كل فترة يعود الجدل القديم الجديد: قانون الأحوال الشخصية سيئ، غير عادل، يحتاج إلى تعديل، فالرجال يقولون إنهم مظلومون، والنساء أيضًا يقلن إن حقوقهن ضائعة وللأسف الأطفال هم الذين يدفعون الثمن دائمًا.
البرامج تُبث في التلفزيونات ويدور الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي، تُشعل الأجواء وكل شخص لديه “النص السحري” الذي سيحل الأزمة لكن السؤال الذي لا يسأله أحد بجدية: هل المشكلة فعلاً في القانون أم فينا نحن؟.
من يتابع النقاش الدائر حاليًا حول مشروع القانون الجديد سيلاحظ أننا لا نتناقش في مواد قانونية فقط بل نتناقش في شكل المجتمع نفسه بعد سنوات من التغيرات التي حدثت بسرعة مرعبة: اقتصاد انقلب، أدوار اجتماعية تغيرت، وتوقعات الناس أصبحت مختلفة تمامًا والقوانين كما هو متوقع غير قادرة على اللحاق بسرعة التغيير.
الحكومة قدمت مشروع قانون يتضمن تعديلات كثيرة مثل الحضانة والرؤية والاستضافة والنفقة وتوثيق الطلاق وتحدثوا عن “ملحق مالي” في عقد الزواج وعن صندوق لدعم الأسرة النية على الورق هي تقليل النزاعات وضمان الحقوق وفي البرلمان اشتعلت الآراء فمثلاً النائبة فاطمة عادل، تم استضافتها في برنامج “كلمة أخيرة” وشرحت بشكل واضح أن مشروع قانون حزب العدل الذي قدمته قد تبنى على فكرة “المصلحة الفضلى للطفل” قبل أي شيء آخر هي لا تتحدث فقط بل قدمت مشروعًا متكاملًا يقلب الطاولة على نظام الرؤية الجامد الذي يتحول في النهاية إلى زيارة شكلية ويقدم بديلًا هو “الاستضافة” ليوم كامل في الأسبوع لا مجرد ساعتين في مكان غريب والأهم أن القانون الذي اقترحته يعطي القاضي سلطة تقديرية ليحكم بها حسب ظروف كل أسرة ولا يترك السن قانونًا جامدًا يظلم الناس هذا فضلًا عن أنها تضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم مباشرة في الحضانة وتعطي القاضي سلطة تقديرية ليحكم بها حسب ظروف كل أسرة.
كل هذه مداخلات مهمة ومطلوبة و لكن لو ركزنا قليلاً سنلاحظ شيئًا: نحن نتعامل مع القانون على أنه أصل المشكلة مع أن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير، فلا يوجد قانون مهما كان عادلًا سيخلق أسرة مستقرة إذا كانت العلاقة من أساسها مبنية على غياب الوعي والمسؤولية ولا يوجد نص تشريعي يعوّض نقص التربية أو الاحترام أو القدرة على الاختيار الصحيح الغريب أن جزءًا كبيرًا من النقاش الحالي أصبح يتعامل مع الزواج على أنه “عقد” بين طرفين يستعدّان للانفصال قبل أن يبدأ فنتحدث في الضمانات والحقوق والغرامات والتنفيذ وأقل كثيرًا في المودة والاستقرار وتحمل المسؤولية.
في ملف الرؤية والاستضافة الجدل مستمر منذ سنين: الأب يشعر بأنه محروم من أولاده والأم خائفة من أن تتحول الاستضافة إلى وسيلة ضغط وفي المنتصف يجد الطفل نفسه أصبح موضوع نزاع، المشهد الأصعب هو الطفل الذي يعيش وسط الإهانات المتبادلة وينتقل بين بيتين كل واحد منهما يروي له حكاية مختلفة عن الآخر وأحيانًا يُستغَل كسلاح من غير أن يستوعب الكبار حجم التشوه النفسي الذي يحدث له، محاكم الأسرة قد تنظم الحقوق لكنها لا تعالج طفلًا فقد الإحساس بالأمان ولا أمًا منهكة، ولا أبًا غائبًا.
أما النفقة فقانونها يمكن تعديله لكن هل تعديل القانون وحده سيمنع شخصًا غير مسؤول من التهرب من واجبه أخلاقيًا حتى لو التزم به قانونيًا؟ وهل هذا سيوفر بيئة صحية لأطفال يعيشون في صراع دائم؟.
والأخطر من ذلك كله أن جزءًا كبيرًا من النقاش أصبح مُدارًا تحت ضغط مواقع التواصل الاجتماعي كل قصة فردية تتحول إلى قضية رأي عام وكل حالة شاذة تتحول إلى مبرر لتعديل شامل مع أن التشريع لا يُبنى على ردود الأفعال ولا على معارك “فيسبوك” التشريع يُبنى على دراسة المجتمع بتناقضاته الحقيقية.
لعل المشكلة الأكبر أننا نحاول معالجة نتائج التفكك لكننا مشغولون عن معالجة أسبابه ولا أحد يتحدث بجدية عن فكرة الأسرة نفسها التي أصبحت في تراجع وعن الضغوط الاقتصادية التي جعلت الزواج عبئًا مرعبًا على الشباب وعن المحتوى الذي يشوّه صورة العلاقات، عن غياب التأهيل الحقيقي قبل الزواج، عن التحول من ثقافة “بناء بيت” إلى ثقافة “حفظ الحقوق قبل الانهيار”.
القانون يحتاج إلى التطور أكيد ويحتاج إلى أن يكون عادلًا ومتوازنًا، يحفظ كرامة المرأة وحق الرجل ومصلحة الطفل قبل أي شيء لكن الأزمة أعمق من مواد قانونية فالمجتمع الذي يفقد قدرته على الحوار داخل البيت لن تنقذه المحاكم والمجتمع الذي تصبح فيه الأسرة ساحة صراع لن تعالجه التشريعات وحدها، لعل السؤال الحقيقي ليس: كيف نعدل قانون الأحوال الشخصية؟ السؤال الحقيقي: كيف نعيد بناء فكرة الأسرة نفسها قبل أن تتحول كل العلاقات إلى مجرد قضايا مؤجلة أمام القضاء.





