
تكشف التحركات الدولية الأخيرة بشأن السودان عن تحول لافت في طريقة تعامل القوى الإقليمية والدولية مع الصراع المستمر منذ سنوات، فبعد مراحل طويلة من التركيز على الوساطات الإنسانية ومحاولات وقف إطلاق النار، يبدو أن الاهتمام الدولة انتقل إلى سؤال أكثر أهمية: من سيقود السودان سياسيًا عندما تتوقف الحرب؟
مشاورات أديس أبابا
هذا السؤال كان حاضرًا بقوة في المشاورات التي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مطلع يونيو الجاري برعاية اللجنة الخماسية المعنية بالسودان، والتي تضم الاتحاد الأفريقي وإيجاد والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، كما ظهر بوضوح في البيان الدولي المشترك الذي انضمت إليه الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والمنظمات الدولية، والذي أكد أن الحل المستدام للأزمة السودانية يجب أن يكون عبر عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية.
في الظاهر يبدو البيان استمرارًا للمواقف الدولية التقليدية الداعية إلى وقف الحرب، لكن القراءة السياسية الأعمق تشير إلى أن المجتمع الدولي يحاول بناء إطار جديد لإدارة الأزمة السودانية، يقوم على نقل مركز الثقل السياسي من القوى العسكرية إلى القوى المدنية، وهذا التحول لا يأتي من فراغ، بل من قناعة متزايدة لدى العواصم المؤثرة بأن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف، وأن أيًا من الأطراف المتحاربة لا يملك القدرة على فرض انتصار حاسم يضمن له السيطرة الكاملة على البلاد.
المعادلة العسكرية في السودان
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن المعادلة العسكرية وصلت إلى حالة من التوازن السلبي؛ فلا الحرب توقفت ولا الحسم تحقق، وفي المقابل تتوسع الكلفة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، مع تزايد أعداد النازحين واللاجئين وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، لذلك بدأ المجتمع الدولي البحث عن مسار موازٍ للحرب، يتمثل في إعداد الأرضية السياسية لمرحلة ما بعد الصراع.
ومن هنا يمكن فهم الأهمية التي أوليت لمشاورات أديس أبابا، فالمطلوب لم يكن فقط جمع القوى السياسية السودانية، بل محاولة إنتاج مرجعية مدنية يمكن أن تشكل شريكًا سياسيًا للمجتمع الدولي في أي تسوية قادمة، ولهذا السبب حظيت سياسية ومدنية سودانية باهتمام خاص من الأطراف الدولية، باعتبارها أول محاولة منذ فترة طويلة لبناء مساحة توافق بين مكونات مدنية متباينة.
كما أن البيان الدولي الأخير لم يأت منفصلاً عن مخرجات مؤتمر برلين الخاص بالسودان الذي انعقد في أبريل الماضي، فقد سعت الدول المشاركة في المؤتمر إلى تأسيس إطار سياسي موحد للتعامل مع الأزمة، بعد سنوات من تعدد المبادرات وتضارب المسارات.
واعتمد المؤتمر ما عرف بـ”مبادئ برلين للسودان”، التي أكدت على وحدة البلاد ورفض تقسيمها ودعم الانتقال المدني وضرورة إنهاء الحرب عبر الوسائل السياسية.
ويلاحظ أن البيان الصادر بعد إجتماعات أديس أبابا أعاد التأكيد على هذه المبادئ بصورة واضحة، ما يعكس وجود رغبة دولية في تحويلها إلى مرجعية سياسية ملزمة لأي عملية تفاوضية مقبلة، كما أنه أرسل رسالة مباشرة إلى أطراف الصراع مفادها أن المجتمع الدولي لم يعد يرى في الخيار العسكري طريقًا واقعيًا لإنهاء الأزمة.

وتكتسب هذه الرسائل أهمية إضافية مع إعلان مساعد الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس دعم واشنطن الكامل للمسار الذي تقوده اللجنة الخماسية. فالإدارة الأمريكية تحاول خلال المرحلة الحالية استعادة دور أكثر نشاطًا في الملف السوداني، ليس فقط من زاوية الاستجابة الإنسانية، وإنما من زاوية التأثير في شكل التسوية السياسية المقبلة.
وتدرك الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيون أن استمرار الحرب يهدد بإنتاج واقع جديد داخل السودان يقوم على تعدد مراكز السلطة وتآكل مؤسسات الدولة، وهو سيناريو يحمل تداعيات أمنية تتجاوز الحدود السودانية إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل الافريقي، لذلك فإن التحرك الحالي لا ينطلق فقط من اعتبارات إنسانية، بل أيضاً من حسابات استراتيجية مرتبطة بأمن الإقليم واستقراره.
في المقابل؛ لا تزال هناك عقبات كبيرة أمام نجاح هذا المسار، فالقوى المدنية التي يعول عليها المجتمع الدولي ما زالت تعاني انقسامات سياسية وفكرية وتنظيمية عميقة، كما أن الأطراف العسكرية لا تزال تحتفظ بنفوذ واسع على الأرض، الأمر الذي يجعل أي عملية سياسية مستقبلية بحاجة إلى توازن دقيق بين متطلبات إنهاء الحرب ومتطلبات بناء سلطة مدنية مستقرة.
لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في تحويل التوافق الدولي الحالي إلى أدوات ضغط حقيقية على الأطراف المتحاربة، فالتاريخ القريب للأزمة السودانية يوضح أن البيانات الدولية وحدها لم تكن كافية لتغيير الوقائع الميدانية، ولذلك فإن نجاح المبادرة الجديدة سيتوقف على قدرة الأطراف الراعية لها على ربط المسار السياسي بحوافز وضغوط ملموسة تدفع المتحاربين نحو التفاوض.
في المجمل، تعكس اجتماعات أديس أبابا والبيان الدولي اللاحق لها بداية مرحلة جديدة في إدارة الأزمة السودانية، فالمجتمع الدولي لم يعد يركز فقط على كيفية وقف الحرب، بل بدأ يناقش بجدية شكل النظام السياسي الذي يمكن أن يحكم السودان بعد الحري، وبينما لا تزال المعارك مستمرة على الأرض، يجري في الكواليس سباق سياسي لتحديد من يمتلك شرعية تمثيل السودان في مرحلة ما بعد الصراع.
ولهذا فإن التحركات الأخيرة لا تمثل مجرد محاولة لإحياء عملية سياسية متعثرة، بل تعكس صراعاً أكثر عمقاً حول مستقبل الدولة السودانية نفسها، وطبيعة السلطة التي ستنبثق بعد انتهاء الحرب، والدور الذي ستلعبه القوى المدنية في رسم ملامح السودان الجديد.










