نعم.. العنوان لم يكن مبالغًا، وهو المقصود “الحروب الزوجية”.. للأسف تتفجر في أرقى العلاقات الإنسانية.. رجل وامرأة شاءت الأقدار والظروف أن يجتمعا سويًا لسبب ما، سواء قصة حب وإعجاب، أو رغبة ونصيحة أهل، أو تعارف خاص، أو حتى مجرد رغبة في الاقتران بشريك حياة، وقررا بإرادتهما الخاصة أو برغبة عائلية أو غرائز جسدية، أن يرتبطا سويًا في بيت واحد، بل وغرفة واحدة، ويتشاركا نفس الفراش والمعيشة.
دُقت المزاهر ونُصب الفرح، وحضر المعازيم، وتباري المهنئون في مباركة الزواج وبالدعوات بالسعادة والذرية الصالحة.
انتهى العرس وتشابكا ذراعًا الزوجين وذهبا سويًا ليقضيا حياتهما الخاصة والحميمية في عش الزوجية، الذي اختارا أن يجمعهما سويًا.
مرت السنون، عام اثنين ثلاثة.. وهذان الزوجان لسبب ما قرارا الانفصال، وإنهاء هذه العلاقة بعد أن رأى كل منهما استحالة العشرة بينهما سواء لظروف اقتصادية أو معيشية، أو حتى طرفا العلاقة لا يتقبلا صوت “شخير” الآخر أو رائحة فاه شريكه.
بغض النظر عن السبب، مهما كان تافهًا من وجهة نظر البعض، لا أحد عاقل ومنصف، يقبل أن يعيش زوجين، وأحد طرفي العلاقة مكره على الاستمرار فيها، وهو ما حدده القانون ووضع حرية الاختيار للزوج والزوجة في الانفصال بالتراضي أو بالمحاكم، أو حتى بالخلع، وهو القانون الذي كان انتصارًا لحق المرأة في أن تكون صاحبة قرار في عدم الاستمرار بتلك العلاقة ولا تظل مقيدة بمماطلات المحاكم ودهاليزها.
المهم وسط المعارك الزوجية، ينسى الجميع وعلى رأسهم الأب والأم الأبناء أو الأطفال، الذين تحولوا لأسرى حرب في خضم معركة لا ناقة فيها ولا جمل.. كل ذنبهم من يحملون البراءة، أنهم جاءوا للحياة نتيجة أن رجل (والدهم) وامرأة (أمهم)، قررا في يوم ما ولسبب ما أن يتزوجا، ولسبب آخر قرارا أن ينفصلا.
لكن يظل هذا الطفل في حالات كثيرة، أسير حرب بين الطرفين، سواء الأب الذي يحاول أن يعاقب أمه في أن يمتنع عن الاهتمام به أو التقصير تجاهه ماديًا، لا لشئ سوى لعقاب السيدة التي قررت أن تتطلق منه.
مأساة هذا الطفل أو أسير الحرب لا تنتهي حتى بعد هدوء أوزار الحرب الزوجية ويتطلق الطرفان، ليظل هذا البرئ في أتون حرب أخرى، ولا يكتفي والداه أنهما انفصلا، ويعيش هو مشتت وجدانيًا ومكانيًا مقسمًا بينهما، بل يزيد الطين بلة على رأس هذا المسكين، ليجد نفسه تحول بالمعنى الحرفي، لأسير حرب حقيقي بين أمه وأبوه، يتم المساومة به في صراع جديد يكون هو محوره، عندما تقرر الأم أن تعاقب طليقها في أن تحرمه من أن يرى ابنه، وتتناسى هنا أو لا تهتم بابنها “فلذة كبدها” وتحرمه من أن يكون مع تواصل مع والده أو جدته أو جده، قد يكون الأب رجل سئ ولا يُطاق بالنسبة لها، لكنه بالنسبة لطفلها، هو أبيه الذي يتفاخر به، وحياته النفسية والصحية تتأثر بغيابه..
القضية ليست فردية أو حالة أو اثنين، فترصد التقارير أن هناك ما يصل إلى ثمانية مليون طفل في مصر يعانون من مشاكل الطلاق والانفصال بين آبائهم، منهم أكثر من مليون حالة معذبون في مشاكل أحكام الرؤية وفقدانهم حضن الابن، وأن حدث يراه في مشهد مأساوي في نادي اجتماعي تحت عيون الناس وكاميرات المراقبة، هل هذا يرضي أحد؟ في أن تضيع البراءة ويتشوه نفسيًا، نتيجة معارك تاريخية بين الأم مع الأب، يكون هو ضحيتها..
لا أحد يطالب أن الأم تتحمل أن تعيش مع زوج لا تطيقه، لكن ليس من حقها أن تحرم ابنها من أهم رجل في حياته، الذي يحمل اسمه ويحصل على كنيته، لأنها تدمره نفسيًا واجتماعيًا وسلوكيًا، مثلما تؤكد الدراسات النفسية والبحوث الاجتماعية.
هذه الدراسات في الدول الأوربية والمتقدمة، تعتبر أن الصحة النفسية والجسدية للطفل ليس حقًا مطلقًا للأم أو للأب، بل حق للمجتمع، وهو ما جعلها تضع القيود على الطرفين (الأب والأم) فيما يخص الالتزامات تجاه الأبناء ورعايتهم بما لا يؤثر على سلامة الطفل النفسية والجسدية، وإذا تخلوا عنها أو قصروا فيها، يعاقبوا بل وتُسحب منهم المسؤولية عن الطفل، باعتباره ابن المجتمع كله.
هذه الدول المتقدمة، تفعل ذلك لأنها لا تنتصر للرجل على المرأة، أو العكس، بل دافعها الأهم هو الطفل عماد الأسرة ومستقبل المجتمع، هذه الدول عندما تقدم الاستشارات والمنح والتمويلات، للناشطين والناشطات لا تمنحهم، كما تعلن في بروتوكولاتها، ليس بغرض إقامة المؤتمرات، أو لرفع مستوى معيشة من يحصلون على هذا المنح، ليعيشوا في “كومبوندات” فاخرة في ضواحي القاهرة، وهو موضوع تطول فيه التفاصيل وليس محلها هنا.. منح واستشارات هذه الدول من المفترض أن يكون غرضها الحفاظ على حقوق المرأة فقط، كطرف ضعيف في العلاقة، بل يكون همها الأكبر هو الطفل.. حتى لا يتحول لأسير في حروب زوجية، أو تصورات نسوية أو ذكورية.





