عربي ودولي

زعماء العالم في الأمم المتحدة بين التهديدات والادعاءات وانتقادات النظام العالمي

شهدت اجتماعات الجمعية العامة في الأمم المتحدة سجالًا واسعًا حول مستقبل النظام العالمي، في ظل خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استعرض خلاله رؤية تعتمد على توظيف القوة، بالتزامن مع انتقادات وجهها عدد من زعماء العالم إلى السياسات الدولية الراهنة، والحروب والنزاعات التي تشهدها مناطق مختلفة.

ترامب أمام الأمم المتحدة.. تهديدات وانتقادات

طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال كلمته أمام الجمعية العامة رؤيته للقوة القائمة على مبدأ «الفائز يستحوذ على كل شيء»، كما أبدى تشكيكًا في جدوى الأمم المتحدة، في خطاب عكس رفضًا أمريكيًا للمفهوم الذي قامت عليه المنظمة عام 1945، والمتمثل في «إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب».

وتطرق ترامب إلى الحرب مع إيران، موضحًا أنه وحده من سيقرر ما إذا كان سيبرم اتفاقًا مع قادة طهران أم سيقوم بـ«إبادة الجمهورية الإسلامية»، قائلًا إن مسؤولين أمريكيين عقدوا اجتماعًا «جيدًا للغاية» مع الوفد الإيراني، مشيرًا إلى أن اللقاء استمر نحو ثلاث ساعات.

كما تحدث ترامب عن الحروب التي قال إنه نجح في إنهائها منذ توليه منصبه، مؤكدًا أنه حسم ثمانية صراعات، وهي تصريحات خضعت لانتقادات وتدقيق بشأن مدى دقتها.

الحروب التي ذكرها ترامب

شملت قائمة ترامب الصراعات بين كمبوديا وتايلاند، وكوسوفو وصربيا، ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والهند وباكستان، وأرمينيا وأذربيجان، إلى جانب الحرب في غزة.

كما سبق له أن أشار إلى حرب الأيام الاثني عشر التي وقعت العام الماضي بين إسرائيل وإيران، والحرب المفترضة بين مصر وإثيوبيا.

وتتضمن القائمة حالتين لم تكونا، وفق النص الوارد، حربين بالمعنى التقليدي خلال فترة ولايته؛ إذ يمثل الوضع بين مصر وإثيوبيا نزاعًا دبلوماسيًا حول مشروع سد إثيوبيا، وليس حربًا، كما أن القضية التي أشار إليها بشأن صربيا وكوسوفو لم تكن حربًا أيضًا.

كما أن الحرب التي شملت رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية لم تنتهِ رغم اتفاق السلام الذي توسطت فيه إدارة ترامب.

ورغم إشارة الرئيس الأمريكي إلى الحرب في غزة، استمرت إسرائيل في شن هجمات متكررة على القطاع رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وفي المقابل، ساعد ترامب بالفعل في إنهاء حرب الأيام الاثني عشر عام 2025 بين إسرائيل وإيران، قبل أن تنضم إسرائيل لاحقًا إلى الولايات المتحدة في شن حرب أخرى ضد إيران عام 2026.

ترامب يتحدث عن كوبا والاستثمارات الأمريكية

وصف ترامب كوبا بأنها «دولة فاشلة تمامًا» وستنهار، مضيفًا أن إدارته لن تسمح بوجود ملاذ للخصوم الأجانب لتهديد الولايات المتحدة على أعتابها، وردًا على ذلك، انسحب أعضاء الوفد الكوبي من القاعة.

وفي ملف الاستثمارات الخارجية، طرح ترامب نسخة أكثر حذرًا من مزاعمه السابقة بشأن تدفق استثمارات بقيمة 21 تريليون دولار إلى الولايات المتحدة، وذكر الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض أنه تم الإعلان عن استثمارات كبرى بقيمة «11.2 تريليون دولار» خلال فترة ولاية ترامب الثانية، وهو رقم يقل عن مبلغ «21 تريليون دولار» الوارد في التعهدات.

وتظهر البيانات الفيدرالية أن حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الجديد في الولايات المتحدة بلغ نحو 232 مليار دولار في عام 2025.

إيران ومضيق هرمز

رفضت إيران المزاعم التي تفيد بأنها تخلت عن شروطها المسبقة لإعادة فتح مضيق هرمز، وذلك خلال محادثات مفاجئة عقدت في نيويورك بوساطة قطرية بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي حدوث المحادثات، لكنه لم يؤكد حدوث أي تغيير في الموقف التفاوضي لطهران.

وكانت إيران قد وضعت سبعة شروط مسبقة قبل العودة إلى المحادثات، وفي تطور جديد خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، صرحت طهران بأن مضيق هرمز الحيوي يمكن إعادة فتحه خلال سبعة أيام إذا استُوفيت تلك الشروط.

ومن المرجح أن تضطر الولايات المتحدة ودول الخليج إلى قبول مسار ملاحي للشحن في مضيق هرمز، يفرض على السفن التجارية الدخول عبر ممر بحري يقع معظمه داخل المياه الإيرانية ويخضع للسيطرة الإيرانية بدلًا من السيطرة العمانية.

انتقادات دولية لسياسات الحرب والنظام العالمي

لم تقتصر كلمات قادة العالم على عرض المواقف، بل تضمنت انتقادات للسياسات الدولية والحروب القائمة.

انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطابه أمام الأمم المتحدة، محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل الإطاحة بالحكومة الإيرانية، معتبرًا أن محاولة بعض الدول، وأحيانًا باسم النظام الدولي، الحلول محل الشعوب لتغيير نظام حكم أو هيكلية سياسية، لا تؤدي إلا إلى إغراق تلك الدول في فوضى عارمة.

كما أشار إلى أن الغرب لم ينجح في فرض السلام في غزة، وأن ذلك لم يؤدِّ إلى إعادة فتح الممرات الإنسانية، وأثار ماكرون حفيظة تل أبيب عندما ألمح إلى أن حركة حماس غير موجودة في الضفة الغربية، بخلاف وجودها في قطاع غزة.

وانتقد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الحكومة الإسرائيلية بسبب ما وصفه بـ«تغيير قواعد اللعبة»، واستمرارها في شن الهجمات وتدمير البنية التحتية المدنية في غزة، ورفضها الانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي مزقتها الحرب.

وأشار إلى أن هذه الممارسات أجبرت السكان الفلسطينيين في غزة على الانحصار في مساحة لا تتجاوز ثلث مساحة القطاع.

دعوات لإصلاح مجلس الأمن

دعا وزراء خارجية البرازيل وألمانيا والهند واليابان، يوم الأربعاء، إلى إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مؤكدين أن هذه الخطوة أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى.

وقال وزراء الخارجية الأربعة، في بيان مشترك صدر عقب اجتماعهم يوم الثلاثاء: «في ظل البيئة الجيوسياسية التي تزداد تعقيدًا وتحديًا، أصبح إصلاح مجلس الأمن ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى».

اتفاق أمني جديد بشأن جرينلاند

وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة، وقعت الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند اتفاقية أمنية جديدة تتيح لواشنطن توسيع وجودها العسكري في الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي، والعمل على الحد من الاستثمارات العسكرية والاستراتيجية من جانب بكين وموسكو.

وجاءت الاتفاقية بعد أشهر من التوترات، حيث هدد ترامب في مرحلة سابقة باستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على جرينلاند، وهي منطقة دنماركية تتمتع بحكم ذاتي.

وبموجب الاتفاقية، سيسمح للولايات المتحدة بتحديث وتوسيع أنشطتها في قاعدة «بيتوفيك» الفضائية، إلى جانب إنشاء منطقتي دفاع إضافيتين في نارسارسواك ومسترزفيج.

النفط يتأثر بالتوترات الأمريكية الإيرانية

شهدت أسعار النفط أداءً متباينًا يوم الأربعاء، مع تقييم المستثمرين لتداعيات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط آمال بالتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في الشرق الأوسط، وهي الآمال التي تأثرت بالتهديدات الأخيرة التي أطلقها ترامب تجاه إيران.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي العالمي، تسليم نوفمبر، بنسبة 0.36% لتصل إلى 99.57 دولارًا للبرميل، معوضة خسائرها المبكرة، وفي المقابل، انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي، تسليم نوفمبر، بنسبة 0.44% لتسجل 90.12 دولارًا للبرميل.

واشنطن تستعد لاستقبال الرئيس الصيني

استعد الرئيس ترامب لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض، في زيارة دولة بالغة الأهمية، وسط استمرار التوتر في العلاقات الأمريكية الصينية، التي ألقت بظلالها على اجتماعات الجمعية العامة، وكانت الزيارة مقررة في 24 سبتمبر 2026، وفق البيت الأبيض.

وسعى المفاوضون الأمريكيون والصينيون إلى إصلاح العلاقات الاقتصادية بعد أزمة العام الماضي والحرب التجارية المتبادلة، كما ناقشوا فتح قنوات اتصال بشأن المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي.

وأشاد ترامب بالرئيس شي جين بينج، رغم التساؤلات حول مساعدة كيانات صينية لإيران وشراء النفط الروسي.

وتعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الروسي في العالم، وهو ما قد يضع بكين في مرمى قانون وقعه ترامب الأسبوع الماضي، ويهدد بفرض رسوم جمركية باهظة على أكبر عملاء روسيا في قطاع الطاقة.

ورفض ترامب تقريرًا لصحيفة «وول ستريت جورنال» أفاد بأن كيانات صينية زودت إيران بصور أقمار صناعية لقاعدة في الأردن تستخدمها القوات الأمريكية، قبل مقتل ثلاثة أمريكيين هناك.

وقال ترامب الأسبوع الماضي عن سلوك شي جين بينج خلال الحرب مع إيران: «أعتقد أنه تصرف بشكل معقول، ونحن نتصرف بشكل معقول».

ويسعى ترامب إلى استمالة بكين في إطار محاولاته لتعزيز الاقتصاد الأمريكي من خلال الاستثمارات وإعادة عمليات التصنيع من الصين إلى الولايات المتحدة. ورغم أن التوقعات بشأن القمة مع الصين تبدو متواضعة، أكد ترامب أن العلاقات الشخصية الجيدة مع نظيره الصيني تمثل عنصرًا مهمًا في إدارة العلاقات بين البلدين.

إلى أين يتجه الوضع العالمي؟

تظل الحروب والنزاعات عاملًا رئيسيًا في حركة أسواق الطاقة، مع استمرار الضغوط على أسعار النفط في ظل التوترات الجيوسياسية.

وتزداد المخاوف مع وجود نقاط اختناق استراتيجية، بينها مضيقا هرمز وباب المندب، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية، واستهداف أوكرانيا لمصافي الديزل الروسية، وهي عوامل أسهمت في زيادة تقلبات أسواق النفط العالمية، بالتزامن مع استهداف روسيا لشبكة الطاقة الأوكرانية.

وتعكس التطورات المتلاحقة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة استمرار حالة التوتر في النظام الدولي، بين تصعيد عسكري وتهديدات متبادلة من جانب، ومحاولات دبلوماسية لاحتواء الأزمات من جانب آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى