
تحل اليوم، السادس من يونيو، ذكرى رحيل أحد عمالقة العصر الذهبي للفن العربي، الفنان القدير محمود المليجي، الذي غيبه الموت في مثل هذا اليوم عام 1983، وتأتي هذه الذكرى لتوثق مسيرة استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، قدّم خلالها ما يزيد عن 500 عمل فني شكلت وجدان السينما والمسرح والتلفزيون.
نهاية درامية.. مات وهو يمثل “مشهد الموت”

في مفارقة قدرية تشبه السيناريو السينمائي المحكم، أسدل الستار على حياة المليجي عام 1983 أثناء تصوير الفيلم التلفزيوني “أيوب” فبينما كان يستعد لتصوير آخر لقطات دوره داخل الاستوديو، جلس يحتسي فنجاناً من القهوة مع صديق عمره النجم عمر الشريف، متحدثاً برصانته المعهودة عن “غرابة الحياة والنوم والاستيقاظ”، وفجأة، أمال رأسه وغلبه الموت وهو في حالة اندماج كامل، واعتقد الجميع في الاستوديو أنه يؤدي مشهداً تمثيلياً بارعاً، وتعالت ضحكات الحضور وداعبة عمر الشريف قائلاً “كفاية تمثيل بقى يا محمود”، ليكتشفوا بعدها أن “شرير الشاشة” قد غادر عالمنا بالفعل وهو يرتدي قناع التمثيل.
من ملقن في كواليس المسرح إلى “مدرسة التقمص”

ولد المليجي عام 1910 في حي المغربلين العريق بالقاهرة لأسرة تنحدر من قرية “مليج” بمحافظة المنوفية، بدأ شغفه بالفن يتبلور في المدرسة الخديوية الثانوية التي كانت حاضنة للمسرح، وهناك اصطدم برائد المسرح عزيز عيد الذي حاول تعزيز روح التحدي لديه عبر انتقاده بقسوة، ليثبت المليجي ذاته لاحقاً وتلتقطه الفنانة فاطمة رشدي لتبدأ رحلته الاحترافية بمرتب 4 جنيهات شهرياً.
وعلى الرغم من تعثره في البدايات بفشل فيلمه الأول “الزواج” عام 1932، اضطر للعمل “ملقناً” في كواليس فرقة رمسيس مع يوسف وهبي، لكن هذه البداية الصعبة صقلت موهبته، ليتحول إلى “حرباء درامية” وأستاذ في مدرسة التقمص والذكاء الحسي، متنقلاً بين كبرى الفرق المسرحية كفرقة إسماعيل ياسين وتحية كاريوكا، ومقدماً أكثر من عشرين مسرحية خالدة أبرزها “يوليوس قيصر” و”انتهى الدرس يا غبي”.
“شرير الشاشة” الذي كان يتلقى التهديدات بدلاً من صديقه

عُرف المليجي بلقب “شرير الشاشة”، نظراً لبراعته الفائقة ومرونته النفسية في الغوص داخل أعماق النفس البشرية المظلمة، وشكل مع “وحش الشاشة” فريد شوقي ثنائياً سينمائياً تاريخياً، امتد لأكثر من 30 عاماً من الصراع الافتراضي، وفي مفارقة طريفة، كشف المليجي في لقاء تلفزيوني سابق أن الجمهور كان يلتقيه في الشارع ويهدده بدافع الدعابة قائلين “وحش الشاشة هيعلمك الأدب”.
لكن وراء تلك الملامح الحادة والنظرات الثاقبة، أجمع كل زملاء المهنة على أن المليجي كان أطيب البشر قلباً، وأكثرهم تواضعاً ونقاءً في حياته الشخصية، والتي استقر فيها بزواجه من الفنانة علوية جميل لمدة 44 عاماً.
وجه طيب صاغه يوسف شاهين

ولم تكن مسيرة المليجي قاصرة على أدوار الشر، بل تجلت عبقريته في تجسيد أدوار الخير والدراما الاجتماعية، وكانت نقطة التحول الكبرى عندما أعاد المخرج يوسف شاهين اكتشاف طاقة النقاء الإنساني داخله، “محمد أبو سويلم” ظهر المليجي فلاحاً صلباً يفيض بالكرامة في فيلم “الأرض” 1970، مردداً جملته الخالدة “كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة”، وأبدع كطبيب حنون في “حكاية حب”، وكرسام معزول في “أيام وليالي”، ورئيس تحرير صارم في “يوم من عمري”، كما امتدت نجوميته إلى الشاشة الفضية عبر مسلسلات بارزة مثل “أحلام الفتى الطائر” مع عادل إمام، و”الأيام” مع أحمد زكي، و”القط الأسود”.
قفازات الملاكمة التي كادت تنهي المسيرة مبكراً
من الأسرار الخفية في حياة الراحل، شغفه الكبير في شبابه برياضة الملاكمة وحلمه بأن يصبح بطلاً حقيقياً، وبالفعل خاض مباراة رسمية ضد خصم عنيف كان يزيده في الوزن بنحو 15 كيلوغراماً، وتلقى المليجي ضربات موجعة جعلته ينسحب من اللقاء فوراً متنازلاً عن حلمه الرياضي، حيث علق ضاحكاً في تصريح قديم “فضلت الانسحاب لأحتفظ برأسي فوق كتفي”، وكان هذا الانسحاب الرياضي، هو المكسب الأكبر للسينما العربية التي ربحت واحداً من أعظم لآلئها عبر التاريخ.







