
تُقدم ليبرالي نشرة بين البحر والسماء كتحليل يعتمد على تتبع شبه لحظي لحركة السفن والطائرات عبر أنظمة الملاحة المفتوحة ” OSINT “، لرصد المشهدين البحري والجوي عالميًا.
ترصد النشرة تحركات السفن وناقلات النفط وحركة الطيران، مع تحليل سريع لأنماط الحركة وربطها بالتطورات الاقتصادية والسياسية والأمنية في المناطق الحيوية.وتقدم “ليبرالي” ملفًا خاصًا لمضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
نقطة ضغط استراتيجية عالمية
يُعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات المائية في العالم لنقل النفط، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية. وفي هذا السياق، أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن شركة TankerTrackers وجود تكدس لعدد من ناقلات النفط الإيرانية قرب ميناء تشابهار، نتيجة القيود والحصار المفروض على حركة الملاحة المرتبطة بإيران.
وبحسب البيانات، فإن بعض السفن اضطرت للعودة إلى الموانئ الإيرانية بعد منعها من الإبحار، ما يعكس تأثير العقوبات والقيود المفروضة على حركة النفط في المنطقة.
أظهرت بيانات تتبع السفن، اليوم الاثنين، أن ست ناقلات نفط إيرانية اضطرت مؤخرًا إلى العودة إلى إيران، نتيجة القيود والحصار الأمريكي المفروض، ما يعكس حجم التأثير الذي تفرضه التوترات المرتبطة بإيران على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لصادرات النفط العالمية، بحسب ما أفادت وكالة رويترز.
وقبل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، كان ما بين 125 و140 سفينة تعبر المضيق يوميًا، إلا أن العدد تراجع بشكل حاد، حيث لم تعبر سوى سبع سفن خلال اليوم الماضي، وفقًا لبيانات تتبع السفن الصادرة عن شركة كبلر وتحليلات الأقمار الصناعية من شركة سينماكس، دون أن تحمل أي منها نفطًا متجهًا إلى الأسواق العالمية.
وأشارت البيانات أيضًا إلى أن من بين هذه السفن سفينة الشحن الجاف “بافاند” التي ترفع العلم الإيراني، والتي انطلقت من أحد الموانئ الإيرانية، إلى جانب سفن أخرى غادرت من موانئ عراقية.
كما أظهرت التحليلات أن عدد السفن العابرة لمضيق هرمز تراجع بشكل ملحوظ مقارنة بالوضع الطبيعي، حيث انخفضت الحركة اليومية من أكثر من مئة سفينة إلى أعداد محدودة للغاية في بعض الأيام، وهو ما يعكس حالة التوتر في الممر الملاحي الأهم عالميًا للطاقة.
وهم الاختفاء في عصر المراقبة الرقمية
قالت شركة Cydome المتخصصة في الأمن السيبراني البحري أن لجوء بعض مالكي السفن إلى تعطيل نظام التتبع الآلي AIS أثناء عبور المناطق الحساسة مثل مضيق هرمز، لم يعد يوفر الحماية المتوقعة، بل قد يمنح “شعورًا زائفًا بالأمان”.
وأوضحت الشركة أن هذا الإجراء الذي يُستخدم تقليديًا لتقليل احتمالات الرصد في المناطق عالية الخطورة، لم يعد كافيًا في ظل تطور أنظمة المراقبة الرقمية والأقمار الصناعية، حيث أصبحت السفن قابلة للتتبع عبر وسائل بديلة حتى عند إيقاف النظام الأساسي.
بصمة رقمية لا يمكن إخفاؤها
تشير الدراسات الحديثة التي نشرتها الشركة إلى أن تعطيل نظام AIS لا يعني اختفاء السفينة فعليًا من أنظمة التتبع، إذ يمكن رصدها عبر اتصالات الأقمار الصناعية مثل VSAT، والتي تُستخدم في التواصل وإدارة العمليات على متن السفن.
وتوضح Cydome أن العديد من أنظمة VSAT في منطقة الخليج، خصوصًا حول مضيق هرمز، قد تكون مكشوفة أو تعمل بإعدادات افتراضية، مما يخلق ثغرة أمنية خطيرة. هذه الثغرة لا تقتصر على كشف الموقع الجغرافي فقط، بل قد تمتد إلى إمكانية الوصول إلى أنظمة تشغيل السفينة نفسها، وهو ما يرفع مستوى التهديد من مجرد تتبع إلى احتمالية التأثير على وظائف حيوية داخل السفينة.
وتحذر الشركة من أن الطاقم قد يعتقد أنه أصبح خارج نطاق الرصد، بينما في الواقع تظل “البصمة الرقمية” للسفينة نشطة ويمكن استغلالها من جهات معادية.
من التتبع التقليدي إلى الحرب الرقمية على الملاحة
لطالما كان تعطيل نظام AIS يُنظر إليه كإجراء دفاعي في أوقات التوتر البحري، لكنه اليوم لم يعد كافيًا في ظل التحول الكبير نحو أنظمة الملاحة الذكية والمترابطة.
فالسفن الحديثة أصبحت تعتمد على شبكات رقمية متكاملة تربط بين أنظمة الاتصال، الملاحة، وإدارة التشغيل، ما يجعلها عرضة لأنماط جديدة من التتبع والهجمات السيبرانية. وبذلك لم يعد التهديد مقتصرًا على الرصد الجغرافي، بل امتد ليشمل البنية الرقمية الكاملة للسفينة.
وتشير Cydome إلى أن هذا الترابط بين الأنظمة قد يفتح المجال أمام مخاطر أكبر مما كان متوقعًا، خصوصًا إذا لم تُؤمَّن هذه الشبكات بشكل صحيح.
الأمن البحري والمستقبل الرقمي
تكشف هذه التطورات أن أمن الملاحة البحرية لم يعد يعتمد فقط على الحركة الفيزيائية للسفن، بل أصبح مرتبطًا بالبنية الرقمية التي تديرها. فكل محاولة لإخفاء موقع السفينة قد تقابلها قدرة تقنية أعلى على كشفها من مصادر متعددة.



