في ذكرى رحيله.. سحر نوح تفتح الصندوق الأسود لـ”ليبرالي”: والدي باع بيته ليسدد ديون المسرح ومبارك كان يكرهه بسبب حب السادات له

غنى “أزرع القمح في سنين يطلع القرع في ثواني”.. فكانت سببًا في اعتقاله

رفض الغناء باسم أي رئيس لقناعته بأن الأشخاص زائلون والوطن باقٍ

قال عنه الكاتب الكبير أنيس منصور إنه يبكي حب الوطن طربًا، بينما وصفه الكاتب يوسف إدريس بأن غناءه يهز عرش الجمال. إنه الموسيقار الكبير الراحل محمد نوح الذى يُعد واحدًا من الفنانين الذين شعروا بأهمية دورهم في عالم السياسة، ولم يبتعد عن المجتمع ومشاكله، ولم يكتف فقط بالتعبير عنه منذ شبابه كان شريكا فاعلا في كل ما تمر به مصر من أحداث.

 حاول محمد من نوح من خلال أغنيته الشهيرة ”مدد مدد مدد شدى حيلك يا بلد” التي لحنها وغناها بعد هزيمة 1967، أن ينادي على مصر، التي بدت وقتها حزينة منكسرة، فحاول بهذه الأغنية وبأغانٍ أخرى مثل ”الله حي بكرة جاي” أن يشعل حماس المصريين ويزيح عنهم هم الهزيمة والانكسار، مخالفًا بذلك التعليمات التي طُلبت من الفنانين، بتقديم أغانٍ وأعمال فنية خفيفة تجعل المصريين ينسون مرارة الهزيمة، لكن نوح كان له رأى آخر، فقدم ”شدى حيلك يا بلد”، لإثارة حماس الطلبة والشباب، فتم اعتقاله على إثرها، وأصدر وزير الثقافة آنذاك يوسف السباعي قرارًا بحذف اسم محمد نوح من تيترات الأعمال التليفزيونية، ومنع من ممارسة أي عمل فنى، حتى قامت حرب أكتوبر لتكسر حصار نوح، ويعود من جديد لفنه.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التى تعرض فيها نوح لظلم، فعندما أنشأ مسرحه الخاص على قطعة أرض يمتلكها قدم مسرحية عنوانها ”سحلب” بطولة حسين فهمي وليلى علوي، وكانت تهاجم أساليب التعامل مع المواطنين وقتها، وكيف كانت تلفق التهم لأشخاص أبرياء، فصدر قرار بإغلاق المسرح، وبعدها بأيام وجد نوح قوات وسيارات مدرعة تأتي لمسرحه، وتطلب من المتواجدين بداخله الخروج لهدمه، فذهب “نوح” للضابط المكلف بتنفيذ الأوامر، وأوضح له أن المسرح ملكه هو والأرض المبني عليها، فقال له إن هذه أوامر وستنفذ، وسيتم أخذ الأرض، وقد كان بالفعل، لتؤثر هذه الواقعة تأثيرًا كبيرًا في نفسه، ويُصاب بجلطة نُقل على أثرها على طائرة خاصة لباريس، لأنه كان بين “الحياة والموت”.

سحر نوح الابنة الكبرى لمحمد نوح، تكشف لنا في هذا الحوار أسرارًا تُنشر لأول مرة وكواليس من حياة والدها الفنان الكبير الراحل، في ذكراه الرابعة عشرة، إذ وُلد في الأول من يناير لعام 1937، وتُوفي بعد رحلة عطاء كبيرة للفن والموسيقى في الخامس من أغسطس لعام 2012.

ما الذي كان يؤمن به والدك الفنان الكبير الراحل محمد نوح؟
والدي بلا شك كان يؤمن بأن الفن وسيلة للارتقاء بالمجتمع وقيمه، وهذا ما دفعه لإنشاء مسرح خاص به يقدم على خشبته فنًا حقيقيًا يتفق مع مبادئه وأفكاره، لكن سرعان ما ضاع حلمه وخسر الملايين، بسبب مسرحية انتقد فيها الظلم والقهر والظلم فى نظام مبارك، وكان والدي قد اُعتقل بسبب أعماله الفنية فى عهد عبد الناصر ، كما اُعتقل في عهد الرئيس السادات بعدما شعر بأن والدي سخر منه في مسرحيتيه ”كلام فارغ” و”كلام فارغ جدًا”، ولكنه عاد ليعفو عنه بعدما أرسل له والدي شريطًا مسجلا عليه المسرحيتان ليسمعهما، فقابله السادات وأصبحا صديقين، وغنى والدى في أفراح أبناء الرئيس السادات.

كنت طفلة حينما اُعتقل والدي في عهد الرئيس عبد الناصر، لكنه حكى أنه وقت النكسة غني ضد النكسة والخداع والهزيمة، واعتقل بسبب تلك الأغاني أكثر من مرة، الأولي كانت 3 أشهر، والثانية 10 أيام.

ومن الحكايات التى قالها لى إن أحد الضباط قال له “أنت بتجيب منين كلام الأغانى دى؟! فرد عليه والدى “من الناس، آخده وألحنه وأغنيه”، فقال له هذا الضابط: إن بعض كلمات هذه الأغاني تخصه، بعدها “بقوا أصحاب”، وهذا الضابط لا أذكر اسمه لكنه صار شخصا مهما ووالدى غنى له كثيرا بعد ذلك.

 و ماذا عن الاعتقال في عهد الرئيس السادات؟
والدى اُعتقل فى عهد الرئيس السادات، بسبب مسرحيته “كلام فارغ” التي كتبها الكاتب الكبير الساخر أحمد رجب، وشارك في بطولتها العديد من النجوم مثل: حسن حسني، وجمال إسماعيل، وسلامة إلياس، وعفاف رشاد، وأحمد حلاوة وإخراج سمير العصفوري، والاعتقال كان بسبب أغنية الكوسة، التي غنى فيها: (يا بلدنا يا اللى كل حاجة فيكى محيرانى.. أزرع القمح فى سنين يطلع القرع في ثواني)، وبسبب تلك الأغنية جرى اعتقال والدي، لكن العزيزة الراحلة كاميليا السادات طلبت من والدها أن يسمع الأغنية، وبالفعل طلب الرئيس السادات أغانى المسرحية التي كان الكاتب الكبير الراحل أحمد رجب “بيتريق” فيها على الفساد والرشاوى والتليفونات، والفراخ الفاسدة وانتفاضة الخبز، المهم الرئيس السادات حينما سمع أغاني المسرحية ضحك، وأصدر قرارا بالإفراج عن والدي، كما صارا صديقين.

والمضحك، أن الرئيس السادات في كل حفلة كان يطلب من والدي أن يغني تلك الأغنية ويغنيها معه، وأذكر أنه من صداقته القوية لوالدي كان يرسل له أقمشة الجلاليب التي يرتديها، وأرسل لي “كلبا “أسميته لورد، وظل معي حوالي عشر سنوات تقريبًا، كما كان يرسل لنا “برتقالًا” من مزرعته الخاصة، ووالدي انتظره فى المطار بعد عودته بعد توقيع اتفاقية السلام وغنى له.

 هل فعلا والدك رفض الغناء باسم أي رئيس جمهورية؟
هذا حقيقي والدي رفض الغناء باسم أي رئيس في مصر بما فيهم الرئيس السادات الصديق المقرب وقال لي إن هذه النوعية من الأغانى ستموت بموت الرئيس، فالأشخاص زائلون لكن الوطن باقي.

 رأيتِ الرئيس السادات.. ماذا عن انطباعاتك الأولى له؟
فعلا رأيت الرئيس السادات فى إحدى المرات وأنا طفلة، وكنت مرعوبة لأنني لم أكن تعرفه، لكني كنت أدرك أنه شخصية مهمة من كثرة الحرس من حوله، كنت وقتها في حفل لوالدي، لكن فضلت أن أكون بعيدة، ورآني الرئيس السادات فشاور لي ” عشان أروح له “، ووسع لي بكرسيه وأجلسني بجانبه، وظل يطبطب عليّ ويطمئنني، هذا الموقف لم ولن أنساه، كان موقفًا أبويا جدا.

أذكر كذلك أن حب الرئيس السادات لوالدي “كان سببا في كراهية الرئيس مبارك له، وأمم مسرحه فى وقت لم يكن هناك أي تأميم، وأعتقد أن السبب فى ذلك أنه رأى أن والدي بهذا المسرح يُنشئ وزارة موازية.

 ماذا عن المكالمة التي أُخبرتِ فيها بأن مسرح والدِك سيتم هدمه؟
لقد كان موقفا لا يُنسى، حينما تلقيت اتصالا هاتفيا في الثامنة صباحا من شخص يخبرنا أن المسرح سيتم هدمه، نزلنا نجرى، ووجدنا بعض القوات التى تكسر رخام المبنى، وأخذت الأرض كما ذكرت لك، وهناك سر أقوله لأول مرة، أن والدى ظل يسدد ديونه بسبب هذا المسرح حتى وفاته، لدرجة أنه باع بيت العجمى، فقد اشترى أجهزة صوت من سويسرا ولندن، وتعرض بعد هذا الموقف لأزمة صحية كبيرة، وأصيب بجلطة نُقل على أثرها بطائرة أحد أصدقائه إلى فرنسا، وأذكر أن الفضل فى ذلك للدكتور إسماعيل سلام الذي أشار علينا بضرورة السفر للخارج لإنقاذه؛ “وسافر بالجلابية”، وكنت أدرس وقتها فى فرنسا، وعلي فكرة د. إسماعيل سلام كان وزيرا للصحة وقتها، لكنه من أصدقاء والدى المقربين.

وحينما تعافى والدى وتم إنقاذ حياته، عاد من مدينة النور محبطا، ولا يرغب في تقديم أي شىء، لكنه انتفض من جديد بعد هوجة اعتزال بعض الفنانات، والحجاب وخروجهن بمقولة: إن الفن حرام، قال لنا: “هنغني للناس كل الناس، هنروح للحوارى والبيوت”، الفن ليس حراما، وأذكر جملته الشهيرة: “أنا حججت أمى من فلوس الفن، وعلمت ولادى كذلك، الفن ليس حراما على الإطلاق”

 ما أكثر الحفلات التي علقت بذاكرتك ولها ذكريات خاصة؟
أهم الحفلات التى ما زالت كواليسها عالقة فى ذهنى، كانت حفلة فى مدينة المنزلة، حيث غنينا فوق سطوح أحد المنازل هناك، كما شاركنا في 4 حفلات بين أضواء المدينة وليالي التليفزيون، لكنني أعترف أن تلك الحفلات لم تكن ألطف شىء، لأن المسئولين عنها كانوا يضعون لنا العراقيل، ويريدون إفساد فقرتنا، مثلًا يلعبون في الصوت، يأخذون البيانو الذى أرسلته، وهو ملكى، ويضعونه في فقرة قبلى على سبيل المثال لإيمان البحر درويش، وأشياء من هذا القبيل من أجل أن نكون فقرة محروقة؛ لأننا لم نكن على هواهم.

ما ملامح الفرقة التي كونها محمد نوح؟
كوّن والدي فرقة موسيقة وهي “النهار”، واشتهرت بأغانيه الوطنية الحماسية، كما تعاون مع العديد من المطربين البارزين أمثال: علي الحجار ومحمد الحلو ومحمد ثروت وغيرهم، ولم تقف موهبته عند الموسيقى، وتولى إخراج عمل سينمائي بعنوان: “رحلة العائلة المقدسة”.