قمة “النسر” و”التنين”.. الملاحة في هرمز والحروب التجارية وتايوان قضايا يحسمها لقاء “ترامب” و”شي”

تأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التاريخية إلى الصين المقررة في الفترة من 14 إلى 15 مايو الجاري، في وقت تُعطل فيه الحرب الإيرانية إمدادات الطاقة العالمية، وتؤجج حالة عدم اليقين الاقتصادي، وتضيف مزيدًا من التوتر إلى العلاقات بين التنيين الصيني، والنسر الأمريكي.
وتعد تلك الزيارة خطوة متواضعة نسبيًا نحو مزيد من الاستقرار والقدرة على التنبؤ لأهم علاقة ثنائية في العالم، وهي أول زيارة رئاسية أمريكية إلى الصين منذ ما يقارب التسع سنوات، مقرر فيها أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونطيره الصني شي جين بينج، والذي تسعى بلده من خلالها إلى تعزيز مكانتها العالمية ونجاحها في الصمود أمام ضغوط واشنطن عليها.

وتواجه العلاقات “الصينيةـ الأمريكية” تحديًا وتعقيدًا، في عدة قضايا، وعلى رأسها الحرب التجارية، وفرض رسوم على المنتجات الصينية، وكذلك موقف الحرب من إيران وفتح مضيق هرمز، بالإضافة لجزيرة تايوان، وتشعر الصين بالثقة الكافية لمواجهة “ترامب” في هذه القضايا، بما في ذلك العقوبات وحرب الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة وإيران.

وتظهر زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الأخيرة إلى بكين، إلى أن بكين تهيئ نفسها على أنها قد تدخلت مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، كما يتشارك كلاً من الرئيسين “ترامب” و”شي” في هدف مشترك وهو إبراز مهارتهما في إدارة علاقاتهما الثنائية، كما يتوقع الإعلان عن زيارة عودة للرئيس “شي” إلى الولايات المتحدة في الخريف.

ومن المتوقع أن يحضر “ترامب” اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك ـ APEC” إلى شنتشن بالصين في نوفمبر المقبل، وأن يحضر “شي” قمة مجموعة العشرين في مياني نهاية العام الجاري.

وعندما طُرحت فكرة قمة الأسبوع المقبل بين “ترامب”و”شي” والتي كان مقررًا لها في مارس الماضي، وأُجلت بسبب الحرب الإيرانية، كان “ترامب” يتمتع بنفوذ نسبي، بينما كان “شي” يحافظ على ثباته في مواجهة نظيره المُندفع، وبعد ستة أشهر، يتوجه “ترامب” إلى بكين وقد تراجع نفوذه السياسي، وتجاوزت قدراته العسكرية طاقته، ويبدو أن مبدأ “عدم القتال” سيكون مبدأ سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين، بينما تنتهج الصين مبدأ “الضبط الاستراتيجي”.

أهداف الولايات المتحدة الأمريكية
ومن هنا تبرز عدة تساؤلات عن زيارة ترامب للصين، وعلى رأسها ما الذي ترغب الولايات المتحدة في تحقيقه من القمة بين الزعيمين، ففي الجانب الاقتصادي، يريد “ترامب” أن يظهر أن علاقته مع “شي” قادرة على تحقيق فوائد اقتصادية ملموسة للولايات المتحدة، حيث ترغب إدارة “ترامب” في إظهار أنها حققت العدالة والمعاملة بالمثل في العلاقات الاقتصادية مع الصين، والتي لطالما جادل “ترامب” في أنها تصب في مصلحة بكين، وستشمل تحركات “ترامب” الحصول على التزام الصين بشراء كميات كبيرة من السلع والخدمات الأمريكية، والتركيز على القطاعات التي لها أثر إيجابي على قطاعات أمريكية على رأسها الزراعة.

كما سيحاول “ترامب” إنشاء مجلس تجاري يشمل مسئولين رفيعي المستوى من البلدين للإشراف على وفاء الصين بالتزاماتها، وإظهار أن تلك المرة تختلف عن سابقتها في العام 2020، حيث لم تلتزم بكين بالتزاماتها الشرائية بموجب اتفاقية المرحلة الأولى التجارية للعام 2020.

وستسعى واشنطن إلى زيادة إمدادتها من العناصر الأرضية النادرة من الصين، وذلك وفقًا لما قد تم الاتفاق عليه في اجتماع “ترامب” و”شي” في “بوسان” العام الماضي، كما سيعمل “ترامب” على على تعزيز التعاون مع الصين حول منع تصدير المواد الأولية للفنتنايل “مخدر صناعي قوي ينتمي إلى فئة الأفيونات صُمم في الأصل لتسكين الآلام الشديدة خاصة لمرضى السرطان وبعد العمليات الكبرى، لكنه تحول في السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر أسباب الوفاة الناتجة عن الجرعات الزائدة عالميًا بسبب سوء استخدامه”.

أما على الجانب الأمني فتريد واشنطن الحصول على دعم بكين لإنهاء النزاع مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، وكذلك الحصول على ضمان دعم بكين لاتفاقية قابلة للتطبيق بين روسيا وأوكرانيا، رغم معرفة واشنطن السابقة بميل بكين للمعسكر الروسي، وقد يطلب “ترامب” أيضًا واسطة بكين إعادة فتح العلاقات مع كوريا الشمالية.

أهداف الصين
وعلى الجانب الصيني، فنجد أنها ترغب في تحقيق الهدف من القمة، وعلى رأسها الجانب الاقتصادي، حيث تولي الصين أولوية قصوى لتحقيق استقرار أكبر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بالقدرة على التنبؤ بالتعريفات الجمركية، وتأمل بكين من تحقيق مستوى من التفاهم بين القادة ينجح في تهميش الأصوات التي تفضل الاتجاه نحو المزيد من التنافس بين البلدين داخل إدارة “ترامب”.

وتسعى بكين لإظهار نجاحها في نهجها القائم بالمعاملة بالمثل مع إدارة التصعيد فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية لإدراة “ترامب”، واستخدامها ملف المعادن النادرة، واستعدادها للتخفيض في حالة أن اختارت الإدارة الأمريكية ذلك، وتسعى بكين إلى تخفيف القيود الأمريكية على صادرات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وغيرها من قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، ورفع العقوبات عن مئات الشركات.

كما تسعى بكين لإنشاء “مجلس استثمار” يضاهي “مجلس التجارة”، الذي اقترحه الممثل التجاري الأمريكي، جيمسون جرير، مع مسئولين صينيين في باريس مارس الماضي، والذي من خلاله يُحدد ما يجب على بكين شراؤه من واشنطن وما على واشنطن أن تشتريه من بكين، والتوصل إلى اتفاق بشأن ضرورة خفض الحواجز أمام الاستثمار في الولايات المتحدة، وهو ما تدري بكين جيدًا أنه قد يكون بعيد المنال في الوقت الراهن.

وعلى الجانب الأمني تسعى الصين إلى تجنب الظهور بمظهر أنها تساند الولايات المتحدة، على الرغم من سعيها للوصول إلى حل بشأن مضيق هرمز، وعلى الرغم من المخزونات الضخمة من النفط التي تمتلكها الصين والإمدادات الهائلة من الفحم، وريادتها في مجال الطاقة المتجددة، والتي حمتها من تأثير الموجة الأولى لإغلاق المضيق، إلا أنه إذا استمر إغلاق المضيق ستعاني الصين بشكل مباشر من ارتفاع تكاليف الطاقة، والذي من شأنه أن يقلل الطلب في العديد من أسواق التصدير حول العالم والتي شكلت ركيزة الاقتصاد الصيني في العام 2025.

كما سيؤكد “شي” على قلق الصين تجاه ملف تايوان، وسيسعى للحصول على موافقة صريحة من الولايات المتحدة بتقييد مبيعات الأسلحة لتايوان مقابل علاقة أكثر استقرارًا، أو الدفع باتجاه تغيير الصياغة الأمريكية المتبعة مع تايوان منذ عقود، والذي سيصور على أنه انتصار للجانب الصيني، وإن تحقق استمرار الاجتماعات على مستوى القادة، من شأنه أن يحفز الولايات المتحدة على عدم إثارة غضب الصين بشأن تايوان.

موقف حلفاء أمريكا 
تراقب دول منطقة الإندوـ باسيفكا أو دول منطقة المحيطين الهندي والهادي النبرة العامة للزيارة، وما ستتمخض عنه من اتفاقيات بشأن التجارة أو التكنولوجيا وضوابط التصدير وإيران، وتأمل حكومات منطقة الإندوـباسيفك في علاقة جيدة أو مثالية بما يكفي لتجنب الصراع في المنطقة، أو الضغط بوجوب التحيز نحو طرف منهما.

وعلى الجانب الاقتصادي، تسعى دول منطقة الإندوـ باسيفك إلى التوصل لصيغة تعايش يخفف فيها التوتر وعدم اليقين خصوصًا فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية وسلاسل إمداد المعادن النادرة، وعلى الرغم من كل ذلك التوتر، استفادت دول جنوب شرق آسيا من المنافسة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، والتي ظهرت جليًا في الاستثمارات الضخمة والقفزة في الصادرات للولايات المتحدة في العام 2018، وسيتم التركيز على ما يصدر في البيانات المنفصلة للبلدين فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي، والبحر الأصفر، ورابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” ومؤشرات بشأن حل أزمة مضيق هرمز.

وفي الجانب الأمني بالنسبة دول تلك المنطقة، تشعر كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان بالقلق إزاء احتمال أن تقدم إدارة “ترامب” تنازلات في قضايا تعتبرها تلك الدول حيوية، سعيًا منها للحصول على دعم الصين فيما يتعلق بإيران.

 موقف تايوان
كما تشعر تايوان بالقلق قبل القمم الأمريكية الصينية، خشية أن يتم التضحية بها من قبل الولايات المتحدة في سبيل مصالحها في القضايا محل الخلاف، لذا ستراقب تايبيه عن كثب أي تغيير يطرأ بشأن كيف ستصف الولايات المتحدة وضع تايوان، هل سينجح “شي” في إقناع “ترامب” بدعم الوحدة السلمية أو أن واشنطن “تعارض” استقلال تايوان بدلاً من “لا تدعمه”، خصوصًا بعد تصريح “ترامب” في فبراير 2026 بأنه ناقش مبيعات الأسلحة إلى تايوان في مكالمة هاتفية بين قادة الصين والولايات المتحدة.

كما تخشي تايبيه من التفاوض حول تقويض أحد “الضمانات الست” للرئيس ريغان، إذا ما تم النقاش بين “شي” و”ترامب” حول مبيعات الأسلحة إلى تايوان، كما أنها تخشي من العلاقة بين “ترامب” و”شي” ستؤدي إلى تراجع الدعم الأمريكي لتايبيه في مجالات الأمن والتجارة، وجهود تايوان في الحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية الرسمية وغير الرسمية.

ليس من المتوقع للقمة أن تحل القضايا الهيكلية الرئيسية ذات الخلاف، كالنموذج الاقتصادي الصيني القائم على التجارة، أو مخططاته لضم تايوان، أو العلاقات الثنائية مع من تعتبرهم الولايات المتحدة خصومها كروسيا وإيران، أو النقاش حول حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، كما أنها لن تغير من نهج العلاقات الصينية الأمريكية على المدى البعيد، فالهدف الآن هو تحقيق الاستقرار لا حل المشكلات العالقة.