
تحولت أزمة العدادات الكودية خلال الفترة الأخيرة إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل بين الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية، في ظل شكاوى متزايدة من المواطنين بشأن نظام “الشريحة الموحدة” وارتفاع تكلفة استهلاك الكهرباء بالمباني المخالفة والراغبة في التصالح. وبينما تؤكد الحكومة أن العدادات الكودية جاءت لضبط سرقات التيار وتنظيم توصيل الكهرباء، يرى نواب وأحزاب سياسية أن استمرار المحاسبة وفق أعلى شريحة استهلاك يضاعف الأعباء على المواطنين، ويهدد بتحويل مسار التصالح من أداة لتقنين الأوضاع إلى أزمة جديدة تمس ملايين الأسر.
في هذا السياق تقدم عضو مجلس النواب النائب أحمد السنجيدي، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، بشأن ما اعتبره “عدم دستورية الشريحة الموحدة للعدادات الكودية” وتعارضها مع قانون التصالح.

وقال السنجيدي إن ملايين المواطنين فوجئوا بقرار وزارة الكهرباء تطبيق نظام “الشريحة الموحدة” بسعر ثابت على العدادات الكودية، معتبرًا أن الأمر يمثل تحولًا من “تقنين الاستهلاك” إلى “عقوبة مالية مستمرة”، مؤكدًا أن الدولة أقرت قانون التصالح باعتباره المسار القانوني الوحيد لتسوية أوضاع المباني المخالفة، وبالتالي لا يجوز – بحسب وصفه – معاقبة المواطن مرتين عن المخالفة نفسها، مرة عبر رسوم التصالح، ومرة أخرى عبر فرض تسعيرة كهرباء مرتفعة.
وأشار النائب إلى أن حصول المواطن على “نموذج 3” وفق قانون التصالح يعني وقف جميع الإجراءات والعقوبات لحين الفصل في الطلب، معتبرًا أن استمرار تطبيق السعر الموحد يمثل “عقوبة مادية” تتعارض مع روح القانون والضمانات التي منحتها الدولة للمتصالحين.
كما أثار السنجيدي شبهة عدم دستورية النظام الحالي، مؤكدًا أن الدستور يكفل المساواة بين المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية، وأن التفرقة في سعر الكهرباء بناءً على الحالة الإنشائية للعقار تمثل – بحسب وصفه – تمييزًا يفتقر إلى السند الدستوري.
وحذر النائب من التداعيات الاجتماعية لاستمرار النظام الحالي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع معدلات التضخم، معتبرًا أن مضاعفة فاتورة الكهرباء تمثل عبئًا متزايدًا على الأسر البسيطة، مطالبًا بإلغاء نظام الشريحة الموحدة والعودة إلى نظام الشرائح التدريجي المعتاد.
ومن جانبه، أكد النائب مجدي مرشد، عضو مجلس النواب، أن ملف العدادات الكودية أصبح من أبرز القضايا التي تشغل المواطنين، خاصة في المناطق العشوائية والعقارات غير المرخصة التي تسعى إلى تقنين أوضاعها والتصالح مع الدولة.
وأوضح مرشد، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج الحكاية المذاع عبر قناة MBC مصر، أن هناك اختلافًا جوهريًا بين العدادات مسبقة الدفع التقليدية والعدادات الكودية، حيث تخضع العدادات العادية لنظام الشرائح الذي يتيح للمواطن ترشيد الاستهلاك وتقليل الفاتورة، بينما تتم محاسبة أصحاب العدادات الكودية وفق أعلى شريحة استهلاك بغض النظر عن حجم الاستخدام الفعلي للكهرباء.
وأشار إلى أن هذا النظام يثير غضب المواطنين، خاصة أن بعض الأسر تستهلك كميات محدودة من الكهرباء لكنها تتحمل تكلفة مرتفعة بسبب طريقة المحاسبة الحالية، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي قد يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة الدخل.

وأوضح مرشد أن الدولة اتجهت إلى تركيب العدادات الكودية بالمناطق العشوائية والعقارات غير المرخصة لضمان توصيل الكهرباء بصورة منظمة وآمنة والحد من سرقات التيار، لحين استكمال إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع، لافتًا إلى أن المواطنين الذين كانوا يحصلون على الكهرباء بصورة غير قانونية يخضعون أيضًا لغرامات تتعلق بسرقة التيار الكهربائي.
وشدد عضو مجلس النواب على ضرورة الإسراع في تنفيذ قانون التصالح، معتبرًا أن إنهاء أوضاع المواطنين القانونية سيسهم في حل عدد كبير من الأزمات المرتبطة بالمرافق والخدمات، وعلى رأسها أزمة العدادات الكودية، كما كشف عن تقدمه بطلب إحاطة داخل البرلمان لمناقشة الأزمة والوصول إلى حلول متوازنة تراعي حقوق الدولة والظروف الاقتصادية للمواطنين.
وفي السياق ذاته، حذر حزب العدل من تفاقم أزمة العدادات الكودية وتعثر تطبيق قانون التصالح، معتبرًا أن غياب التنسيق بين الجهات التنفيذية أدى إلى وضع المواطن في “مواجهة مزدوجة” بين ارتفاع تكلفة الخدمات وصعوبة إنهاء إجراءات التقنين.
وجاء تحذير الحزب تعليقًا على تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال زيارته لأحد مصانع مدينة السادس من أكتوبر، والتي أكد خلالها أن العدادات الكودية موجودة في المباني المخالفة التي تحصل على الكهرباء بصورة غير قانونية، مشددًا على أن “الإجراء القانوني السليم هو إزالة المبنى، ومن يقنن وضعه سيحصل على حقه”.
وأكد الحزب أنه لا يختلف مع حق الدولة في محاسبة المخالفين واستيفاء حقوقها، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إدارة الملف بصورة أكثر كفاءة، مشيرًا إلى أن أزمة العدادات الكودية والتصالح تحولت إلى “أزمة مركبة” نتيجة غياب التنسيق بين الجهات التنفيذية.

وأوضح الحزب أن العدادات الكودية طُرحت في البداية باعتبارها حلًا مؤقتًا، لكنها كشفت مع الوقت عن خلل في حوكمة السياسات، خاصة مع ارتفاع تعريفة الاستهلاك بشكل لا يراعي التدرج أو البعد الاجتماعي، بالتزامن مع استمرار تعثر إجراءات التصالح وبطء التنفيذ.
وأضاف البيان أن المواطن أصبح محاصرًا بين ضغطين؛ الأول يتعلق بارتفاع تكلفة الكهرباء، والثاني يتمثل في تعثر إنهاء إجراءات التقنين، وهو ما يهدد – بحسب الحزب – بتحويل أدوات التقنين إلى وسائل ضغط بدلاً من كونها مسارًا قانونيًا لدمج الوحدات غير الرسمية داخل الاقتصاد الرسمي.
وأشار الحزب إلى طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب علي خالد خليفة، والذي ربط بين ملفي التصالح والعدادات الكودية، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف حول تعريفة الكهرباء، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على تنفيذ مسار التصالح بالكفاءة المطلوبة.
وطالب الحزب الحكومة بالتدخل العاجل عبر عدة محاور، تشمل الفصل المرحلي بين استحقاقات التصالح وتوصيل المرافق، ومراجعة تعريفة العدادات الكودية بما يحقق العدالة والتدرج في التسعير، إلى جانب وضع آليات سداد ميسرة لرسوم التصالح، وتفعيل التنسيق بين الجهات المعنية لضمان سرعة التنفيذ واتساق القرارات.
وأكد الحزب في ختام بيانه أنه سيواصل استخدام أدواته البرلمانية والرقابية لمتابعة الملف، مشددًا على أن حق الدولة في المحاسبة يجب أن يقترن بمسؤوليتها في تيسير المسارات القانونية التي أتاحها القانون، وتحويل التقنين إلى مسار فعلي وليس مجرد نص معطل.






