياغة القوانين، مما يؤدي إلى تضاربها.
وتشدد جواهر على ضرورة سماع صوت المجتمع المدني والاستجابة لمطالبه النابعة من مطالب حقوقية موجودة في الشارع المصري، مشيرة إلى أن مؤسسة قضايا المرأة المصرية تعكف على صياغة رد شامل على القوانين المقدمة إلى البرلمان.
مشهد غير مستغرب
وترى الحقوقية البارزة نيفين عبيد، المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، في حديثها لـ”ليبرالي”، أن المشهد أبعد مما يتردد عن إحباط المجتمع المدني مما يحدث في المناقشات الأولية، موضحة أن المجتمع المدني مستبعد بالأساس منذ سنوات، سواء المؤسسات الحقوقية أو الحزبية، مع إصرار المؤسسات الحقوقية المستقلة على الوقوف على يسار السلطة والاحتفاظ برؤية نقدية للسياسات ومناقشتها بشكل معمق ومتخصص.

وتشير إلى أن الاستبعاد لا يطول المنظمات الحقوقية فحسب، بل يمتد إلى الأحزاب السياسية، قائلة: “المؤسسات الحقوقية والأحزاب والبرلمان يواجهون استبعادًا من المناقشات الجادة من أجل تمرير رأي واحد”، وبناء عليه تصل إلى قناعة بأن الأمر غير مستغرب في ظل تحكم سياسات معينة يُراد تمريرها فحسب دون نقاش جاد ومؤثر.
وتضيف نيفين عبيد أن الأمر لا يمكن اختصاره في قصة الإحباط المبكر، مع تجاهل أن الأزمة الحقيقية تكمن في وجود مناخ سياسي غير مرحب بالحوار المجتمعي الحقيقي.
طمأنة وتعهد
“اطمئنوا”.. بهذه العبارة بدأت النائبة عبلة الهواري، عضوة مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، حديثها لـ”ليبرالي”، مؤكدة استحالة حدوث تسريع في مناقشات القوانين، فيما شددت على أنه سيتم الاستماع إلى جميع المعنيين في مجلس النواب خلال الفترة المقبلة.

وتشير الهواري إلى أن مسودة القانون ذهبت إلى اللجان الفرعية ولم تصل إلى النواب بعد، لكن من المفترض دعوة جميع المتخصصين، سواء من علماء الاجتماع والنفس أو مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، للاستماع إليهم، مشددة على أهمية عدم التعجل في إصدار الأحكام على مشروع القانون.
وشددت على حرص حزب الأغلبية على إجراء حوار مجتمعي واسع حول مشروعات قوانين الأسرة، فيما طالبت الجميع بالاستعداد للمشاركة في النقاش.
من جانبه، أشار رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن الحكومة عملت خلال الفترة الماضية، بمشاركة عدد كبير من الخبراء، على إعداد مسودات جديدة راعت الملاحظات التي أثيرت خلال المراحل السابقة، بهدف الوصول إلى صياغة أكثر توازنًا وعدالة، فيما أكد أن الحكومة منفتحة على أي تعديلات قد يراها البرلمان مناسبة.
وأوضح أن خطاب الإحالة الوزاري إلى رئيس مجلس النواب تضمن توصية بتشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة والبرلمان تتولى الصياغة النهائية لمشروعي القانونين، بما يضمن استيعاب مختلف الشواغل المجتمعية.




