٣٠ مليون سائح في مواجهة قصور الطيران.. وخطة بـ٨ مليارات جنيه لتطوير الخدمات

فتح مجلس الشيوخ خلال جلسته اليوم الثلاثاء ملف الطيران المدني والمطارات المصرية على مصراعيه، واضعًا الحكومة أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على تحقيق أحد أهم أهداف الدولة خلال السنوات المقبلة، وهو الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا.

الجلسة، التي حضرها الدكتور سامح الحفني وزير الطيران المدني، لم تقتصر على استعراض أرقام وخطط تطوير، بل تحولت إلى نقاش واسع حول الفجوة بين حجم الإنفاق الحكومي على قطاع الطيران وتجربة المسافر الفعلية داخل المطارات المصرية، في ظل شكاوى متكررة تتعلق بالخدمات، وتأخر الرحلات، وأزمات الحقائب، وارتفاع أسعار التذاكر.

وبينما دافع الوزير عن خطط التطوير وإعادة الهيكلة، جاءت كلمات عدد من أعضاء مجلس الشيوخ لتعكس حالة من القلق البرلماني من أن تتحول مستهدفات السياحة إلى أرقام طموحة تصطدم بعقبات تشغيلية وخدمية على الأرض.

وعكست الجلسة بوضوح وجود اتجاهين داخل النقاش الدائر حول قطاع الطيران المدني؛ الأول يرى أن الدولة حققت بالفعل طفرة كبيرة في البنية التحتية والمطارات والأسطول، والثاني يعتبر أن المواطن والسائح لا يزالان يواجهان مشكلات يومية تجعل نتائج التطوير أقل من التوقعات.

وبين الطموح الحكومي للوصول إلى 30 مليون سائح، والانتقادات المتعلقة بالخدمات والتشغيل والأسعار، بدا واضحًا أن التحدي الحقيقي لم يعد في إنشاء المطارات فقط، وإنما في إدارة تجربة السفر بالكامل، باعتبارها العامل الحاسم في تشكيل صورة مصر أمام العالم.

النائب عن حزب العدل أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أكد أن رؤية استراتيجية شاملة لتطوير قطاع الطيران والمطارات، ترتكز في مقامها الأول على تحويل محيط مطار سفنكس إلى نموذج “المطار المدينة” (Airport City). وأوضح عبد الغني أن هذا التوجه يعتمد على تدشين منطقة تجارة حرة متخصصة في “صناعات السياحة” والخدمات اللوجستية الخفيفة، وهو ما يضمن استدامة الربحية ورفع العوائد الاقتصادية للمطارات حتى في أوقات انخفاض حركة الركاب.

وأكد “عبد الغني” خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس الشيوخ اليوم بحضور وزير الطيران المدني، أن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب “ثورة هيكلية” في أداء مصر للطيران لمواجهة ضغوط الطيران الاقتصادي، وذلك عبر تبني نموذج “الناقل الهجين” (Hybrid Carrier). ويقضي المقترح بإطلاق أجنحة اقتصادية تابعة للشركة الأم بأسعار تنافسية تضمن السيطرة على سوق الـ (Low Cost)، مع التوسع في استخدام عقود “البيع وإعادة الاستئجار” (Sale and Leaseback) لتوفير سيولة فورية تدعم الاستثمار في الرقمنة الشاملة وتطوير العنصر البشري دون تحميل موازنة الدولة أعباءً إضافية.

وشدد أمين سر اللجنة الاقتصادية على ضرورة تحقيق “التكامل الرقمي” عبر منصة موحدة لبيانات الركاب تربط بين المطارات ووزارة السياحة، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتوزيع تدفقات رحلات “الشارتر” ديناميكياً وتجنب التكدس في المطارات الكبرى.

الطيران “معضلة” أمام 30 مليون سائح

رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس الشيوخ محمود مسلم، وصف ملف النقل، وخاصة الطيران، بأنه قضية استراتيجية وضعتها الدولة على رأس أولوياتها خلال السنوات الأخيرة.

وأكد أن قطاع الطيران شهد طفرة تطويرية واضحة، خاصة على مستوى أسطول مصر للطيران، مشيدًا بالعامل البشري المصري من أطقم الطيران والضيافة والمراقبة الجوية، معتبرًا أنه من أفضل العناصر في المنطقة.

لكن مسلم انتقل سريعًا إلى جوهر الأزمة، مؤكدًا أن الحديث عن الوصول إلى 30 مليون سائح لا يمكن فصله عن قدرة قطاع الطيران على استيعاب هذا الرقم، قائلا إن البعض يختزل الأزمة في نقص الغرف الفندقية، بينما تبقى “المعضلة الحقيقية” في توفير رحلات جوية كافية ومنتظمة وبأسعار مناسبة.

وأشار إلى أن تحسين حركة الطيران ينعكس بصورة مباشرة على معدلات السياحة، مستشهدًا بما وصفه بـ”الواقع العملي” الذي أثبت وجود ارتباط عضوي بين تيسير الرحلات الجوية وزيادة التدفقات السياحية.

صداع التاكسي والشيالين

ولم تتوقف انتقادات محمود مسلم عند ملف الرحلات والطاقة التشغيلية، بل امتدت إلى ما وصفه بـ”التفاصيل التي تصنع الانطباع الحقيقي لدى السائح”.

وقال إن مشكلات سائقي التاكسي أمام المطارات لا تزال قائمة رغم الوعود السابقة بحلها، إلى جانب أزمات “الشيالين” وحاملي الحقائب، فضلاً عن تأخر وصول الأمتعة خاصة في الرحلات الداخلية.

من جانبه، قال النائب سيد عبد العال، رئيس حزب التجمع، إن تحقيق مستهدف 30 مليون سائح لا يمكن أن يعتمد على شركة مصر للطيران وحدها، بل يحتاج إلى تعاون واسع مع شركات الطيران المنافسة.

وأضاف أن الأزمة لا ترتبط بالمطارات فقط، وإنما بالبنية الأساسية بشكل عام، سواء فيما يتعلق بالطرق أو الفنادق أو الخدمات السياحية.

وأكد عبد العال أن جذب ملايين السائحين يرتبط في الأساس بطريقة استقبال السائح واحترامه، معتبرًا أن هذه القضية تمثل “ثقافة مجتمع” بقدر ما هي مسؤولية حكومية.

مطالب بتحسين الخدمة لا الاكتفاء بالمباني

النائب تامر عبد الحميد، عضو لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس الشيوخ، اعتبر أن ملف الطيران المدني لم يعد مجرد قطاع اقتصادي متخصص، بل تحول إلى ملف أمن قومي واقتصادي يرتبط بالسياحة والتجارة والاستثمار.

وأشار إلى أن الدولة نجحت في تنفيذ بنية تحتية قوية للمطارات، إلا أن التحدي الحقيقي لا يزال في مستوى الخدمات المقدمة داخل المطارات، مثل تأخر الرحلات ومشكلات استلام الحقائب.

وقال إن المطارات المصرية تمثل “قصة نجاح” من منظور مهني، مع ارتفاع عدد الرحلات بنسبة 21% سنويًا، لكن استكمال هذه الصورة يتطلب الاستثمار بصورة أكبر في العنصر البشري، مؤكدا أن موظف المطار هو أول من يقابل السائح، وبالتالي فإن جودة التدريب والتعامل تمثل جزءًا أساسيًا من تجربة السفر.

كما انتقد ارتفاع أسعار تذاكر الطيران الداخلي، معتبرًا أنه من غير الطبيعي أن يتحمل المواطن تكلفة مرتفعة للتنقل داخل بلده، خاصة مع قرب موسم الصيف.

وطالب كذلك بتحديث أسطول مصر للطيران لتقليل استهلاك الوقود بما ينعكس على أسعار التذاكر، إلى جانب فتح المجال أمام شركات طيران عربية لتقديم أسعار أكثر تنافسية.

بدورها، أكدت النائبة أميرة تادرس أن مصر تمتلك جميع أنواع السياحة، سواء الدينية أو الثقافية أو العلاجية أو الترفيهية، بينما تحقق دول أخرى أرقامًا سياحية أكبر رغم امتلاكها إمكانات أقل بكثير.

وأشارت إلى أن المطارات تترك أثرًا مباشرًا، إيجابيًا أو سلبيًا، في ذهن المسافر، منتقدة طول فترات الانتظار وتأخر الحقائب، فضلًا عن ضعف الخدمات المقدمة لذوي الهمم داخل بعض المطارات.

النائب عصام هلال عفيفي، أشار إلى وجود فجوة واضحة بين حجم الإنفاق الحكومي وتجربة المواطن الفعلية داخل المطارات.

وقال إن التركيز الحالي ينصب على تطوير المباني والواجهات الحديثة، بينما تستمر أزمات التشغيل، مثل الزحام وبطء الإجراءات وتأخر الحقائب وضعف التنظيم. وأكد أن نجاح أي مطار لا يُقاس بشكل المبنى، بل بسرعة الخدمة وكفاءة التشغيل.

ولفت إلى وجود تفاوت كبير بين المطارات المصرية، موضحًا أن مستوى الخدمة في مطار القاهرة يختلف عن بعض المطارات الإقليمية، بما يعكس غياب معايير موحدة للجودة.

كما أثار تساؤلات حول ضعف الاستفادة من بعض المطارات الجديدة، مثل مطار سفنكس الدولي، متسائلًا عن جدوى إنشاء مطارات قبل وجود خطة تشغيل اقتصادية واضحة.

وانتقد بطء التحول الرقمي داخل المطارات، معتبرًا أن استمرار الإجراءات التقليدية يزيد من الاحتكاك الإداري ويضعف تجربة السفر.

وتطرق كذلك إلى ارتفاع أسعار التذاكر مقارنة بمستوى الخدمة، مشيرًا إلى أن المسافرين يقارنون دائمًا بين مصر للطيران وشركات إقليمية كبرى.

وأضاف أن البيروقراطية الإدارية تقلل من مرونة الشركة في اتخاذ القرارات التجارية والتشغيلية، مؤكدًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بالدعم المالي، وإنما بالحاجة إلى إصلاح هيكلي أعمق.

وزير الطيران: الصناعة “هشة” عالميًا

في المقابل، دافع الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، عن سياسات الوزارة، مؤكدًا أن صناعة الطيران تُعد من أكثر الصناعات هشاشة عالميًا، حيث لا تتجاوز عوائد الاستثمار فيها ما بين 2% و4%.

وأوضح أن أي تغير في أسعار الوقود ينعكس بصورة مباشرة على الأرباح، مشيرًا إلى أن فروق أسعار الوقود خلال شهري مارس وأبريل فقط بلغت نحو 53 مليون دولار، بما يعادل قرابة 1.7 مليار جنيه.

وأضاف أن شهر مايو قد يشهد زيادات إضافية تتراوح بين 20 و23 مليون دولار، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل أرباح عام كامل خلال فترة قصيرة.

وأكد الوزير أن المنافسة في قطاع الطيران تعتمد بصورة أساسية على إدارة التكلفة وكفاءة التشغيل، وليس فقط على حجم الإمكانات.

خطة بـ8 مليارات جنيه لتحسين الخدمات

وكشف الحفني عن خطة تطوير بقيمة 8 مليارات جنيه تستهدف تحديث المعدات وتحسين الخدمات داخل المطارات، خاصة أنظمة سير الأمتعة وقياس جودة الخدمة وسرعة وصول الحقائب.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل بالتعاون مع وزارة الداخلية لإعادة تنظيم بعض النقاط الأمنية داخل المطارات بما يساهم في تحسين السيولة المرورية وتقليل زمن الانتظار.

وأكد أن الهدف الأساسي هو تحسين تجربة المسافر المصري والسائح في آن واحد، عبر إزالة نقاط الازدحام الإدارية وتقليل زمن إنهاء الإجراءات.

وفي الملف المالي، أوضح الوزير أن خطة إعادة هيكلة قطاع الطيران تستهدف خفض الخسائر من نحو 33 مليار جنيه إلى 13 مليار جنيه خلال فترة تتراوح بين 4 و6 سنوات، مع العمل لاحقًا على الوصول إلى “تصفير الخسائر” والانطلاق نحو التوسع.

وأشار إلى تنفيذ خطة لإعادة الهيكلة بالتعاون مع مكاتب استشارية عالمية، تضمنت دمج بعض الشركات والأنشطة التابعة لتقليل التكاليف الإدارية والتشغيلية.

كما تحدث عن تطوير شركة الخدمات الأرضية بالشراكة مع شركات عالمية متخصصة، بهدف رفع جودة الخدمات وتحسين كفاءة التشغيل.