
استولت قوات الاحتلال الإسرائيلية على قلعة بوفورت المتهالكة والتي تعود إلى القرن الثاني عشر في الحقبة الصليبية والواقعة على قمة جبل بالقرب من قرية أرنون ومدينة النبطية في جنوب لبنان، مسجلة بذلك أعمق توغل لها في لبنان منذ 25 عامًا، وذلك بعد أيام من الغارات الجوية والاشتباكات العنيفة بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي حزب الله.

قلعة بوفورت
تعتبر القلعة التي بناها الصليبيون على جرف عالي يطل على نهر الليطاني قبل نحو 900 عام، موقعًا استراتيجيًا في جنوب لبنان، كما استخدمها جيش صلاح الدين في القدس والمماليك والعثمانيون والانتداب الفرنسي، ومنظمة التحرير الفلسطينية والجيش الإسرائيلي حتى عام 2000، حين جرى ترميمها جزئيًا وفتحها للزوار، أطلق الصليبيون عليها اسم “بوفورت”، وهي كلمة فرنسية قديمة تعني “الحصن الجميل”.
وقد احتلتها القوات الإسرائيلية خلال نزاعات سابقة، وقد وصفت اليونسكو قلعة بوفورت بأنها “واحدة من أفضل الأمثلة المحفوظة للقلاع التي تعود للعصور الوسطى في الشرق الأدنى”، وتعد القلعة أيضًا واحدة من 34 موقعًا ثقافيًا لبنانيًا منحتها اليونسكو حماية مؤقتة معززة، وهي أعلى مستوى من الحصانة ضد أي هجوم أو استخدام لأغراض عسكرية، في أواخر عام 2024، بعد الغزو البري الإسرائيلي للبنان.

التوسع في الداخل اللبناني
نشر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صورة على موقع “إكس” تظهر العلم الإسرائيلي يرفرف فوق القلعة التي استولت عليها إسرائيل عام 1982 خلال حرب لبنان الأولى واحتلتها لمدة 18 عامًا، وقال كاتس:” هذه رسالة واضحة لأعدائنا، من يهددون مواطني إسرائيل سيخسرون مواقعهم الاستراتيجية واحدًا تلو الآخر”.
صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بتوسيع نطاق العمليات في لبنان بعد احتلال قلعة بوفورت الاستراتيجية، وهو ما وصفه بأنه “تحول جذري” في الغزو الإسرائيلي للبلاد.
شهدت القلعة معارك ضارية بين الجيش الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1982 عندما احتلت إسرائيل جنوب لبنان، ووفقًا لليونسكو قد لحق بها أضرار جسيمة خلال فترة الاحتلال التي دامت 18 عامًا قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000.
وأعلنت إسرائيل يوم الأحد الماضي، أن قواتها بما فيها عدد كبير من جنود المشاة ستواصل التوغل في جنوب لبنان لمحاربة حزب الله، واتهم رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إسرائيل السبت الماضي، باتباع سياسة “الأرض المحروقة” وفرض عقاب جماعي على سكان جنوب لبنان، حيث تم إخلاء عشرات القرى والبلدات.
وفقًا لما ذكرته وكالة فرانس برس، أصدر الجيش الإسرائيلي عقب سيطرته على بوفورت، أمرًا بإخلاء واسع النطاق للمناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني وشمال الليطاني وعلى بعد حوالي ٤٠ كيلومترًا من الحدود، محذرًا من استهدافه لحزب الله.
ووفقًا لوزارة الصحة اللبنانية بلغ عدد القتلى في لبنان أكثر من 3000 شخص منذ التصعيد الحاد للأعمال العدائية مطلع مارس الماضي.

نصرًا تكتيكيًا أم عجزًا استراتيجيًا؟
تعد قلعة بوفورت موقعًا استراتيجيًا هامًا، لكن يجب التحذير من المبالغة في تقدير أهمية الاستيلاء عليها، إذ لم يكن هناك أى هدف استراتيجي للاستيلاء على القلعة أو القيام بحركة استفزازية كرفع العلم الاسرائيلي عليها.
لذا يمكن وصف الاستيلاء على قلعة بوفورت بأنه نصر رمزي إلى حد كبير، حقق مكاسب دعائية أكثر من كونه مكسبًا استراتيجيًا حقيقيًا.فإسرائيل تسيطر على جنوب لبنان، وحزب الله تراجع شمالًا، والتهديد الرئيسي الآن يأتي من الطائرات المسيرة.
كما أن هناك تساؤل مهم يطرح نفسه، لماذا احتلال بوفورت؟ ماذا بعد احتلال القلعة؟ ماذا عن غدًا وبعد غد؟ ماذا سيحدث للجنود هناك في الأسابيع القادمة؟ ماذا عن إمدادات الطعام والماء؟ والذخيرة؟ كيف سيتم حماية القوات المتمركزة من رد فعل حزب الله؟ ما يُعني أن النصر الذي تحقق من وجهة النظر الإسرائيلية سيتحول إلى جمود استراتيجي في الأيام المقبلة.
إلا أنه على الجانب الآخر تسعى إسرائيل إلى السيطرة على نفس المواقع الاستراتيجية التي استخدمها الجيش الإسرائيلي لفرض سيطرته على الأراضي المحتلة قبل انسحابه عام2000، أي إلى إعادة تمثيل إنجاز عام 1982.
كما أن السيطرة على النبطية ستشكل ضربة قوية لمعنويات حزب الله وقاعدته الشعبية داخل لبنان، أما فيما يتعلق بمخاوف الشعب اللبناني من الضم الفعلي للأراضي اللبنانية، فبالنظر إلى حجم الدمار الذي لحق بالمنطقة الصفراء، فإن الاحتمالات تتراوح ما بين منع عودة السكان والضم والتوطين على غرار الضفة الغربية، حيث صدرت تصريحات وزارية من وزيري المالية والأمن القومي الإسرائيليين وغيرهما، ما يعني تخطي مرحلة نظريات المؤامرة والأحاديث والدخول في مرحلة التطبيق الفعلي.

أهداف العملية الإسرائيلية
تهدف تل أبيب من الاستيلاء على قلعة بوفورت إلى إبراز صورة انتصار في ظل غياب صور مماثلة، ومحاولة لتقديم إنجاز في خطاب موجه للرأى العام الذي يفترض بشكل متزايد أن إسرائيل ليست منتصرة، فالاحتجاجات تتزايد في المجتمعات الشمالية، والانتقادات تبرز من داخل الجيش بشأن ضعف الجنود أمام هجمات الطائرات المسيرة، وحزب الله لا يزال متماسكًا ولا توجد خطة واقعية لنزع سلاحه.
يقدم “نتنياهو” هذا الرمز أيضًا في محاولة لإضفاء معنى رمز وطنيٍ موحد يجمع عليه المجتمع الإسرائيلي، وذلك لأنه في1982، تحولت قلعة بوفورت رمزًا للجدل، إذ ساهمت في تأجيج احتجاجات العائلات الإسرائيلية، ثم أصبح لاحقًا لرمز إلى عجز الجيش خلال السنوات التي سبقت الانسحاب عام 2000.
يسعى الداخل الإسرائيلي إلى السيطرة الدائمة على جنوب لبنان، مستشهد بالمزايا الأمنية التي ستتوفر لإسرائيل، ونشرت افتتاحية في صحيفة جيروزاليم بوست في مارس الماضي استشهدت بتصريح أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن جوريون، الذي اعتبر النهر حدودًا شمالية طبيعية للدولة اليهودية.

الموقف الأمريكي
من المتوقع أن يعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، عقب مفاوضات سياسية جرت في واشنطن يوم الثلاثاء، حسبما أفادت المؤسسة اللبنانية للإذاعة الدولية نقلاً عن مصادر.
ومن المقرر أن تعقد المحادثات يومي 2 و3 يونيو في واشنطن، ويذكر أن وقف إطلاق النار سار منذ 17 أبريل ، إلا أن كلا الجانبين انتهكاه مرارًا وتكرارًا متبادلين الاتهامات بارتكاب أعمال عدوانية تستفز الرد.

خيارات إيران
تأتي الأحداث العنيفة في لبنان في وقت يسعى فيه المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون إلى التوصل إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار في الحرب الدائرة بين البلدين. وتؤكد إيران أن أي وقف لإطلاق النار مع الولايات المتحدة يجب أن يتضمن إنهاء الحرب في لبنان.
قد يعرض تصاعد حدة القتال بين إسرائيل وحزب الله أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران للخطر، وصرح مسئول إسرائيلي لشبكة CNN بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ نتنياهو الأسبوع الماضي دعمه لحق إسرائيل في التحرك بحرية ضد التهديدات على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
وما لم يتدخل الرئيس “ترامب” ويضغط على “نتنياهو”، يمكن القول إنه من غير المرجح أن الجانب الإيراني سيوقع على أي اتفاق مع الولايات المتحدة، وتنظر أمريكا وإسرائيل إلى الصراع في لبنان بمعزل عن مفاوضات السلام مع طهران.

رد الفعل الدولي
طالبت فرنسا بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي بشأن لبنان، وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن فرنسا طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي بعد أن وسعت القوات الإسرائيلية عملياتها البرية واستولت على قلعة بوفورت التاريخية في جنوب لبنان.
وقال جان نويل بارو، على قناة BFMTV:” لقد طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لأنه، مع اعترافنا بحق إسرائيل كغيرها من الدول في الدفاع عن النفس، إلا أنه لا يوجد ما يبرر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وتعميق احتلالها للأراضي اللبنانية”.

التحركات الإسرائيلية
كيف سيتصرف الجيش الإسرائيلي في حال توقيع اتفاق مع إيران؟ هل سيطلب من القوات الانسحاب من المناطق التي تم الاستيلاء عليها بتكلفة باهظة بناء على طلب الولايات المتحدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف سيتم ذلك؟.
لقد أعد الجيش الإسرائيلي بالفعل خطط طوارئ لإنشاء مواقع داخل الخط الأصفر وفقًا لـ”نموذج غزة”، ولكن في الوقت الراهن لا تزال فرص تنفيذها غير واضحة، ومن الضروري التمييز بين مجالين لنشاط الجيش الإسرائيلي، الأول يشمل لبنان بأكمله حيث تنفذ العمليات خاصة بواسطة القوات الجوية، في ظل قيود أمريكية صارمة تحد من تحركات الجيش، أما الثاني فهو المجال البري تحت قيادة المنطقة الشمالية، حيث يعمل الجيش الإسرائيلي بقوة نارية هائلة ودون قيود تذكر.
ويبقى المأزق الرئيسي قائمًا، أي أنه إذا ما اقتصر النشاط المكثف على قطاع قيادة المنطقة الشمالية، فلن يحدث سوى تحول تكتيكي محلي، ومن المرجح أن يحسم ما إذا كان هذا الزخم سيتحول إلى تغيير استراتيجي ليس على مرتفعات بوفورت، بل على طول المحور بين واشنطن وبيروت وطهران.

تضاعف الأزمات اللبنانية
حذّر تحليل حديث صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي “IPC” من أن ما يقرب من ربع سكان لبنان، حوالي 1.24 مليون نسمة، من المتوقع أن يواجهوا انعداما حادا في الأمن الغذائي بين أبريل وأغسطس 2026، كما حذرت وزارة الزراعة اللبنانية من أن حوالي 22% من الأراضي الزراعية في المناطق المتضررة قد تضررت، مما يزيد من تدهور الإنتاج الغذائي وسبل العيش.
علاوة على ذلك لم يجمع نداء الأمم المتحدة العاجل لجمع 308.3 مليون دولار للفترة من مارس إلى مايو 2026 سوى 51.3% من التمويل المطلوب بحلول 26 مايو 2026، وفقًا لبيان صادر عن الأمم المتحدة هذا الأسبوع.
في المقابل تحذر منظمات الإغاثة من أن نقص التمويل لا يجبر المنظمات الإنسانية على تقليص الخدمات الأساسية المقدمة لسكان لبنان فحسب، بل يجبر أيضًا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في البلاد.
ورغم التوسعات بالاحتلال مساحة شاسعة من الأراضي اللبنانية، لكن ذلك ينذر بتوريطها في حرب لا نهاية لها في لبنان، كما أن إسرائيل لن تنعم بالاستقرار أو الأمن، مهما اتسعت المساحة التي تعلنها منطقة أمنة، كما سيواصل حزب الله مضايقة القوات الإسرائيلية داخل لبنان ومهاجمتها، بالإضافة إلى المستوطنات الإسرائيلية، ليظهر لإسرائيل أنه على الرغم من امتلاكها القدرة العسكرية، فإنها لن تحظى بالأمن الذي وعدت به الحكومة.






