تحركات مكثفة لإعداد الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان بمصر

تشهد الساحة الحقوقية بمصر، تحركات مكثفة، استعدادًا لإطلاق “الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان (2026-2031). وخلال الأسابيع الأخيرة، تكثفت اللقاءات الحقوقية التشاورية بمشاركة حكومية وبرلمانية وخبراء وممثلين للمجتمع المدني، بهدف بلورة رؤية جديدة لهذه الاستراتيجية في محاولة لتلافي أي انتقادات وجهت للاستراتيجية الأولى التي أُطلقت عام 2021 لمدة خمس سنوات، والبناء على منجزاتها.

ومن أبرز المطالب وفق مختصين بشأن الاستراتيجية الجديدة، وضع برامج زمنية واضحة ومحددة، إلى جانب وضع آليات فعالة للرقابة والتقييم والمساءلة، لتتحول من مجرد وثيقة شكلية إلى إطار قادر على إحداث أثر ملموس ومستدام في ملف حقوق الإنسان، بجانب التركيز على تعميق الأثر وتحقيق نتائج قابلة للقياس تنعكس على واقع المواطنين.

الجدول الزمني أولوية

من جانبه، يوضح السياسي محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في حديث خاص لـ”ليبرالي” أن أهم ما يستهدفه في الاستراتيجية الجديدة هو إقرار جدول زمني، يتم مراجعة ما يتحقق منه كل 6 شهور أو عام، باعتبارها مسألة غاية في الأهمية حيث تكشف ما تم تنفيذه ومدى التزام الوزارات والمؤسسات وأجهزة الدولة في تنفيذ ما نصت عليه الاستراتيجية.

محمد أنور السادات نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان – فيس بوك

ويضيف السادات أن وجود مقياس للأثر الميداني الذي يحدث على أرض الواقع مسألة مهمة كذلك، مشيراً إلى ضرورة تغطية الاستراتيجية الجديدة قضايا لم يكن منصوصاً عليها في النسخة الأولى مثل الذكاء الاصطناعي، ورجال الأعمال وحقوق الإنسان، والتغير المناخي والبيئة، واللجوء والهجرة وغيرهم مما لم يتم التعرض له من قبل.

ويوضح أن القيام بمثل هذه التوصيات كفيلة أن تجعل المجتمع يصدق ويؤمن ويشعر بجدوى هذه الاستراتيجية، في ظل رؤيتها المأمولة لأثر ملموس على الأرض بتحقيق أمور على الأرض وبالذات ما هو ما تعلق التزامات مصر سواء على المستوى الداخلي بإجراء إصلاحات حقيقة لحقوق الإنسان تعزز وجود تغير حقيقي بجانب الالتزامات المصرية الدولية والمراجعة الشاملة الدورية التي تتم في المجلس الدولي لحقوق الإنسان.

آليات فعالية للرقابة

من جانبها، تؤكد الصحفية الحقوقية، فيولا فهمي، التي شاركت في أحد لقاءات التشاور حول الاستراتيجية، أهمية التحركات التي تدرس سبل تطوير الاستراتيجية، والقضايا الجوهرية التي تتعلق بمنهجية إعدادها وأطر حوكمتها.

جانب من حضور لقاء تشاوري حول الاستراتيجية الثانية لحقوق الإنسان- حساب فيسبوك لفيولا فهمي

وتشدد فيولا فهمي في حديثها لـ”ليبرالي” على ضرورة تضمينها برامج زمنية واضحة ومحددة، إلى جانب وضع آليات فعالة للرقابة والتقييم والمساءلة، لتتحول من مجرد وثيقة شكلية إلى إطار قادر على إحداث أثر ملموس ومستدام في ملف حقوق الإنسان.  

الرؤية الرسمية

ميدانيا، شهدت الفترة الأخيرة، اجتماعات عدة أبرزها الاجتماع الرسمي الذي ترأسه وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج دكتور بدر عبد العاطي للجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان بصفته رئيس للجنة العليا، في 26 أبريل الماضي، بمشاركة وزارات التضامن الاجتماعي والعدل والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، وممثلين عن الجهات الوطنية المعنية الأعضاء في اللجنة.

اجتماع اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان في مصر- حساب وزارة الخارجية المصرية على فيسبوك

الوزير عبد العاطي أوضح في كلمته، مفتاح فهم أسس الاستراتيجية المقبلة، بحسب وجهة نظر الحكومة المصرية، والتي تقوم على تأكيد الارتقاء بمنظومة حقوق الإنسان في مصر بمفهومها الشامل والهادفة لتعزيز حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية للمواطن المصري.

في هذا الاجتماع، أكدت وزيرة التضامن الاجتماعي دكتورة مايا مرسي أهمية الاهتمام بالحق في التنمية كمحور رئيسي في الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان، فيما شدد المستشار محمود حلمي الشريف وزير العدل، على أهمية تطوير الإطار التشريعي ليتواكب مع الاستحقاقات الدستورية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

المحاور الرئيسية للاستراتيجية

من اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، تحرك السفير خالد البقلي مساعد وزير الخارجية لشئون حقوق الإنسان والمسائل الإنسانية والاجتماعية الدولية ورئيس الأمانة الفنية للجنة العليا إلى اجتماع تشاوري مع المجلس القومي لحقوق الإنسان، في 7 مايو الجاري، برئاسة الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين رئيس المجلس، وبحضور السياسي محمد أنور السادات نائب رئيس المجلس وأعضاء المجلس.

اللقاء، ناقش مشروع الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان (2026–2031)، التي قامت اللجنة بإعدادها، وتواصل عقد مشاورات وجلسات استماع بشأنها  مع مختلف الجهات وأصحاب المصلحة، تمهيدًا لإطلاقها.

جانب من اللقاء التشاوري حول الاستراتيجية الجديدة لحقوق الإنسان بالمجلس القومي

واستعرض السفير خالد البقلي ،الذي يصفه مراقبون بأنه “حامل مفتاح الاستراتيجية الجديدة”، المحاور الرئيسية للاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان، والتي تشمل الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب حقوق الفئات الأولى بالرعاية، وفي مقدمتها المرأة، والطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، والشباب، وكبار السن، فضلًا عن محور نشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان وبناء القدرات.  

من جانبه أشار الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين إلى أن الاستراتيجية الوطنية الأولى مثلت خطوة تأسيسية مهمة في مسار العمل الوطني المنظم في مجال حقوق الإنسان، مؤكداً أهمية البناء على ما تحقق خلالها، والاستفادة من الدروس المستفادة من تجربة التنفيذ، مع التركيز خلال المرحلة المقبلة على تعزيز الأثر الفعلي للسياسات والبرامج، وتطوير آليات المتابعة وقياس النتائج.

وأعلن جمال الدين أن المجلس القومي لحقوق الإنسان، يعتزم مواصلة الإسهام في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الجديدة، من خلال بلورة رؤيته المؤسسية بشانها ، وتنظيم لقاءات تشاورية مع ممثلي المجتمع المدني والخبراء، بما يسهم في إثراء النقاش الوطني ودعم جهود التنفيذ والمتابعة والتقييم .

مشاركة المجتمع المدني

في السياق نفسه، تعددت اللقاءات التشاورية التي نظمها المجتمع المدني في الفترة الأخيرة، من أبرزها اللقاء الذي نظمته في 25 أبريل، الهيئة القبطية الإنجيلية (ceoss) في محافظة المنيا، بالتعاون مع اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان بوزارة الخارجية، بحضور السفير خالد البقلي، ونخبة من قادة الفكر وممثلي المجتمع المدني والإعلاميين.

كما نظمت جمعية السادات للتنمية والرعاية الاجتماعية في 19 أبريل الماضي، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت، مائدة حوارية، حول في إطار التحضير لإعداد المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية الجديد، بمشاركة شارك الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان.

هنا، أشار رئيس المجلس إلى أن الاستراتيجية الأولى أسهمت في إرساء إطار وطني جامع، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على تعميق الأثر وتحقيق نتائج قابلة للقياس تنعكس على واقع المواطنين فيما شدد على أهمية تعزيز مشاركة الشباب، من خلال الانتقال من مقاربة تركز على الاستفادة إلى أخرى تقوم على إشراكهم في النقاش والتقييم، مع ربط قضايا حقوق الإنسان بواقعهم اليومي، خاصة في مجالات العمل والتعليم والحقوق الرقمية.

البرلمان يدخل على الخط

في 3 مايو الجاري، دخل النائب طارق رضوان، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، على خط التنسيق المباشر مع الحكومة، حول الاستراتيجية الجديدة والعديد من القضايا الحقوقية، والتقى وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي.

رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب شدد في الاجتماع على ضرورة تعزيز أطر التعاون والتنسيق بين اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بما يسهم في متابعة تنفيذ محاور الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بكفاءة. كما تناول اللقاء أهمية الإعداد الجيد لإطلاق الاستراتيجية الخمسية الثانية لحقوق الإنسان بما يعزز مسار الدولة في ترسيخ الحقوق والحريات.