
تشهد أروقة مجلس النواب، غداً الاثنين، مواجهة رقابية حاسمة، عقب تقدم المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، مدعومًا بعشرين عضوًا آخرين، بطلب مناقشة عامة عاجل لبحث أزمة تأخر صرف تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة.
وتأتي هذه الخطوة وسط حالة من الاستياء البرلماني المتزايد إزاء آليات التنفيذ الحكومية التي وُصفت بأنها “تخالف نصوص الدستور بشكل صريح وتتسبب في أضرار اجتماعية واقتصادية بالغة لآلاف الأسر”.
انحراف عن النص الدستوري والقانوني
تتمحور الأزمة حول غياب التنسيق الحكومي وتأخر صرف التعويضات المالية للمواطنين الذين تم إخلاء عقاراتهم لإقامة مشروعات قومية. ووفقًا للمعلومات المسجلة، فإن الممارسات الفعلية على الأرض تشهد انحرافًا حادًا عن المسار الذي رسمه القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، وكذا المادة 35 من الدستور المصري.
وينص الدستور بوضوح على أن نزع الملكية لا يكون إلا للمنفعة العامة ومقابل “تعويض عادل يُصرف مقدمًا”.
إلا أن الواقع العملي يكشف عن تقاضي المواطن المتضرر نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% فقط من القيمة التقديرية للعقار قبل الإخلاء، مع إجباره على مغادرة مسكنه، لتبدأ بعد ذلك رحلة بيروقراطية تمتد لسنوات للمطالبة بباقي مستحقاته المالية.
أكد المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة ومقدم طلب المناقشة، في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن الواقع المعيشي للمتضررين بات مأساويًا، “حيث يتفاجأ المواطن بأنه لكي يتقاضى المتبقي من قيمة التعويض، يظل يتردد على الجهات الحكومية لمدد تصل إلى أربع أو خمس سنوات، تكون خلالها القيمة السوقية للعقارات قد تضاعفت بفعل معدلات التضخم، مما يجعل التعويض المالي اللاحق فاقدًا لقيمته الشرائية، وعاجزًا عن توفير مسكن بديل في ذات المنطقة، وهو ما يعكس غياب المفهوم الحقيقي للتعويض العادل.
خريطة المتضررين ومحاور الإزالة بالجيزة
نوه “منصور”، أن التقديرات الميدانية تشير إلى أن المتضررين يبلغ عددهم عشرات الآلاف، لا سيما في نطاق محافظة الجيزة التي شهدت توسعات واسعة في شبكات الطرق والمحاور القومية.
وفي هذا السياق، أوضح “منصور” أنه رصد ميدانيًا آلاف الحالات التي واجهت أزمات حادة جراء أعمال الإزالات دون تسوية ماليّة مسبقة لكامل المستحقات، وتحديدًا في عدة محاور رئيسية أبرزها:
الطريق الدائري توسعات شاملة وإزالات لعقارات متعارضة مع مسار المشروع.
محور عمرو بن العاص إخلاء مئات الأسر وتأخر تسوية مستحقاتهم المالية لسنوات.
محور الفريق كمال عامر صرف دفعات مقدمة ضئيلة لا تتجاوز 15% واضطرار الأهالي للاستئجار.
امتداد شارع ترسا تكدس ملفات التعويضات دون البت النهائي في الصرف الفعلي.
وقد أسفرت هذه الآلية عن استنزاف الدفعات المالية المقدمة الضئيلة التي تسلمها الأهالي في سداد إيجارات مؤقتة لوحدات بديلة على مدار سنوات الانتظار، مما فاقم من الأعباء المعيشية على الأسر المنزوع ملكيتها.
هيئة المساحة في مرمى الاتهام
وأردف وكيل لجنة القوى العاملة: أن هناك مفارقة إدارية، حيث تقوم الوزارات الخدمية المعنية بالمشروعات (مثل وزارات النقل، الإسكان، والتنمية المحلية) بدورها في تحويل المخصصات المالية المعتمدة للتعويضات، إلا أن العثرة الحقيقية تقع داخل “هيئة المساحة” التابعة لوزارة الموارد المائية والري.
وتواجه الهيئة اتهامات نيابية صريحة بالتقاعس الإداري وتجميد الملفات بدعاوى واهية، أبرزها العجز الشديد في عدد الموظفين وخروج قطاع كبير منهم إلى التقاعد دون توفير بدلاء، مما أدى إلى تكدس آلاف الملفات لسنوات دون مراجعة أو صرف.
استجواب مرتقب
أكدت المصادر البرلمانية أن كافة أدوات الرقابة التقليدية، من طلبات إحاطة وأسئلة برلمانية وجهت لوزير الموارد المائية والري على مدار العامين الماضيين، جابهتها الحكومة بـ “التهرب المستمر”، حيث رصدت التقارير عدم حضور الوزير المعني لأي من جلسات اللجان المشتركة لمناقشة طلبات الإحاطة، بجانب تجنب المواجهة المباشرة خلال لقاءات النواب الدورية.
وتابع منصور: “أمام هذا الانسداد الإداري، قرر النواب اللجوء إلى “طلب المناقشة العامة” لتحديد جلسة عامة يحضرها رئيس مجلس الوزراء أو من ينوب عنه لوضع جدول زمني ملزم للصرف، وفي حال عدم إنهاء هذه الأزمة وصرف كامل المستحقات للمواطنين خلال فترة الثلاثة أشهر المقبلة”، معلناً بوضوح اعتزام النواب التقدم بـ “استجواب رسمي” مع بدء دور الانعقاد القادم في شهر أكتوبر 2026.
وأكد، أن الاستجواب القادم لن يقتصر على وزير الري فحسب، بل سيتوجه مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء بصفته المسؤول الأول عن السياسة العامة للحكومة وعن كفالة تنفيذ النصوص الدستورية وحماية حقوق المواطنين من البيروقراطية الإدارية التي باتت تهدد السلم الاجتماعي لآلاف الأسر.





