الوجه الآخر لـ “صانع البهجة” في الذكرى الخامسة لرحيل سمير غانم: كيف صنعت التراجيديا والخجل أسطورة الكوميديا العربية؟

تحل اليوم الأربعاء، 20 مايو 2026، الذكرى الخامسة لرحيل أيقونة الكوميديا العربية والفنان القدير سمير غانم، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 2021 عن عمر ناهز 84 عاماً، إثر مضاعفات مريرة لفيروس كورونا ، وخلف رحيله غصة في قلوب الملايين، بعد عقود تربع فيها على عرش “الارتجال” وصناعة الابتسامة، تاركاً إرثاً فنياً استثنائياً جعل اسمه مرادفاً للبهجة التي لا تغيب.

ولكن خلف تلك النظارات الملونة، والبدل الفضفاضة، والضحكات المجلجلة التي ملأت المسارح ودور العرض، كانت تختبئ شخصية شديدة الحساسية، ممتلئة بالتراجيديا والخجل والمفارقات القدرية التي شكلت وجدانه وصنعت منه “الضاحك الباكي”.

من أسوار كلية الشرطة إلى مسرح الجامعة مفارقة البدايات

ولد سمير يوسف غانم في 15 يناير 1937 بقرية “عرب الأطاولة” بمحافظة أسيوط، ومنها انتقل مع أسرته إلى عروس البحر المتوسط، الإسكندرية، ولم تكن بوابته لعالم الشهرة مفروشة بالورود، بل بدأت بمفارقة درامية؛، إذ التحق في شبابه بكلية الشرطة، وهناك، وراء أسوار الكلية وخلال فترات “عقوبة الحبس الانضباطي”، اكتشف موهبته لأول مرة وهو يقلد أستاذه في الكلية، الفنان القدير صلاح ذو الفقار.

إلا أن مسيرته العسكرية تعثرت بفصله من الكلية بعد رسوبه لسنتين متتاليتين، ليتجه مجبراً إلى كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، والتي تحولت محنتها إلى منحة، حيث فجرت طاقاته الإبداعية على مسرح الجامعة، وأسس هناك فرقة صغيرة بعنوان “إخوان غانم”، وفي شوارع الإسكندرية، قادته الصدفة لمواجهة خجله الشديد عندما استجمع جرأته ليعبر عن إعجابه بجمال فتاة التقاها في الطريق، لتكون تلك الفتاة هي الفنانة الراحلة مديحة كامل، والتي اكتشف موهبتها وقدمها لأول مرة في إحدى مسرحيات الجامعة.

ثلاثي أضواء المسرح.. الانطلاقة والانكسار الأول

جاءت المحطة الأبرز في تاريخ الفن المصري حين التقى سمير غانم بالفنانين جورج سيدهم والضيف أحمد، وبقيادة المخرج محمد سالم، شكلوا فرقة “ثلاثي أضواء المسرح” قدم الثلاثي لوناً ثورياً في الكوميديا عبر اسكتشات وفوازير كانوا أول من قدمها عام 1968، وأفلام بارزة مثل “الزواج على الطريقة الحديثة” و”آخر شقاوة”.

لكن الكوميديا لم تدم صفواً إذ استيقظ سمير وجورج عام 1970 على فاجعة وفاة “دينامو الفرقة” الضيف أحمد، لينفرط عقد الثلاثي في لحظة تراجيدية كادت تعصف بمسيرتهم، إلا أن غانم واصل رحلته ثنائياً مع جورج سيدهم في روائع مسرحية مثل “موسيقى في الحي الشرقي” والأيقونة المسرحية “المتزوجون”.

قناع الكوميديا العزلة والدموع الخفية

في ملمح إنساني نادر، اعترف الراحل سمير غانم في لقاء تلفزيوني سابق مع الإعلامية وفاء الكيلاني في برنامج “السيرة”، بأنه في حياته العادية شخص “خجول جداً”، يميل إلى العزلة والهدوء، ولم يكن يملك الجرأة الكافية للتعبير عن مشاعره ووصف نفسه بأن دموعه قريبة جداً ويتأثر سريعاً بالأخبار والقصص الإنسانية.

وتحدث غانم بمرارة عن محطات قلبت حياته رأساً على عقب، أبرزها يوم وفاة والدته، معترفاً بأن عقله من شدة الصدمة “حاول أن يسقط هذا التاريخ من ذاكرته” ليتجاوز ألم اللحظة، تلا ذلك ضربة قاسية أخرى بوفاة شقيقه وسند حياته ومدير أعماله، وهي المحطة التي وصفها بالفارقة والتراجيدية في مسيرته.

ملك “الكاركترات” الذي قاوم سينما المقاولات بابتسامة

ترسخ اسم سمير غانم في وجدان الأجيال المتعاقبة كملك “الكاركترات” بلا منافس ومن رحم الصدف، ولدت شخصية “فطوطة” عام 1982 بالتعاون مع المخرج العبقري فهمي عبد الحميد، فرغم رفض غانم للفكرة في البداية، فإنه وافق بعد تعديل الاسم من “بطوطة” إلى “فطوطة”، وتصميم بدلتها الخضراء الفضفاضة وحذائها الأصفر الكبير بريشة مصممة الأزياء وداد عطية، لتتحول الشخصية إلى أيقونة رمضانية عبر عقود.

وعلى مدار تاريخه، قدم غانم أكثر من 150 فيلماً و70 مسلسلاً، ورغم أنه اتجه في أواخر الثمانينيات والتسعينيات إلى البطولة المطلقة في موجة “أفلام المقاولات” مثل “الرجل الذي عطس” و”الراقصة والحانوتي”، فإن حضوره الطاغي وخفة ظله الفطرية كانا كفيلين بانتزاع الضحكات من الجمهور وتجاوز ضعف الإنتاج.

الثنائية الأجمل قصة الحب والدعم

لم تكن حياته الفنية منفصلة عن حياته الإنسانية، إذ شكل زواجه من الفنانة الراحلة دلال عبد العزيز واحداً من أصدق وأشهر الثنائيات في الوسط الفني، بدأت الحكاية بكواليس مسرحية “أهلاً يا دكتور”، واستمرت على مدار 4 سنوات من العمل المشترك، حيث نجحت دلال بذكائها ومحبتها في اختراق أسوار خجله وعزلته، لتثمر هذه الزيجة عن ابنتين واصلتا حمل شعلة الإبداع، النجمتين دنيا وإيمي سمير غانم.

رحل سمير غانم بجسده، وتبعه رفيقة دربه دلال عبد العزيز بعد أسابيع قليلة في دراما واقعية حزينة، لكن “سمورة” يظل باقياً بأعماله، وبدلتة الخضراء، وضحكته العفوية، كأحد الفرسان النبلاء الذين أثبتوا أن الكوميديا الحقيقية تنبع أحياناً من قلب الحزن، لتمنح الآخرين أملاً وحياة.