إطفاء عيون وكسر أقلام.. الصحافة السودانية تدفع ثمن الحرب بأروح 26 قتيلا

رصدت “ليبرالي” مقتل ما يقرب 26 صحفيا سودانيا، واعتقال 20 آخرين خلال الصراع المتفجر ، في وقائع تنسب إلى قوات الدعم السريع، ضمن نمط متكرر من استهداف الكلمة ومحاصرة الحقيقة.

ويتزامن هذا المشهد المأساوي مع إحياء العالم لـ” اليوم العالمي لحرية الصحافة”، مساء في 3 مايو 2026، وهي مناسبة يفُترض أن تُكرّس لحماية الكلمة الحرة وتعزيز سلامة الصحفيين، لكنها تأتي هذا العام مثقلة بأسئلة قاسية تفرضها ساحات النزاع.

هذه الخسائر لا تعني فقدان أرواح بريئة، بل تمثل إطفاء عيون كانت ترصد، وأقلام كانت تكتب وشهاداتٍ كان يمكن أن تغيّر مجرى الفهم الدولى لما يحدث على الأرض، كل صحفي سقط كان يحمل قصة، وكل معتقل يعيش اليوم في عزلة قسرية، يحرم فيها من أبسط حقوقه، ويمنع من أداء دوره في نقل الواقع.

تضييق ممنهج ومساحة صمت تتسع

إن ما يجري لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من التضييق على حرية الصحافة، حيث تتحول المعلومة إلى ساحة صراع، ويُدفع الصحفيون إلى خطوط المواجهة دون حماية، وبين القتل والاعتقال، تتسع فجوة الصمت، ويصبح العالم أقل قدرة على رؤية الحقيقة كما هي.

يبقى السؤال الأثقل: كم من القصص لم تُروَ بعد؟ وكم من الحقائق دُفنت مع أصحابها؟ في زمن الحرب، لا تكون الخسارة فقط في الأرواح، بل في غياب الشهادة، حين يصبح الصمت هو الرواية الوحيدة المتبقية.

محمد الفانح: دمار ممنهج للمؤسسات وصمود رغم المخاطر

في هذا السياق، أكد الكاتب الصحفي محمد الفاتح، نائب رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، أن الاحتفال  بحرية الصحافة يأتي هذا العام في ظل أوضاع استثنائية تمر بها الصحافة السودانية، جراء الدمار الممنهج الذي قامت به المليشيا المتمردة للمؤسسات الصحفية والإعلامية بالبلاد .

وأشاد الفاتح،  بصمود الصحفيين السودانيين، رغم هذه الظروف، مؤكداً أنهم واصلوا أداء رسالتهم عبر منصات بديلة، موثقين الانتهاكات المليشيا ومتمسكين بالمهنية، رغم المخاطر وشح الإمكانات.

وقال نائب رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين لـ”ليبرالي”، إن الصحافة السودانية، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 120 عاماً، واجهت تحديات نتيجة للدمار الممنهج الذى قامت به المليشيا المتمردة، مؤكداً أن قطاع الصحافة والاعلام كان هدفا لدمار ممنهج الذي طالت المؤسسات، وأن المليشيا  تهدف طمس صوت السودان وحجب الحقائق عن الرأي العام.

وكشف الفاتح عن تعرض الصحفيين لانتهاكات جسيمة من قبل المليشيا، “شملت استشهاد (26) صحفياً جراء القصف والاستهداف المباشر، كما قامت كذلك بالاعتداء على مقار المؤسسات الإعلامية، ونهب وتدمير أجهزة البث والمعدات، وتحويل بعض المؤسسات إلى ثكنات عسكرية.”

استهداف مباشر للصحفيين وملاحقة داخل المنازل

وقال الكاتب الصحفي صلاح عمر الشيخ، الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، إن العالم لم يلتفت بما يكفي إلى أزمة الصحفيين في السودان وعمليات الاغتيال المستمرة التي يتعرضون لها منذ اندلاع الحرب.

وأوضح عمر، أن اليوم الأول للحرب شهد استهدافًا مباشرًا للمؤسسات الإعلامية والصحفيين، إلى جانب تدمير ممنهج طال المؤسسات الصحفية واختفاء الممتلكات، وإتلاف الأرشيف والمكتبات والأجهزة الإلكترونية، في محاولة لطمس الذاكرة الإعلامية بالكامل.

وأضاف الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين، أن البداية كانت باختفاء المؤسسات الصحفية، قبل أن يمتد الاستهداف إلى الصحفيين داخل منازلهم، حيث أصبح كل من يحمل هوية صحفية عرضه للاعتقال أو القتل، خاصة خلال سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الخرطوم، ما اضطر كثيرين إلى إخفاء هويتهم المهنية خوفًا من الملاحقة.

وأشار الكاتب الصحفي صلاح عمر الشيخ، الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين، إلى أن عقلية الدعم السريع تقوم على اعتبار أي صحفي متواطئًا مع الجيش، وهو ما أدى إلى استهداف واسع للصحفيين، سواء من الشباب أو أصحاب الخبرات، خلال سنوات الحرب، لافتًا إلى أن أي منطقة تقع تحت سيطرة هذه القوات تشهد حملات بحث وملاحقة للصحفيين.

معتقلون ومفقودون

وأكد أن الاتحاد وثق مقتل 26 صحفيًا حتى الآن، مع وجود مخاوف من ارتفاع العدد، في ظل وجود عدد كبير من الصحفيين المفقودين الذين لا يُعرف مصيرهم حتي اللحظة.

كما كشف الكاتب الصحفي صلاح عمر الشيخ، عن رصد نحو  20 صحفيًا محتجزين، بعضهم في مناطق مثل درافور، مشيرًا إلي أن أوضاع السجون شديدة القسوة وغير إنسانية وتشهد انتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة، في ظروف لا تصلح للحياة الآدمية، مضيفًا بأن  الحرب أدت إلى نزوح عدد كبير من الصحفيين، خاصة خلال أزمة الفاشر، حيث فرّ بعضهم إلى تشاد ودول مجاورة، فيما لا يزال آخرون رهن الاحتجاز في سجون نيالا، من بينهم الصحفي إبراهيم الأشهر.

وشدد على أن ما يحدث يُعد سابقة خطيرة، إذ تُستهدف الصحافة بشكل مباشر في هذه الحرب، مطالبًا المجتمع الدولي بكسر حالة الصمت، والالتفات إلى ما وصفه بـ”الحرب المنسية” في السودان.

ودعا الشيخ المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان، إلى رصد وتوثيق الانتهاكات، والعمل على الضغط من أجل إطلاق سراح المحتجزين، وتحسين أوضاعهم داخل أماكن الاحتجاز.

وشدد لـ”ليبرالي”، على ضرورة تحرك دولي وإقليمي عاجل لحماية الصحفيين السودانيين، وضمان حقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، مؤكدًا استمرار الاتحاد في رفع هذه القضايا إلى المحافل الدولية المعنية.