من استغاثة المصريين على متن “يوريكا” إلى تحالف القراصنة.. هل يعود كابوس القرصنة البحرية؟

3.5 مليون دولار فدية..”يوريكا” تفتح ملف القرصنة المعقد في البحر الأحمر
 

في استغاثة مؤثرة تصدرت منصات التواصل الاجتماعي، خلال الساعات الماضية، كشفت سيدة مصرية عن تعرض ناقلة النفط “يوريكا”، للاختطاف قبالة السواحل اليمنية، مؤكدة أن زوجها ضمن طاقم السفينة المحتجز لدى قراصنة صوماليين، وسط مخاوف متزايدة من وجود صلات بين منفذي العملية ومليشيا الحوثي.

وقع الحادث في مطلع شهر مايو الجاري، ليعيد ملف القرصنة البحرية إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة بملامح أكثر تعقيدًا، بعدما تحول البحارة المصريون إلى رهائن داخل واحدة من أخطر بؤر التوتر البحري في العالم، في مشهد يعكس عودة تهديدات البحر الأحمر وخليج عدن، وسط تصاعد التداخل بين القراصنة وشبكات التهريب والجماعات المسلحة.

 3.5 مليون دولار مقابل الحرية..البحارة المصريون رهائن في عرض البحر

كشفت زوجة المهندس المصري محد راضي عبد المنعم المحسب، أحد أفراد الطاقم، أن الاتصال انقطع بالمحتجزين منذ وقوع الحادث، مؤكدة بأن الشركة المالكة للسفينة لم تتحرك بصورة فعالة، وترفض دفع الفدية المطلوبة، والتي بلغت 3.5 مليون دولار، مقابل الإفراج عن السفينة وطاقمها، وفق ما نقلته الأسرة.

وضمت قائمة المصريين المحتجزين 8 بحارة ومهندسين وفنيين، بينهم محمود جلال الميكاوي، ومؤمن أكرم أمين، وسامح الدسوقي، ومحمد أحمد عبد الله، وآخرون، لتتحول القضية سريعًا إلى حالة قلق إنساني داخل مصر.

ومن جانبها أعلنت مصر في بيان صادر عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج اليوم عن انه بخصوص حادث اختطاف ناقلة النفط M/T Eureka من المياه الإقليمية اليمنية واقتيادها إلى المياه الإقليمية للصومال بالقرب من إقليم بونت لاند.

وقد ذكر البيان ان الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج ابلغ السفارة المصرية في مقديشيو بمتابعة أوضاع البحارة الثمانية المصريين المتواجدين على متن السفينة، وتقديم كل أشكال الدعم والمساندة لهم، والعمل على سرعة الافراج عنهم، والتواصل على أعلى مستوى مع السلطات الصومالية لضمان أمن وسلامة البحارة المصريين.

القراصنة شبكات مصالح تستغل الفوضى الإقليمية لتحقيق مكاسب مالية

وفي هذا السياق كشف مسؤول صومالي حكومي رفض ذكر إسمه، أن هذه القراصنة تعمل في الأساس كشبكات مصالح مسلحة لا ترتبط بدافع واحد، مشيرًا إلى أنها تستغل تدهور الأوضاع الأمنية في بعض مناطق القرن الأفريقي واليمن لتحقيق مكاسب مالية عبر الفدية.

وأضاف المصدر في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي نيوز”، أن تزايد نشاط القراصنة خلال السنوات الأخيرة جاء في ظل تعقيدات إقليمية متشابكة، من بينها تصاعد العمليات العسكرية في البحر الأحمر، وتنامي نفوذ جماعات مسلحة ، إلى جانب التحولات السياسية في بعض الملفات الإقليمية الحساسة، معتبرًا أن كل ذلك خلق بيئة خصبة لعودة أنشطة غير قانونية في الممرات البحرية.

وأشار إلي أن بعض التقديرات تربط بين هذا النشاط ومحاولات أطراف مختلفة، استغلال حالة التوتر الإقليمي والدولي،  خاصة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية الإسرائيلية، وهو ما يجعل البحر الأحمر وخليج عدن ساحة مفتوحة لتداخل المصالح والصراعات غير المباشرة.

“يوريكا” تعيد طرح سيناريو التحالفات الخفية بين القراصنة والجماعات المسلحة في البحر الأحمر

لكن خلف هذا المشهد الإنساني، تتكشف ملامح أزمة أكبر تتجاوز مجرد عملية اختطاف تقليدية، فحادثة “يوريكا”، تعيد طرح سؤال قديم يعود اليوم بصورة أكثر خطورة: هل تعود القرصنة الصومالية مجددًا، ولكن هذه المرة بتحالفات إقليمية مع جماعات مسلحة مثل الحوثيين؟

لم يعد البحر الأحمر وخليج عدن مجرد ممرات لعبور النفط والتجارة العالمية، بل تحولاً خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لصراعات تتداخل فيها الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب والقراصنة العائدون من ظلال الماضي، فاختطاف “يوريكا” قبالة السواحل اليمنية فجر مخاوف متزايدة من عودة القرصنة الصومالية، لكن بثوب جديد يمتد إلى جماعة الحوثي المدعومة من إيران.

من حماية الصيد إلى اقتصاد الجريمة

تبدو صورة القرصنة على السواحل الصومالية أقرب إلى النشاط التقليدي منها إلى ظاهرة طارئة، فمع انهيار الدولة الصومالية مطلع التسعينيات، بدأت سفن أجنبية في ممارسة الصيد غير القانوني داخل المياه الإقليمية الصومالية، مستنزفة  الثروة السمكية ومهددة أرزاق الصيادين المحليين.

في البداية ظهرت مجموعات مسلحة من البحارة الصوماليين، بهدف ردع سفن الصيد الأجنبية وحماية أسراب التونة والحياة البحرية، لكن هذه المجموعات سرعان ما تحولت إلى عصابات منظمة تمارس الخطف وفرض الفدى، مستفيدة من غياب الدولة والفقر المدقع.

وبحلول عام 2011، بلغت القرصنة الصومالية ذروتها بمعدل 237 هجومًا خلال عام واحد، في أخطر موجة قرصنة شهدها العالم الحديث، وتوسعت العمليات من خليج عدن إلى عمق المحيط الهندي، مستهدفة ناقلات النفط وسفن الحاويات واليخوت السياحية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن القراصنة الصوماليين حصلوا بين عامي 2005 و2012 على فدى تراوحت بين 339 و413 مليون دولار، بينما تجاوزت كلفة القرصنة على الاقتصاد العالمي 18 مليار دولار سنويًا، نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والحماية البحرية.

مدن القراصنة..الثراء السريع والانهيار

خلال سنوات ازدهار القرصنة، تبدلت ملامح مدن ساحلية مثل “إيل وغاروي وجاراد”، بعدما تدفقت إليها ملايين الدولارات الناتجة عن الفدى، ارتفع مستوي المعيشة بصورة لافتة، وظهرت منازل فاخرة وسيارات  حديثة في مناطق كانت تعاني الفقر الشديد.

لكن هذا الثراء لم يدم طويلاً، فمع إطلاق عملية “أتلانتا” الأوروبية، وتشكيل قوات بحرية دولية لمكافحة القرصنة، تراجعت الهجمات بصورة حادة، قبل أن تعود تدريجيًا خلال العامين الأخيرين.

الحوثيون والقراصنة.. تحالف مصالح

التحول الأخطر اليوم يتمثل في الحديث عن تعاون بين القراصنة الصوماليين والحوثيين، تقارير أمنية غربية، بينها تقديرات لشركة “سي هوك ماريتايم إنتليجنس”، حذرت من توسع هذه العلاقات، معتبرة أن الطرفين يحققان مكاسب متبادلة.

فالحوثيون، وفق هذه التقارير، يستفيدون من القراصنة في تهريب النفط والأسلحة وجمع المعلومات الاستخباراتية عن السفن، بينما يحصل القراصنة على تمويل وتسليح أكثر تطورًا.

كما وثقت تقارير أممية زيادة عمليات تهريب السلاح بين اليمن والصومال، مع اتهامات بوجود شبكات تنسيق تضم الحوثيين وحركة الشباب الصومالية وبعض مجموعات القرصنة.