“عودة المحليات الغائبة” يعيد مكانة البرلمان السياسي ويبرز الدور الخدمي للمجالس المحلية

من الأكثر استفادة من المحليات.. عضو مجلس النواب أم المواطن؟

تستقبل مكاتب خدمات النواب يوميًا مئات الطلبات المرتبطة بالمشكلات الخدمية، بداية من طفح الصرف الصحي، والحصول على تراخيص البناء، وإنارة الطرق، وأزمات الخبز، وأعمدة الكهرباء، وصولًا إلى مشكلات المرافق والبنية التحتية، رغم أن الدور الأساسي لنائب البرلمان يتمثل في التشريع والرقابة، بينما تعد هذه الملفات في الأصل من اختصاص الإدارة المحلية والمجالس المحلية المنتخبة. وهنا يبرز تساؤل ملح: لماذا أصبح نائب البرلمان مسؤولًا عن كل شيء؟

نائب الخدمات

الدستور نص بوضوح على وجود إدارة محلية وانتخاب مجالس محلية، إلا أن غياب هذه المجالس لسنوات طويلة خلق فراغًا رقابيًا وإداريًا، دفع نواب البرلمان تدريجيًا إلى لعب دور نواب الخدمات، وارتبط ارتفاع شعبيتهم لدى المواطنين على أساس هذا الدور، رغم أنه لم يكن من صميم اختصاصاتهم الأساسية.

ومع غياب المحليات، فرضت الظروف إعادة تشكيل الدور النيابي، فلجأ المواطن إلى النائب باعتباره الأقرب والأكثر قدرة على التواصل مع الأجهزة التنفيذية، وتحولت مكاتب النواب إلى بديل غير مباشر للمجالس المحلية الغائبة.

 المحليات والبرلمان.. حدود الاختصاصات والأدوار


وهنا يجب الإشارة إلى الفارق بين الدور الدستوري لعضو مجلس النواب، واختصاصات عضو المجلس المحلي، خاصة بعد سنوات من تداخل الأدوار نتيجة غياب المحليات، فعضو مجلس النواب يتمثل دوره الأساسي في التشريع والرقابة على الحكومة، من خلال اقتراح القوانين ومناقشتها وتعديلها وإقرارها، إلى جانب مناقشة المعاهدات والاتفاقيات الدولية. كما يمتلك أدوات رقابية متعددة، مثل طلبات الإحاطة والاستجوابات والأسئلة البرلمانية، لضمان متابعة أداء السلطة التنفيذية ومحاسبتها.

وتشمل اختصاصات النائب أيضًا مناقشة وإقرار الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن تمثيل دائرته الانتخابية ونقل مشكلات المواطنين واحتياجاتهم تحت قبة البرلمان للعمل على حلها. كما يشارك في مناقشة السياسات العامة للدولة، وبيان الحكومة، ويمتلك صلاحيات دستورية وسياسية، مثل الموافقة على تعديل الدستور أو إعلان حالة الحرب والطوارئ، إلى جانب المشاركة في لجان التحقيق الخاصة بالقضايا المختلفة.

أما عضو المجلس المحلي، فيرتبط دوره بشكل مباشر بالخدمات والحياة اليومية للمواطنين داخل المحافظة أو المركز أو الحي أو القرية، حيث تتمثل أبرز مهامه في الرقابة على الأجهزة التنفيذية، ومتابعة أداء المحافظين ورؤساء المدن والأحياء والقرى، ومحاسبتهم من خلال أدوات رقابية تشمل طلبات الإحاطة والأسئلة والاستجوابات.

كما يتولى المجلس المحلي دراسة ومناقشة خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل نطاقه، وإقرار الموازنة السنوية والحساب الختامي للوحدة المحلية، إلى جانب الإشراف على تطوير المرافق والخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والنظافة والطرق والبنية التحتية، والعمل على تحسينها بما ينعكس على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.

ويمتد دور المجالس المحلية أيضًا إلى دعم المشاركة المجتمعية، وإبداء الرأي في المشروعات والاستثمارات التي تُنفذ داخل المحافظة، فضلًا عن تمثيل المواطنين ورعاية مصالحهم بشكل مباشر داخل نطاق الوحدة المحلية.

تخوفات من التأجيل

 تقدمت الحكومة إلى مجلس النواب بمشروع قانون لتنظيم انتخابات المجالس المحلية، تضمن شروط ومستندات الترشح، إلى جانب تنظيم العلاقة بين المجالس المحلية والأجهزة التنفيذية. إلا أن المشروع واجه انتقادات واسعة داخل البرلمان، باعتباره النسخة ذاتها التي سبق أن تقدمت بها الحكومة عام 2016 دون إقرارها، رغم مناقشتها لسنوات.

واعتبر عدد من النواب أن المشروع لا يلبّي تطلعات المواطنين في تطوير منظومة الإدارة المحلية، ولا يواكب التحديات الحالية، كما أنه لا يتوافق بشكل كامل مع نصوص دستور 2014، وفي ظل هذه الانتقادات، قررت الحكومة سحب المشروع، ما أثار مخاوف جديدة بشأن استمرار تأجيل انتخابات المجالس المحلية الشعبية، رغم تزايد الحاجة إليها بعد غياب دام نحو 18 عامًا.

سيناريوهات متوقعة

ومع عودة الحديث عن انتخابات المحليات، تبرز عدة سيناريوهات متوقعة، أهمها إعادة توزيع الأدوار بين النائب والمجالس المحلية، بحيث يتفرغ عضو البرلمان لمهامه الأساسية في التشريع والرقابة، بينما يحصل المواطن على خدمات أسرع وأكثر قربًا من خلال المجالس المحلية المنتخبة.

كما يفتح ذلك الباب أمام إعادة رسم شكل الشعبية السياسية، التي ارتبطت لسنوات طويلة بقدرة النائب على تقديم الخدمات الفردية، لا بأدائه التشريعي أو الرقابي تحت قبة البرلمان.

وفي المقابل، يبرز سؤال آخر: من سيكون الأكثر استفادة من عودة المحليات؟
هل المواطن، الذي قد يحصل على خدمات أسرع وأكثر كفاءة؟ أم النائب الذي سيتمكن أخيرًا من التفرغ لدوره التشريعي والرقابي داخل مجلس النواب؟

وفي إطار هذا الطرح أيضًا نجد أن غياب المجالس المحلية أفرز لسنوت طويلة جيلًا لايمتلك معرفة حقيقية بطبيعة دورها أو تأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين، بعدما ارتبطت الخدمات في أذهان كثيرين بأعضاء مجلس النواب فقط.

ماذا يعرف الشباب عن المجالس المحلية؟

عبدالرحمن عصام، شاب في أوائل العشرينات من عمره، قال لـ”ليبرالي” إنه لا يملك معرفة كافية بطبيعة عمل المجالس المحلية أو الدور الذي تقوم به، موضحًا أنه لم يعاصر تجربتها بشكل مباشر، مضيفًا: “سمعت عنها وأنا أكبر شوية، وكنت أسمع عن أعضاء المجالس المحلية أيام الحزب الوطني، لكن الحقيقة “ما وعيتش عليها بشكل حقيقي”.

وأضاف أنه يتابع بين الحين والآخر ما يُثار في وسائل الإعلام حول انتخابات المحليات وأهميتها، لكنه لا يزال غير مدرك بشكل كامل لدور عضو المجلس المحلي، قائلًا: “بشوف كلام كتير عنها في الأخبار، لكن بصراحة ناس كتير من جيلي مش عارفة هو عضو المجلس المحلي بيعمل إيه أصلًا”.

وتابع عبدالرحمن “مش عارف إذا كانت هتفرق معايا في إيه، لكن هحاول أقرأ عنها وأفهم دورها أكتر، لأنها لو فعلًا هتخدم الناس وتكون قريبة من مشاكلهم ممكن أفكر أترشح، رغم إن ماليش في السياسة”.

وأشار إلى أن “المواطنين غالبًا ما يلجأون إلى أعضاء مجلس النواب لعرض مشكلات عامة تتعلق بالخدمات والشارع، وليس مطالب شخصية، مضيفًا: إحنا بنروح لنواب مجلس الشعب في مشاكل تخص الناس كلها، لكن في أوقات كتير ما بنلاقيش حل، فممكن وجود المجالس المحلية يفرق لو كانت قريبة من المواطن فعلًا”.

المحليات الغائبة.. عبء رقابي انتقل إلى البرلمان

قال الدكتور مصطفى سعد عبية وكيل وزارة التنمية المحلية سابقا والأمين العام للمحليات بالقاهرة الكبرى وأمين أمانة الجيزة بحزب المحافظين، أن المجالس المحلية الشعبية فهي الجهة المنوط لها مراقبة ومتابعة المشروعات التنموية والحضارية التي تقوم بها المحليات التنفيذية، سواء كان محافظة أو مدينة أو حي أو قرية وذلك بافتراض انتقاء واختيار أعضاء المجلس المحلي الشعبي الذي يخدم قطاع دائرته، إضافة إلى ذلك فإن المجلس الشعبي المحلي يقترح إنشاء المشروعات والأنشطة التي تعود بالنفع على المواطن.

وأضاف “عبية” في تصريحه لـ”ليبرالي” أن أعضاء المجلس المحلي الشعبي منفردون أو مجتمعون يتابعون أي إهمال أو أي فساد داخل المحافظة من خدمات لصالح المواطن وكذلك المقترحات التي تخدم المواطن.

وأكد أن غياب المجالس المحلية ترك آثارًا كبيرة، وإن كانت غير مرئية بشكل مباشر، على أداء أعضاء المجالس النيابية والتشريعية، إذ بات أعضاء مجلسي النواب والشيوخ يتحملون مسؤولية متابعة وحل مشكلات المواطنين التي كان من المفترض أن تضطلع بها المحليات، إلى جانب ما أدى إليه ذلك من ظهور أنماط مختلفة من الفساد داخل الإدارات المحلية.

الرقابة الغائبة والخدمات المتعثرة

من جانبه قال الدكتور مختار غباشي أستاذ العلوم السياسية أن غياب المجالس المحلية غيّر شكل العمل النيابي بشكل كبير، وبطريقة سلبية في الغالب، لو افترضنا أن وجود المحليات كان يُفرز عضو مجلس نواب متمكن ومتصل بالناس، فإن غيابها أثر بوضوح على أداء النواب.

وأضاف “غباشي” في تصريحه لـ”ليبرالي” أن اليوم، يأتي معظم أعضاء مجلس النواب بدوافع المصلحة الشخصية أو الاعتبارات الاقتصادية أو باختيار حزبي، أما النواب الذين يأتون من قلب الشارع ويفهمون دورهم الحقيقي جيداً، فهم قلة قليلة.

وأشار إلى أن معظم النواب لا يدركون دورهم الرقابي والتشريعي، ولا يجيدون استخدام أدواته، وهناك من يعتقد أن غياب المحليات يخفف عن النواب الضغط الخدمي فيتفرغون للعمل التشريعي والرقابي، لكن هذا الرأي غير صحيح على الإطلاق.

وأكد أن وجود المجالس المحلية ليس مجرد جهة تنفيذية للخدمات فحسب، بل هو شكل أساسي من أشكال الرقابة على أداء الحكومة والمحاسبة على المستوى المحلي. وعندما غابت هذه المجالس، تأثرت الخدمات الأساسية كالطرق والكهرباء والصرف الصحي تأثراً سلبياً كبيراً، لأن الرقابة والمتابعة المباشرة غابت.

وتابع قائلاً:“في السابق، كانت المجالس المحلية تتواصل مباشرة مع المحافظات لحل مشكلات المواطنين. أما الآن، فيقوم النائب بهذا الدور لأسباب خدمية شخصية في الغالب، وليس لخدمة الدائرة بالمعنى الحقيقي، ومؤهلاته غالباً لا تسمح له بأداء هذا العمل بكفاءة.

وأضاف أن من أخطر نتائج غياب المجالس المحلية أن المواطن أصبح الخاسر الأكبر، لأن وجودها كان يحسن الخدمات بشكل ملموس من خلال دور موازٍ للحكومة، بينما عضو مجلس النواب لا يملك القدرة ولا الوقت الكافي للقيام بالدور التشريعي والرقابي الحقيقي في ظل هذا الغياب.

قصور السلطة التنفيذية

قال النائب أحمد علي إبراهيم، عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، إنَّ مسألة طلبات الخدمات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالدور الدستوري للنائب، موضحًا أنَّ الدستور حدَّد للنائب أربع وظائف أساسية، هي: التشريع، والرقابة، وإقرار خطة التنمية، وإقرار الموازنة العامة للدولة.

وأوضح أنَّ خطة التنمية تشمل قطاعات التعليم والصحة والنقل وكافة القطاعات المرتبطة بتحسين جودة حياة المواطنين، مشيرًا إلى أنَّ المواطن عندما يتقدَّم بشكوى أو طلب خدمة، فإنَّه في الحقيقة يعبِّر عن وجود قصور لدى السلطة التنفيذية في تقديم الخدمة المطلوبة أو في توفير مستوى مناسب من جودة الحياة.

وأضاف أنَّ النائب، عندما يتعامل مع هذه الطلبات، لا يقوم بدور خدمي بمعناه الضيق، وإنما يمارس دوره الرقابي والتشريعي من خلال كشف أوجه القصور داخل الوزارات والجهات التنفيذية المختلفة.

وأشار إلى وجود أزمة حالية تتعلق بالعدادات الكودية، مؤكدًا أنَّ السبب الرئيسي للمشكلة ليس الشرائح كما يعتقد البعض،   وإنما عدم التزام الحكومة باللائحة التنفيذية لقانون التصالح في مخالفات البناء.

وبيَّن أنَّ شركات الكهرباء تطلب من المواطنين تجديد نموذج 10، رغم أنَّه نموذج موثَّق ويحمل رقم توثيق رسمي داخل المحافظة، ولا يجوز تجديده لأنه يُعد بمثابة رخصة قانونية.

وأكد أنَّه عندما يتقدَّم المواطنون بطلبات أو شكاوى تتعلق بمديونيات الكهرباء أو الشرائح، فإنَّه يتدخل بصفته ممثلًا عن المواطنين، موضحًا أنَّ المشكلة لا تخص مواطنًا واحدًا، بل آلاف المواطنين الذين يعانون الأزمة نفسها، وهو ما يكشف عن وجود خلل في تعامل السلطة التنفيذية مع الملف.

وشدَّد على أنَّ للنائب دورًا تشريعيًّا ورقابيًّا وتنمويًّا مرتبطًا بالمحافظة أو الدائرة التي يمثلها، موضحًا أنَّ إعداد كل نائب لخريطة احتياجات دائرته أو محافظته من شأنه أن يسهم في حل مشكلات الدولة بشكل شامل، خاصة أنَّ مصر تضم 228 دائرة انتخابية و27 محافظة.

وأضاف أنَّ ما يُوصف أحيانًا بالدور الخدمي للنائب يُعد في الحقيقة جزءًا من عملية صنع السياسات العامة، لأنَّ فهم المشكلات الواقعية على الأرض هو الأساس في بناء سياسات رشيدة.

ولفت إلى أنَّ امتلاكه مكتبًا خدميًّا، وتواجده بشكل دوري بين المواطنين، يساعدانه على التعرف المباشر على المشكلات التي تواجه الناس مع الجهات التنفيذية، موضحًا أنَّ كثيرًا من الأزمات تنتج عن تعليمات أو كتب دورية تصدر من بعض المسؤولين التنفيذيين.

وأوضح أنَّ التواصل المباشر مع المواطنين يكشف جذور المشكلات الحقيقية، وهو ما يساعد على صياغة سياسات عامة تحافظ على جودة حياة المواطنين.

وأضاف أنَّ النائب الذي لا يمتلك مكتبًا خدميًّا وتنمويًّا لن يكون قادرًا على فهم مشكلات المواطنين أو متابعة جذورها داخل المؤسسات التنفيذية المختلفة، مشددًا على أنَّ الرقابة الحقيقية تبدأ من معرفة ما يحدث على أرض الواقع، وليس بالاكتفاء بالحديث تحت قبة البرلمان.