بـ 66 مليون جنيه فيلم “الكلام على إيه” يربح شباك التذاكر ويسقط في فخ عشوائية السيناريو

لغة الأرقام وتوليفة النجوم

نجح الفيلم الكوميدي الجديد “الكلام على إيه” في تحقيق قفزة رقمية كبيرة في دور العرض المصرية، حيث حصد إجمالي إيرادات بلغت 66 مليوناً و439 ألفاً و832 جنيهاً خلال ستة وعشرين يوم عرض فقط، ويعتمد الفيلم على صيغة البطولة الجماعية التي تمزج بين أجيال وخبرات متنوعة تمنح العمل ثراءً على مستوى الأداء، حيث يضم في بطولته كلاً من أحمد حاتم، ومصطفى غريب، وجيهان الشماشرجي، وآية سماحة، ودنيا سامي، وحاتم صلاح، إلى جانب النجوم الكبار سيد رجب، وانتصار، وخالد كمال، ودنيا ماهر..

وعود جذابة ومضمون مخيب

منذ الوهلة الأولى، حمل الفيلم وعوداً بتقديم وجبة سينمائية مبتكرة وجريئة، بدءاً من اسمه الغريب، مروراً بعامِله الجاذب كملصق دعائي يضم ثنائيات شابة بملابس الزفاف، وصولاً إلى عنوانه الفرعي الأكثر غربة “أول ليلة” وكلها مؤشرات توحي بعمل يعبر بجرأة عن جيل الألفية الثالثة ورؤيته المعاصرة للحب ومؤسسة الزواج، وتدور الأحداث في إطار كوميدي وتشابك درامي يستغرق يوماً واحدًا، مستعرضاً ليلة زفاف أربع ثنائيات من خلفيات اجتماعية وأعمار متباينة، وتتمحور العقدة حول تفاصيل وصعوبات الليلة الأولى أو الدخلة بالمفهوم الشعبي، وما يرافقها من هواجس وتحديات تفجر المفارقات ولكن، بعد نحو ساعتين، وهي زمن عرض الفيلم، يخرج المشاهد بحصيلة ضئيلة من الضحكات المبعثرة، ومساحة شاسعة من الإحباط، فالفكرة التي بدت مثيرة على الورق تاهت في عشوائية التنفيذ، ليبقى السؤال هل الأزمة في صناع العمل أم في الجيل الذي يتناول الفيلم قضيته؟

الخط الشعبي وتسطيح الواقع

يتناول الخط الدرامي الخاص بالشخصيتين “عبده ورضا”، واللذين جسدهما مصطفى غريب ودنيا سامي، أزمة الدخلة البلدي كموروث ذكوري، ورغم أهمية الطرح وجاذبيته على الورق، سقطت الكتابة في فخ التسطيح التام وتغافل المنطق، حيث استهلك الفيلم نصف ساعة من العبث والمواقف الملتفة وغير المقنعة للوصول لحل أزمة نزيف العروس، عبر مواقف بدائية وتلفيق درامي لا يحترم عقل المشاهد ويغيب عنه المنطق الفني تماماً.

حكاية المسنين والإيفيهات الغليظة

في مسار آخر، نتابع حكاية الزوجين المسنين اللذين تجاوا الستين، وجسدهما سيد رجب وانتصار، وقد تمحورت الحكاية بالكامل حول رحلة البحث عن المنشط الجنسي المقوي، وتحول الأمر على مدار مشاهد مقطعة ومقحمة إلى مادة للسخرية والتأنيب، والاعتماد على الإيفيهات اللفظية الغليظة التي افتقرت للإنسانية وللمرح الحقيقي، وبدت فجة في سياقها الكوميدي.

الطبقة الوسطى والكوميديا الطبيعية

قدم حاتم صلاح وجيهان الشماشرجي، حكاية تنتمي للطبقة الوسطى من خلال زواج صالونات تقليدي بين مدرس لغة عربية وموظفة حسابات في شركة لعب أطفال، ويعد هذا الخط هو الأفضل كتابة والأكثر منطقية في الفيلم، حيث وظف السيناريو مشاعر الخجل والتربية المتزمتة لإنتاج كوميديا موقف طبيعية، تميزت فيها جيهان الشماشرجي بشكل لافت بفضل قدرتها النادرة على إثارة الضحك من خلال الأداء الجاد والواقعي.

الفانتازيا المفتعلة لطبقة الأثرياء

أما الخط الرابع فيدور حول الزوجين المرفهين اللذين ينتميان لطبقة غنية، وجسدهما أحمد حاتم وآية سماحة، كشخصيتين مستهترتين وغير صالحتين للمسؤولية، وينتهي بهما الحال بمشهد مبالغ فيه محشو بأدوات غريبة مقتبسة من طقوس معينة استعداداً لليلة الدخلة، لتقتحم غرفتهما عاملة الفندق، والتي جسدتها رحمة أحمد، وتظن أنهما من عبدة الشيطان، ليدخل الخط في معالجة اتسمت بالغرابة والافتعال لتوليد الضحك بأي ثمن.

الراوي العليم والخط المقحم

لإيجاد رابط يجمع هذه الشظايا الدرامية المتناثرة، اخترع صناع الفيلم خطاً خامساً لشخصية “بسة” الذي جسده خالد كمال، وهو تاجر الممنوعات والديلر الذي يمد العرسان باحتياجاتهم من منشطات وأدوات، وجعلوه راوياً عليماً تبدأ وتنتهي به الأحداث، وبدا هذا الخط مقحماً ومثقلاً بحوارات وعظية حكيمة لتبرير توبته المفاجئة بسبب إشارات غيبية، في محاكاة باهتة لبعض الشخصيات الهوليودية الشهيرة التي تقرر التوبة فجأة، ورغم تميز خالد كمال، إلا أن التعليق الصوتي كان يحتاج خفة وسخرية أكبر، كما جاء خط حبّه القديم المتجدد مع دنيا ماهر باهتاً وغير مقنع.

صناعة معاصرة بروح الألفية الماضية

اعترف مخرج ساندور كنعان ومؤلف أحمد بدوي في مقابلات صحفية بأن النص والسيناريو كانا جاهزين منذ تسعة سنوات، وهو اعتراف يفسر بوضوح لماذا يبدو الفيلم قديماً ومنتمياً لزمن وموجة المضحكين الجدد التي ظهرت في مطلع الألفية، سواء على مستوى الرؤية الإخراجية أو التكنيك الكتابي الذي استبدل المعنى والمغزى بإيفيهات النكت الشعبية المستهلكة والمبتذلة.

أداء الممثلين طوق النجاة الأخير

إن ما أنقذ ليلة هذا الفيلم من الفشل النقدي الذريع هو المقويات الإبداعية التي ضخها فريق الممثلين الموهوبين بخفة دمهم وقدرتهم العالية على الارتجال، فتميز مصطفى غريب ودنيا سامي، والكيمياء العالية بين أحمد حاتم وآية سماحة، والأداء المتزن لحاتم صلاح وجيهان الشماشرجي، هي الأسباب الحقيقية وراء صمود العمل تجارياً، ومنح الجمهور ومضات من البهجة والضحك وسط ركام من العشوائية النصية.

ماجدة موريس السينما تعيش في جلباب الماضي.. والجمهور يهرب من الواقع إلى “النوستالجيا”

سينما المفارقات والهروب إلى الخلف

أكدت الناقدة الفنية ماجدة موريس أن السينما المصرية المعاصرة باتت تعتمد بشكل مفرط على “المفارقات” بين الماضي والحاضر، لافتة إلى وجود أزمة حقيقية في تقديم قصص واقعية جاذبة دون الاتكاء على إرث الماضي، وأوضحت أن صناع الأفلام أصبحوا يعولون كثيراً على “النوستالجيا” لضمان التفاعل الجماهيري، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت الأزمة تكمن في صناعة السينما نفسها أم في عدم تقبل المجتمع لواقعه المعاش.

تفكيك الخطوط الدرامية الموروث الشعبي وصدمة الواقع

وفي قراءتها للفيلم، أشارت موريس إلى أن العمل اعتمد على حبكة تمثل التراث والموروث الشعبي المصري، وهو ما تجسد بوضوح في خطين دراميين رئيسيين، خط الفنان مصطفى غريب والذي جسد فكرة “الدخلة البلدي”، مبرزة أن المجتمع الحالي بات “يستثقل” مثل هذه العادات والأفكار التراثية ولم يعد يتقبلها كما السابق، خط الفنانين سيد رجب وانتصار، والذي ناقش أزمة “الزواج في سن متأخرة”، حيث يصطدم الأبطال بنظرة مجتمعية ترى أنه “بعد هذا السن لم يعد هناك مجال للزواج”، وهي النظرة السلبية التي تضاعفت وتضخمت مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي التي تتيح لأي فرد إطلاق أحكام واهية.

وتساءلت الناقدة عن مدى نجاح الفيلم في معالجة هذه الخطوط الدرامية الأربعة المتوازنة، وما إذا كانت المعالجة الكوميدية كافية لتقديم حلول حقيقية لكل خط رغم المفارقات الشاسعة بينها.

مجتمع يعيش في الماضي و”السوشيال ميديا” كأداة للرفض

“أصبحنا مجتمعاً يعيش في الماضي، لكنه يفتقد لثقافته في الحاضر”ماجدة موريس

وعن ظاهرة التعلق بالماضي، أوضحت موريس أن الفيلم حاول خلق مفارقة بين الحياة زمان والآن، لأن المجتمع يعيش بالفعل حالة من الانفصام؛ فنرى يومياً على “السوشيال ميديا” من يستدعي مواقف لنجوم الزمن الجميل مثل رشدي أباظة أو شادية للإسقاط على الحاضر، وأضافت أن ثقافة الماضي لا تزال مؤثرة بشدة، وأن الجمهور نفسه هو من يغذي هذه الحالة عبر منصات التواصل من خلال دعم كل ما هو “قديم” ورفض تام للحاضر، مما جعل السينما تقع في فخ إعادة إنتاج هذه المفارقات بدلاً من مواجهة الواقع.

الخلاصة: أزمة صناعة أم أزمة مجتمع؟

واختتمت ماجدة موريس رؤيتها النقدية بالإشارة إلى المعضلة التي تواجه الفن السابع حالياً، حيث بات من الصعب العثور على فيلم مصري يقدم قصة جميلة ومعاصرة دون الحاجة للارتداد إلى الماضي، مؤكدة أن الاعتماد المفرط للفيلم على “النوستالجيا” يضعنا أمام مواجهة حقيقية مع مشكلة تداخلت فيها أدوات الصناعة مع رغبة الجمهور في الهروب من حاضره.