مصر 2050.. كيف ستكون الدولة المصرية بعد ربع قرن؟| خبراء وسياسيون يجيبون

لم يعد السؤال، كيف ستكون مصر بعد 25 عامًا؟ رفاهية فكرية أو تمرينًا في التوقعات، بل أصبح ضرورة تفرضها سرعة التحولات التي يشهدها العالم، فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل، والاقتصاد العالمي يبحث عن مراكز إنتاج جديدة، والسياسة تواجه تحديات غير مسبوقة، فيما تتغير مفاهيم التعلم والتنمية بوتيرة، لم تعرفها البشرية من قبل.

وفي خضم هذه المتغيرات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف ستبدو الدولة المصرية مع حلول عام 2050؟ وهل ستكون قادرة على تحويل تحديات اليوم إلى فرص للمستقبل، أم ستظل رهينة الأزمات الهيكلية التي تعيق انطلاقها؟

“ليبرالي” تفتح هذا الملف، وتستطلع آراء نخبة من الخبراء في السياسة والاقتصاد والسياحة والتعليم، لرسم ملامح مصر بعد ربع قرن، بين سيناريوهات الإصلاح، ورهانات التنمية، وطموحات بناء دولة أكثر قدرة على المنافسة.

السياسة.. ثلاثة سيناريوهات

يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، أستاذ العلوم السياسية وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، أن مستقبل النظام السياسي المصري حتى عام 2050، يدور حول ثلاثة سيناريوهات تتمثل في استمرار الوضع القائم، أو التغييرالشامل، أو الإصلاح التدريجي.

وأوضح “ربيع” أن السيناريو الأول يتمثل في بقاء نظام الحكم بشخصياته الحالية أو بشخصيات تتبنى النهج ذاته، وهو ما يضع الدولة أمام معضلة تتعلق بانتقال السلطة السياسية، حيث أن تنظيم مسألة الخلافة السياسية، حتى من الناحية الدستورية، لا يزال يواجه صعوبات، إذ لا توجد رؤية واضحة بشأن البديل في حال خروج الرئيس عبد الفتاح السيسي من المشهد السياسي، حيث أن استمرار الأوضاع على حالها ستكون له انعكاسات على مسارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والقضاء، بما قد يقود إلى تداعيات أكثر تعقيدًا.

وأضاف أن السيناريو الثاني يقوم على إحداث تغيير حقيقي يبدأ بإعادة تنظيم مسألة الخلافة السياسية، إلى جانب تطوير منظومة الحقوق والحريات وتفعيل الدستور حتى داخل السلطة التنفيذية التي يراها البعض الطرف الأقل في التمسك بالدستور وتطبيقه، الأمر الذي يستدعي مراجعة شاملة لـعدد من التشريعات، ليس في المجال السياسي فقط، وإنما في مختلف القوانين بما يتوافق مع المتغيرات الراهنة.

وأشار إلى أن هذا المسار يتطلب إعادة هيكلة النظام السياسي بما يرسخ نظامًا ديمقراطيًا أكثر توافقًا مع التحولات الداخلية والإقليمية والدولية، ويعزز استقلال القضاء، ويحرر وسائل الإعلام من القيود، فضلًا عن بناء نظام حزبي مستقل لا يعتمد على السلطة التنفيذية، وإصلاح النظام الانتخابي الحر النسبي  بما يضمن تمثيلًا أكثر تعبيرًا عن إرادة الناخبين بدلًا من نظام القائمة المطلقة “النظام الأغلبي”، وما يحقق توازنًا أفضل بالأخذ بالتمثيل النسبي.

الإصلاح.. كلمة السر

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في اتجاه النظام إلى تبني إصلاحات محددة تهدف إلى تحسين صورته وتعزيز شعبيته، مشيرًا إلى أن هذا المسار يقوم على ترميم النظام والحفاظ على استمراره، من خلال إدخال إصلاحات في النظام الحزبي والقضائي، ودعم دور المجتمع المدني، وإصلاح النظام الانتخابي، وتحسين أداء البرلمان، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلى جانب إتاحة آفاق أوسع لحرية الإعلام.

واختتم “ربيع” أن فرص التفاؤل لا تزال قائمة، لكنها مرهونة باستمرار المطالبة بالإصلاحات السياسية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن تحقيق انفراجة حقيقية لن يكون إلا عبر مسار إصلاحي جاد أو من خلال إحداث تغيير يستجيب لتطلعات المجتمع.

الاقتصاد


الدكتور رائد سلامة، الخبير الاقتصادي يرى أن التحدي الأكبر أمام مصر خلال العقود المقبلة، تتعلق بالعمل في قطاعات الاقتصاد المصري الثلاث (قطاع الاقتصاد العيني، قطاع الاقتصاد المالي، وقطاع الاقتصاد الاجتماعي)، في ظل أزمات أقليمية ودولية غير مسبوقة تلقي بظلالها على الاقتصاد المصري الكلي، بالإضافة إلى التحديات الناتجة عن المعضلات الهيكلية الكامنة في الاقتصاد المصري والتي تعيق تطويره ليصبح إقتصادا إنتاجيا تنمويا بدلا من كونه إقتصاد إستهلاكي ريعي. وعلى هذا النحو، فالتحدي الأكبر في تقديره وهو ما أرى ضرورة تسخير وحشد كل إمكانات المجتمع المصري لأجله، هو العمل على التحول لإقتصاد إنتاجي تنموى يقوم على دعامتين أساسيتين هما تطوير التصنيع وتحديث الزراعة.

وحول ما يمكن أن يصل حجم الاقتصاد المصري بحلول عام 2050، أكد “سلامة” أن مصر لديها إمكانات هائلة ويمكن، إذا ما استقرت الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية، أن تصل بحلول عام 2050 إلى مكانة مختلفة تماما، وهناك عدة تجارب عالمية يمكن دراستها لا لاستنساخها ولكن لاستلهام الدروس، ومنها تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتجربة البرازيل في مطلع هذا القرن،

وتابع حديثه قائًلا” من خلال تطوير الاقتصاد المصري الكلي بالتركيز على قطاعاته الثلاث: قطاع الاقتصاد العيني او الاقتصاد الحقيقي أي ما يتعلق بإنتاج السلع والخدمات، وقطاع الاقتصاد المالي أي ما يتعلق بالأمور المالية من مشكلات كالعجز والديون وفجوة الميزان التجاري والتضخم، وقطاع الاقتصاد الاجتماعي اي ما يتعلق بطرق التعامل مع زيادة معدلات التوظيف وخفض معدلات البطالة. وكانت وثيقة “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية” التي أصدرتها وزارة التخطيط أيام الوزيرة النشطة رانيا المشاط، مضيفا أظن أن وزير التخطيط الحالي يقوم بتحديثها، إذ أن هذه الوثيقة هي أفضل مثال للتخطيط العلمي للربط بين هذه القطاعات الثلاث وبعضها البعض، بحيث يحدث التكامل المطلوب لتحقيق هدف تطوير التصنيع وتحديث الزراعة بشكل يضمن توظيفا كاملا ويوفر العملة الأجنبية من خلال زيادة التصدير وخفض الاستيراد ويضمن التخفيف من حساسية الاقتصاد المصري لأية تغيرات يشهدها العالم بسبب الظروف الجيوسياسية، مع ضمان الوفاء بالالتزامات المالية التي لم تخفق مصر أبدا في سدادها.

وفي إطار حديثه عن القطاعات التي ستقود النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، أوضح أن المسألة لا تتعلق فقط “بالنمو” ولكن أيضا “بالتنمية”، فالنمو هو قياس كمي يرتبط بزيادة قيمة ما ينتجه المجتمع من سلع في فترة ما، بينما التنمية هي قياس نوعي يرتبط بتحسن مستوى المعيشة. وبالتالي فالموضوع في تصوري، يجب أن يرتكز على التصنيع ثم التصنيع ثم التصنيع لأجل توفير العملة الأجنبية بتخفيض الاستيراد وزيادة التصدير. والتصنيع الذي أقصده هو سلسلة متتالية من المراحل التحويلية بدءا من إستخراح المادة الخام وانتهاءا بتحويلها الي منتج نهائي عبر هذه السلسلة بالاعتماد على المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.

السياحة.. قاطرة الاقتصاد

قال محمد كارم، رئيس اللجنة العليا للسياحة بالحوار الوطني، إن الدولة أولت خلال الفترة الماضية اهتمامًا كبيرًا بقطاع السياحة، في إطار خطتها للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، موضحًا أن البداية كانت من خلال التطوير الكبير الذي شهدته البنية التحتية للمناطق الأثرية والسياحية.

وأضاف أن السياحة ستكون، من وجهة نظره، بحلول عام 2050 من أهم العناصر الأساسية للنهوض بالاقتصاد المصري، مؤكدًا أنها تُعد قاطرة التنمية للاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة. وأشار إلى أن الاكتشافات الأثرية التي تشهدها مصر بصورة يومية ستسهم بشكل كبير في تعزيز الانتشار العالمي للمقاصد الأثرية والسياحية المصرية، إلى جانب الاهتمام الكبير بالمتحف المصري الكبير، باعتباره أكبر متحف للحضارة على مستوى العالم، فضلًا عن استمرار جهود تنشيط وتطوير مختلف المناطق الأثرية والسياحية.

وأوضح كارم أن الأجندة السياحية المصرية لم تعد تقتصر على القاهرة والأقصر وأسوان وشرم الشيخ والغردقة، وإنما أصبحت تضم أيضًا مدينة العلمين والساحل الشمالي، إلى جانب الواحات ومنطقة الملك، فضلًا عن محافظتي سوهاج والمنيا، لافتًا إلى أن كل يوم يشهد إضافة منطقة سياحية جديدة إلى الأجندة السياحية المصرية، بما يعكس التنوع الكبير في المقومات السياحية التي تمتلكها مصر.

السياحة كنز مصر الدائم

وأشار إلى أن مصر تحتل، من وجهة نظره، المركز الأول في السياحة الثقافية، لما تضمه من جميع أشكال وأنماط الحضارة المصرية القديمة، والتي لا يوجد لها مثيل في أي دولة أخرى على مستوى العالم.

وأضاف أن مصر تتمتع كذلك بمقومات قوية في السياحة الشاطئية، من خلال البحرين المتوسط والأحمر، إلى جانب السياحة النيلية، في ظل وجود نهر النيل الذي يُعد أطول ممر نهري في العالم، فضلًا عن السياحة العلاجية والسياحة الاستشفائية، مؤكدًا أن هذه الأنماط تمثل إضافة مهمة للمنتج السياحي المصري، وأن أي نمط سياحي يمكن أن يجد مكانًا له داخل مصر.

وفيما يتعلق بالتنمية السياحية المستدامة، شدد كارم على ضرورة الحفاظ على تنظيم القطاع، منتقدًا ظهور بعض الأشخاص والكيانات التي تدّعي تمثيل النقابات أو التحدث باسم القطاع دون صفة، مؤكدًا أن هذا الأمر يحتاج إلى ضبط وتنظيم حفاظًا على مصلحة السياحة المصرية.

التعليم.. سباق المستقبل

وفي ملف التعليم قالت هبة صلاح الدين طه، المستشارة التعليمية في تطوير التعليم والتحول الرقمي، أن العالم تحولًا غير مسبوق في منظومة التعليم نتيجة التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يفرض على المؤسسات التعليمية الاستعداد المبكر لمستقبل مختلف تمامًا بحلول عام 2050.

وأضافت أنه لن يقتصر التعليم المستقبلي على التعلم الرقمي أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل سيتجه بصورة أكبر نحو التعلم القائم على البحث والاستكشاف وتنمية المهارات، ومن هنا تبرز أهمية الدمج المبكر والفعّال للمهارات الحياتية والعملية داخل العملية التعليمية، حتى لا تؤثر التحولات الرقمية سلبًا على قدرات الطلاب الاجتماعية والإبداعية.

وتوقعت أن يُحدث التأثير الرقمي تغييرًا جذريًا في مستوى الطلاب عالميًا، مما يمنح الطالب المصري فرصة أكبر للمنافسة الدولية، ويضعه على قدم المساواة مع أقرانه في مختلف دول العالم إذا ما تم إعداد منظومة تعليمية حديثة تواكب هذه المتغيرات، كما سيشهد قطاع التعليم العالي تطورًا ملحوظًا، حيث سيعتمد تصنيف الجامعات المصرية بشكل متزايد على جودة الخدمات التعليمية المقدمة، ومدى توافقها مع المعايير العالمية ومؤشرات الأداء والتقييم الدولية، وهو ما يتطلب استمرار جهود التطوير والتحديث خلال المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أكدت أن التغير سيكون تدريجيًا لكنه عميق التأثير، من خلال دمج الطلاب في أدوار ومهام عملية داخل المدارس، تجمع بين التفاعل الاجتماعي والأنشطة العلمية والأدبية والإبداعية. فهذه الممارسات تسهم في بناء شخصية الطالب وإعداده للحياة الجامعية وسوق العمل المستقبلي.

وشددت على أن تتجاوز نظم التقييم والامتحانات، قياس الحفظ والاسترجاع إلى قياس الفروق الفردية، ومهارات البحث والتحليل والتفكير النقدي، مع ربطها بالنواتج التعليمية المستهدفة وفق معايير علمية يتم تحديثها باستمرار بما يتوافق مع المعارف والمهارات التي يكتسبها الطالب.

أشارت إلى أنه لتحقيق ذلك، تصبح الإصلاحات التعليمية السريعة ضرورة وطنية، من خلال ربط التعليم المدرسي باحتياجات الجامعات وسوق العمل، وتطوير المناهج الدراسية، وتأهيل المعلمين والعاملين بالقطاع التعليمي عبر برامج تدريبية وورش عمل تستند إلى أفضل الممارسات والمعايير العالمية.

واختتمت “صلاح الدين” حديثها أن المستقبل يشهد سباقًا عالميًا حقيقيًا، ولن يكون النجاح فيه من نصيب الأكثر امتلاكًا للتكنولوجيا فقط، بل لمن يمتلك القدرة على مواكبة التطورات، وسرعة التكيف مع التغيير الرقمي، وبناء أجيال قادرة على التعلم المستمر والإبداع والمنافسة على المستوى الدولي، حيث أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في بناء إنسان قادر على توظيفها بوعي وإبداع، وتحويلها إلى قيمة مضافة للوطن والمجتمع.

2050.. محطة زمنية مفتوحة

ويبقى عام 2050 محطة زمنية مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن ما يجمع عليه الخبراء هو أن مستقبل مصر لن تصنعه التوقعات وحدها، وإنما القرارات التي تتخذ اليوم، وقدرة الدولة على الاستثمار في الإنسان، وترسيخ الإصلاح، وبناء اقتصاد منتج، وتعليم حديث، ومؤسسات أكثر كفاءة، بما يضمن أن تدخل مصر منتصف القرن وهي أكثر استعدادًا لمنافسة عالم يتغير كل يوم.