
مقترح برلماني يحيي مطالب الخبراء بضرورة إنشاء وحدات دعم نفسي داخل المدارس
تقدم النائب زين العابدين كامل عضو مجلس الشيوخ باقتراح برغبة بشأن تفعيل ما ورد في منشور وزارة التربية والتعليم الخاص بإنشاء غرف للدعم النفسي للطلاب داخل جميع الإدارات التعليمية على مستوى الجمهورية، ويهدف الاقتراح إلى توفير بيئة تعليمية آمنة تساعد الطلاب على مواجهة الضغوط النفسية والسلوكية، وتعزز من قدرتهم على التحصيل الدراسي والتكيف داخل المدارس، من خلال وجود متخصصين يقدمون الدعم والإرشاد النفسي بشكل مستمر، ومن المقرر مناقشته اليوم الثلاثاء.
ويأتي هذا المقترح ليطرح على الساحة من جديد مطالب الخبراء على مدار السنوات الماضية بأهمية تواجد أخصائي نفسي داخل المدارس بكل المستويات، خاصة في ظل تحول سلوك الأطفال والمراهقين في المدارس إلى العدوانية، وارتفاع معدلات العنف داخل المدارس فيما بين الطلبة وبعضهم، سواء بمؤثرات خارجية أو داخلية.
معدلات العنف داخل المدارس
تشير الإحصاءات الرسمية لـمنظمة اليونيسيف بمصر في تقرير سابق لها، إلى أن قرابة 70% من الأطفال في مصر يتعرضون لشكل من أشكال العنف أو التنمر داخل المدارس، حيث يتعرض ما يقرب من تلميذ بين كل ثلاثة تلاميذ للعنف بشكل منتظم، وبدأ تنامي ظاهرة التنمر يتخذ منحنى أكثر حدة ويخرج عن جدران المدارس وبين الطلاب والأطفال، حتى يصبح بمثابة ظاهرة تبرز على السطح في المجتمع المصري ما بين الحين والآخر، وباتت مشاهد مقاطع الفيديو المصورة التي تروج لحوادث تنمر جزءًا لا يتجزأ من حياة المصريين في الآونة الأخيرة.
فضلا عن حوادث متعددة أثارت غضب الشارع المصري بسبب اعتداء الطلبة على زملائهم، بل وامتد الأمر إلى الفتيات أيضا كما حدث في وقائع شهيرة مثل واقعة مدرسة التجمع والتي اعتدت فيها طالبة وشقيقتها على تلميذة بالصف السادس الابتدائي، مما أدى لإصابتها بكسور متفرقة، وغيرها من الحوادث. بالإضافة أيضا إلى المشاكل الأسرية التي تؤثر على سلوك الطلبة داخل المدارس وتحصيلهم الدراسي، مما يبرز أهمية تقديم الدعم النفسي للطلاب.
بناء المدارس على حساب بناء الإنسان

ثمنت الدكتورة إيفا فارس عضو مجلس الشيوخ، مقترح النائب زين العابدين كامل قائلة أنه لا يتحدث عن خدمة جديدة فحسب، بل عن تغيير في فلسفة التعامل مع الإنسان من الاكتفاء بمعالجة النتائج إلى الاهتمام بالجذور، ومن قياس النجاح بالأرقام فقط إلى قياسه بقدرتنا على صناعة إنسان متوازن نفسيا، قادر على الحلم والعطاء والمشاركة في بناء وطنه، مشددة أن إنشاء مراكز دعم نفسي داخل المدارس أًصبح ضرورة حتمية، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها سلوكيات الطلاب داخل المدارس. وأضافت “فارس” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أنه في كثير من الأحيان ننشغل ببناء المدارس وننسى بناء الإنسان..
ملف لا يحتمل التأجيل
وأكدت على أن الصحة النفسية ليست ملفا هامشيا يمكن تأجيله، بل هي الأساس الذي تبنى عليه شخصية الإنسان وقدرته على التعلم والإبداع والانتماء، فالطفل الذي يشعر بالأمان النفسي يتعلم أفضل، والشاب الذي يجد من يستمع إليه قبل أن يحكم عليه يصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة وأقل عرضة للانجراف نحو العنف أو اليأس أو العزلة.
وأضافت: ” من هنا تأتي أهمية وجود أخصائي نفسي داخل المدارس، ليس باعتباره موظفاً إضافيًا في الهيكل الإداري بل باعتباره عينا ترى ما لا تظهره الدرجات، وأذن تسمع ما تعجز الكلمات أحيانا عن قوله وجسرًا يحمي أبناءنا من السقوط في مساحات الصمت المؤلم.
وأكدت أن مراكز الدعم النفسي ليست مجرد أماكن للعلاج وإنما رسائل حضارية تؤكد أن المجتمع الذي يحترم الإنسان لا ينتظر انكساره حتى يتحرك بل يمد له يد العون مبكرا ويؤمن أن الوقاية النفسية لا تقل أهمية عن الرعاية الصحية.
مطالبات التربويين

من جانبها أكدت الدكتورة بثينة عبدالرؤوف الخبير التربوي أن كل التربويين طالبوا مرارًار وتكرارًا بضرورة تواجد أخصائيين نفسيين داخل المدارس، منذ بداية تطبيق معايير الجودة التعليمية التي نصت على أهمية وجود الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، مشيرة إلى أنها طبقا لطبيعة عملها كمراقب جودة كانت تمر على المدارس ولا تجد أخصائي نفسي رغم تزايد الحاجة إليه، بينما تجد أخصائي اجتماعي.
اختلاف الأدوار بين الأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي
وأوضحت “عبدالرؤووف” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن دور الأخصائي الاجتماعي يختلف عن دور الأخصائي النفسي، فالأول يقتصر على دراسة الظروف الاجتماعية والأسرية للطالب والتواصل مع الأسرة عند الحاجة، بينما يتولى الأخصائي النفسي التعامل مع الاضطرابات والمشكلات النفسية الناتجة عن الضغوط الأسرية أو التنمر أو تأثيرات التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن الأخصائي الاجتماعي دوره توجيهي ويرسل تقريره للأخصائي النفسي.
انتشار المشكلات النفسية نتيجة تغير أنماط الحياة
وأكدت عبدالرؤوف أن الحاجة إلى الدعم النفسي أصبحت أكثر إلحاحًا في جميع المراحل التعليمية، ولا تقتصر على نوع معين من المدارس أو فئة اجتماعية بعينها، مشيرة إلى أن التطورات التكنولوجية وتغير أنماط الحياة جعلت المشكلات النفسية أكثر انتشارًا بين مختلف الفئات.
وتابعت أن الأخصائي النفسي ضروري وإجباري تواجده خاصة في مرحلة المراهقة أي مرحلتي الإعدادي والثانوي لما تشهده من تغيرات فسيولوجية ونفسية مع التأكيد على تواجد أخصائية نفسية للتعامل مع الطالبات وأخصائي نفسي مع الطلاب، لافتة إلى أنها كانت ترى سابقًا أن مرحلة الابتدائية لا تحتاج إلى توفير أخصائي نفسي إلا أنها الأن ترى ضرورية الأمر لكل المراحل.
كما لفتت إلى أن توفير خدمات الدعم النفسي داخل المدارس لم يكن خيارًا بل أصبح أمرا ملحًا وفي كل المدارس باختلاف مستوياتها حكومي وتجريبي وانترناشونال، فالجميع يحتاج إلى دعم نفسي، مؤكدة أن هذا التوجه سيسهم في التدخل المبكر لعلاج المشكلات السلوكية والاجتماعية والنفسية لدى الأطفال والمراهقين، بما يحد من تفاقمها مستقبلاً ويقلل من التطرف الفكري ومظاهر العنف والتنمر والسلوكيات العدوانية، وأن التعامل مع هذه القضايا يحتاج إلى متخصصين مؤهلين إلى جانب دور الأسرة.
أزمات الأطفال على طاولة الطب النفسي

أوضح الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن تقرير اليونيسيف يشير إلى أن نحو 20% من أطفال أي مجتمع يعانون من ضغوط نفسية، لافتًا إلى أن هذه النسبة قد تكون أعلى قليلًا في مصر، حيث يواجه عدد كبير من الأطفال ضغوطًا نفسية ومشكلات نمائية وسلوكية بصورة ملحوظة.
وأشار “هندي” في حديثه لـ”ليبرالي” إلى أن هناك أطفالًا يعانون من مشكلات في النمو، وعيوب في النطق والكلام، واضطراب فرط الحركة، فضلًا عن وجود حالات ضمن طيف التوحد، وأخرى تعاني من التأخر الدراسي، كما أن هناك أعدادًا كبيرة من أبناء الأسر المنفصلة أو حالات الطلاق يعانون بشدة داخل المدارس، وهو ما ينعكس سلبًا على تحصيلهم الدراسي ويؤدي إلى التأخر الدراسي.
وأضاف أن بعض الأطفال يعانون من سوء التكيف مع البيئة المدرسية، فيما يواجه آخرون مشكلة التأخر الصباحي أو التأرجح الدراسي وهذا مفهوم يختلف عن التأخر الدراسي، حيث يتذبذب مستواهم بين الارتفاع والانخفاض، بينما يعاني بعضهم من تأخر في مادة دراسية واحدة دون غيرها.
النتائج السلبية للضغوطات النفسية
وأكد أن الضغوط النفسية قد تؤدي إلى ظهور العديد من المشكلات السلوكية، مثل السرقة المرضية والغيرة المرضية، موضحًا أن نحو 3% من الأطفال في أي مجتمع يعانون من الاكتئاب، بالإضافة إلى قلق الانفصام، وتدني مستوى الذكاء لدى بعض الحالات، والإعاقات الذهنية أحيانًا، إلى جانب المشكلات المرتبطة بالغضب والعناد والكذب واضطرابات السلوك والتنمر وصعوبات التعلم.
وأوضح أن هذه المشكلات تنعكس في النهاية على مستوى التحصيل الدراسي، وتؤدي إلى التأخر الدراسي والسلوكيات العنيفة وإتلاف للممتلكات العامة داخل المدارس، مثل تخريب الحنفيات أو الكتابة على الجدران، وقد تتطور في بعض الأحيان إلى إيذاء الآخرين بدنيًا أو جسديًا أو جنسيًا، بل وقد تصل إلى أشكال أخرى أكثر خطورة.
وأشار إلى أنه عند الانتقال إلى مرحلة المراهقة، تظهر مشكلات أخرى، من بينها اضطراب الهوية واضطراب صورة الجسم، إضافة إلى السلوكيات الخطرة مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والمشكلات المرتبطة بالعلاقات العاطفية، وإدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية، فضلًا عن ارتفاع معدلات الإحباط بين الشباب.
الأخصائي الاجتماعي.. وظيفة بلا دور ملموس
وشدد هندي على أن المدرسة يجب أن يكون لها دور علاجي في التعامل مع حالات العنف والتنمر وأبناء الطلاق والمشكلات الناتجة عن الحوادث، وكذلك المشكلات المرتبطة بالعلاقة بين المعلمين والطلاب، كما ينبغي أن يكون للمدرسة دور إنمائي يتمثل في تنمية الذاكرة، وتعزيز قدرات الابتكار والإبداع والتخيل، واكتشاف المواهب في مجالات الموسيقى والرسم والرياضة والعمل على تنميتها، حيث أن بعض الأطفال يحتاجون إلى معاملة نفسية خاصة تتناسب مع طبيعة مشكلاتهم، لافتًا إلى أن حديثه يأتي من منطلق أن المدارس المصرية تقوم بتعيين أخصائي اجتماعي، لا علاقة له بكل ما نطالب به حيث أن الأخصائي الاجتماعي في المدارس لا يقوم بدوره الأساسي ويتعاملون معه “أنه جاي مع العفش”، إذ يقتصر في كثير من الأحيان على أعمال إدارية وتنظيمية بعيدة تمامًا عن الدعم النفسي والتربوي الحقيقي مثل الغياب وتصليح الحنفيات ومعاقبة الطلاب المتأخرين وأعمال أخرى، ساخرًا أن الإدارة تخصص له مكان في أسوأ مكان في المدرسة مثل غرفة تحت السلم وكرسي ب “3 رجول مربوط بحبل”، ووضع مزري لا يتماشى مع خطورة مرحلة الطفولة أو المراهقة.
وحدات دعم نفسي على مستوى الإدرات التعليمية
وأكد ضرورة إنشاء وحدة دعم نفسي داخل كل إدارة تعليمية، بدلًا من الاعتماد على أخصائي نفسي محدود الإمكانات أو على نظام الترقيات التقليدي، مشددًا على أهمية الاستعانة بكوادر متخصصة ومدربة تحصل على دورات تدريبية مستمرة، مع تفعيل بروتوكولات تعاون مع كليات التربية والآداب وأقسام علم النفس.
وأضاف أنه يجب أن تتوافر لدى الأخصائي سجلات متخصصة لرعاية الموهوبين والمتفوقين والمتأخرين دراسيًا والمتأرجحين دراسيًا وحالات التأخر الصباحي والمرضى، مع توثيق ما يتم مع كل حالة على حدة باعتبارها دراسة حالة فردية، بما يضمن وجود منهجية واضحة للتعامل النفسي والتربوي.
تعيين أخصائيين نفسيين مؤهلين
وأكد هندي على ضرورة وجود أخصائي نفسي مؤهل مدرب ويخضع لتدريب مستمر ودوري، وإنشاء وحدات دعم نفسي في المدارس الكبيرة، إلى جانب وحدات مماثلة داخل الإدارات التعليمية، بدلًا من الاكتفاء بمكاتب التوجيه الاجتماعي أو النفسي بالشكل التقليدي، مشددًا على أهمية منح الأطفال والطلاب مزيدًا من الاهتمام بما يتماشى مع توجهات الدولة في بناء الشخصية المصرية والإنسان المصري، وإعادة الاعتبار لدور المدرسة في بناء الإنسان، باعتبارها المؤسسة التي خرجت أجيالًا من العظماء.





