ظاهره التسول من سلوك مرفوض إلى مهنة علنية!
منذ سنوات وأنا لا أجلس بمفردي في الكافيهات بسبب ضيق الوقت وانشغالي الدائم.
لكن في الليلة الماضية قررت أن أخرج للمشي قليلًا من أجل الرياضة، ولما شعرت بالتعب جلست على مائدة في كافيه تابع لفندق شهير يطل على البحر، فقط لأستريح وأتناول مشروبًا.
كنت أظن أنني سأحصل على بعض الهدوء بعد المشي…
لكنني لم أعرف معنى الراحة طوال الجلسة!.
فخلال ما يقرب من خمسة وأربعين دقيقة فقط، تعرضت لسبعة أو ثمانية أشخاص يطلبون المال، من أعمار مختلفة، حتى أصبحت أشعر أنني أجلس في شارع لا في مكان يفترض أن يكون مخصصًا لكافتيريا الفندق.
والأكثر لفتًا لانتباهي أن من بينهم أطفالًا صغارًا، لا توحي ملامحهم أو ملابسهم بأنهم أطفال شوارع بالمعنى التقليدي الذي اعتدناه.
وكان من بين هؤلاء الأطفال طفل يبكي، ونصفه الأعلى عارٍ، ويقول:
“أنا جعان.. مكلتش حاجة طول اليوم”.
ولا أعرف هل كان بكاؤه حقيقيًا أم جزءًا من أسلوب لاستدرار عطف الناس، لكنني لم أستطع أن أتجاهله، فأعطيته بعض المال.
أما باقي المتسولين فلم أستجب لهم.
وهنا بدأت أسأل نفسي:
ماذا حدث في مجتمعنا؟.
متى تحول التسول من سلوك كان صاحبه يمارسه في أضيق الحدود وبقدر من الخجل، إلى مشهد أصبح يتكرر أمامنا بصورة لافتة، حتى بدا وكأنه أمر طبيعي أو حق مكتسب؟.
في الماضي، كان المجتمع ينظر إلى التسول باعتباره أمرًا استثنائيًا، وغالبًا ما كان الشخص الذي يمد يده يبرر ذلك بعجز جسدي أو مرض أو فقدان القدرة على العمل.
أما اليوم، فنحن أمام صورة أكثر تعقيدًا.
أشخاص قادرون على الحركة والعمل، وشباب في سن الإنتاج، وأطفال يتم دفعهم إلى الشارع، وكل واحد منهم يملك قصة أو حجة أو طريقة مختلفة لاستدرار تعاطف الناس.
وبالطبع، لا يمكن أن نضع جميع المتسولين في سلة واحدة.
فهناك إنسان فقير فعلًا، وهناك مريض، وهناك مسن، وهناك من فقد مصدر رزقه، وهناك أسرة لا تجد قوت يومها.
وهؤلاء لا يحتاجون منا إلى الإدانة، وإنما إلى الحماية والرعاية وفرصة حقيقية للحياة الكريمة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التسول من حالة اضطرار إلى أسلوب حياة.
وعندما يصبح الحصول على المال من الناس أسهل من البحث عن عمل، كما يحدث من أنواع التسول المقنعة والمغلفة بالبلطجه مثل الذين ينتشرون في أماكن انتظار السيارات دون ترخيص ويطالبون الناس بالمال وهي في الحقيقة إتاوة مقابل عدم تخريب سيارة من يمتنع عن الدفع لهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل الفقر وحده هو السبب؟.
أم أن وراء الظاهرة عوامل أخرى؟.
هل هو الجهل؟.
هل هو التفكك الأسري؟.
هل هو ضعف التربية؟.
هل هو إهمال الأطفال؟.
هل بعض الأسر تشجع أبناءها على التسول لأنه مصدر دخل سريع؟.
هل هناك استغلال منظم للأطفال؟.
أم كل ما سبق !!!.
وهل القوانين الموجودة يتم تطبيقها بالشكل الكافي، أم أن المشكلة أصبحت أكبر من مجرد نص قانوني؟.
لقد لفت نظري في تجربتي الأخيرة شيء آخر.
فبعض من يطلبون المال أصبح يتعامل مع الأمر بجرأة شديدة، وكأن المجتمع أصبح مطالبًا بأن يعطيه لمجرد أنه طلب.
وهذه أخطر نقطة في القضية.
لأننا إذا تعاملنا مع التسول باعتباره مجرد مشكلة مال، فسوف نعالج العرض ونترك المرض.
المشكلة الحقيقية ليست في اليد التي تمتد فقط، وإنما في العقل الذي تعود على أن تمتد بدلًا من أن تعمل.
وهذا يقودني إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة :
نجد بعض الشباب والأطفال أيضا يتركون التعليم بحثًا عن المال السريع، فيعملون في أي شيء يدر دخلًا يوميًا، مثل قيادة التوك توك أو غيرها من الأعمال التي قد توفر دخلًا في اللحظة الحالية، لكنها لا تمنح بالضرورة مهارة أو مستقبلًا آمنًا.
أنا لا أقلل من قيمة أي عمل شريف.
على العكس تمامًا.
كل عمل شريف أفضل من مد اليد.
لكنني أتحدث عن عقلية “أريد المال الآن” دون أن أفكر: ماذا سأفعل بعد خمس سنوات؟ وما المهارة التي أمتلكها؟ وكيف سأبني مستقبلي؟.
وهنا تكمن القنبلة الموقوتة.
شاب لا يتعلم، ولا يكتسب مهارة، ولا يخطط لمستقبله، ويعتاد الحصول على المال بأقصر الطرق، ثم يصبح بعد سنوات أكثر اعتمادًا على الآخرين وأقل قدرة على الإنتاج.
إن هذه الظاهرة لا تضر الفرد وحده ، انها تضر المجتمع كله.
ماذا لو غيرنا طريقة التعامل تلك الظواهر ؟.
لو كانت في يدي مقاليد الأمور، فلن أكتفي بمطاردة المتسولين من الشوارع.
سأبحث أولًا عن القادرين منهم على العمل.
سأجمعهم في مراكز متخصصة، بعد دراسة اجتماعية حقيقية لكل حالة، ثم أوفر لهم برامج تدريب مهني مكثفة على أيدي مدربين متخصصين.
نمهد لكل شخص طريقًا إلى العمل بحسب قدراته:
حرف وصناعات صغيرة، أعمال نظافة، زراعة، إنتاج غذائي، مشروعات يدوية، إعادة تدوير، خدمات، أو أي مجال يستطيع أن يتعلمه ويحقق منه دخلًا حلالًا.
والأهم من التدريب المهني هو إعادة بناء الإنسان نفسه.
نريد أن نغرس داخل وجدانه قيمة العمل ، أن نعلمه الإحساس بالمسؤولية. أن يعرف الكرامة الحقيقية في الطريقة التي يحصل بها على المال.
وأن نغرس في الأطفال والشباب معنى الاعتماد على النفس والانتماء للمجتمع واحترام العمل.
وهنا يأتي دور الجمعيات الأهلية.
أعتقد أن للجمعيات الأهلية دورًا أساسيًا في مواجهة هذه الظاهرة، ليس فقط من خلال توزيع الطعام والبطاطين والملابس، رغم أهمية ذلك في الحالات المستحقة، وإنما من خلال الانتقال من ثقافة الإعانة إلى ثقافة التمكين.
وبكل احترام، ليست مهمتنا أن نهاجم الجمعيات الأهلية، فهناك جمعيات محترمة تقوم بعمل عظيم ولا يجوز أن ننكر جهودها.
لكننا نريد أن نرى أثرًا أكبر وأعمق.
لا يجب أن ننتظر الصدفه لنرى الأطفال والعجزه من المتسولين في فيديوهات أو صور على السوشيال ميديا التي قد تعرض حالاتهم وتدل على أماكنهم ثم تقوم الجهات المعنية لإنقاذهم .. وأين الباقي إذن ؟.
نريد جمعيات تنزل إلى الشارع، وتحصر الحالات، وتفرق بين المحتاج الحقيقي والقادر على العمل، وبين الطفل الذي يحتاج حماية والأسرة التي تستغله، وبين الإنسان الذي يحتاج مساعدة مؤقتة والإنسان الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل.
كما أننا نريد رجال الأعمال تتعاون بفاعلية أكبر وأوسع مع الجمعيات ومراكز التدريب ووزارة التضامن ومؤسسات الدولة، لتوفير فرص عمل حقيقية لمن يستطيع العمل.
فالعطاء قيمة عظيمة، والرحمة بالفقراء واجب إنساني وديني، لكن المساعدة العشوائية قد لا تكون دائمًا هي الحل.
أحيانًا يكون أفضل ما تقدمه لإنسان محتاج هو أن تساعده في الوصول إلى علاج، أو وظيفة، أو تدريب، أو مشروع صغير، أو جهة تستطيع رعايته.
وفي النهاية، لا أعتقد أن القضاء على التسول يكون بمنع الناس من التعاطف، ولا بتجريم الفقر فالفقر ليس جريمة ،والاحتياج ليس عيبًا.
لكن تحويل التسول إلى مهنة، واستغلال الأطفال، وتشجيع القادرين على ترك العمل و مد اليد وكأنه مصدر رزق دائم ! هذا سلوك مرفوض تماما ويحتاج إلى مواجهة جادة.
إنني لا أستنكر وجود الفقراء والمحتاجين.
بل أستنكر وجود مجتمع يرى الفقير يمارس التسول ثم يتركه دون مد يده العون له .
فربما يكون أعظم مشروع خيري يمكن أن نقدمه للمتسول ليس جنيهًا في يده…
وإنما عملًا يحفظ له كرامته.



