مصر وأزمات الإقليم.. بين الاتزان الاستراتيجي والوساطة ومطالبات بتوسيع الدور المصري
وسط أزمات الإقليم المتصاعدة.. أين تقف مصر؟
- عايدة نصيف: التحدي الحقيقي في قدرة مصر على تحويل حضورها الدولي إلى تفاهمات وتسويات
- أيمن زين الدين: مصر مطالبة بالانتقال من الوساطة إلى تبني رؤية لمستقبل المنطقة ودور أكثر نشاطًا للدفع بها
- مختار غباشي: مصر تتمسك بالاتزان الاستراتيجي وتحتاج إلى دور أكثر فاعلية إقليميًا
في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتداخل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، تواصل مصر تحركاتها الدبلوماسية على أكثر من مسار، مستفيدة من شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، في محاولة للتعامل مع أزمات تمس أمنها القومي ومصالحها المباشرة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف.
وجاءت مشاركة مصر في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتوازي مع تحركاتها في عدد من الملفات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والحرب في السودان وأمن البحر الأحمر، إلى جانب ملفات ليبيا وسوريا ولبنان والأمن المائي، لتطرح تساؤلات حول طبيعة الدور المصري في الإقليم وأدواته.
ويرى خبراء أن التحرك المصري يستند إلى سياسة تقوم على الاتزان والحفاظ على قنوات الحوار والوساطة، بينما يرى آخرون أن تطورات المنطقة تفرض تطوير أدوات السياسة الخارجية والانتقال إلى دور أكثر وضوحًا في طرح الرؤى وبناء التفاهمات.

عايدة نصيف: الدبلوماسية المصرية تسعى إلى بناء التفاهمات
قالت النائبة الدكتورة عايدة نصيف، عضو مجلس الشيوخ وأمين سر لجنة العلاقات الخارجية، إن المشاركة المصرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتشابك فيه الأزمات الإقليمية مع التحديات الاقتصادية والأمنية الدولية، وتعكس حرص مصر على توظيف الدبلوماسية متعددة الأطراف للدفاع عن مصالحها الوطنية وطرح رؤيتها تجاه الأزمات المحيطة، خاصة في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر.
وأضافت «نصيف»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن أهمية المشاركة لا تقتصر على الحضور السياسي، بل تمتد إلى بناء التفاهمات الدولية وتعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية، مشيرة إلى أن اجتماعات الجمعية العامة تمثل منصة لعرض المواقف المصرية والتنسيق مع القوى الدولية والإقليمية، خصوصًا بشأن وقف التصعيد في غزة، ورفض تهجير الفلسطينيين، ودعم وحدة السودان واستقراره، والحفاظ على أمن الملاحة الدولية.
وأوضحت أن السياسة الخارجية المصرية ترتبط بالمصالح الداخلية؛ فاستقرار السودان وليبيا يرتبط بأمن الحدود، وأمن البحر الأحمر يؤثر في حركة الملاحة بقناة السويس، بينما يمثل الأمن المائي أولوية استراتيجية.
وأكدت أن اجتماعات الأمم المتحدة تتيح كذلك فرصًا لتعزيز العلاقات الاقتصادية وجذب الاستثمارات وتوسيع التعاون مع الشركاء الدوليين، معتبرة أن نجاح التحرك المصري يرتبط بقدرته على تحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة تخدم الاقتصاد والأمن القومي.

وترى «نصيف» أن التحرك المصري يمثل امتدادًا لثوابت السياسة الخارجية، مع تطور في أدوات العمل الدبلوماسي؛ إذ تتمسك مصر بحماية أمنها القومي واحترام سيادة الدول ودعم التسويات السياسية، لكنها تتحرك عبر دوائر أوسع من التنسيق العربي والأفريقي والدولي، بما يتناسب مع طبيعة التحديات الإقليمية.
ولفتت إلى تعدد مسارات الدبلوماسية المصرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية من خلال جهود وقف التصعيد وإدخال المساعدات ودعم التعافي المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة، إلى جانب الملف السوداني والتشاور مع الأطراف الدولية لإنهاء الحرب والحفاظ على وحدة الدولة السودانية.
وأشارت إلى تحركات مصر في ملفات الأمن الإقليمي وأمن الملاحة، بالتوازي مع تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والشركاء الاقتصاديين، ومتابعة الملفات الأفريقية، وعلى رأسها الأمن المائي واستقرار ليبيا والتطورات في منطقة القرن الأفريقي.
واختتمت «نصيف» حديثها بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية المصرية لا يتمثل في اتساع حضورها الدولي فحسب، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى تفاهمات وتسويات تسهم في استقرار المنطقة وتحقيق المصالح الوطنية المصرية.
أيمن زين الدين: ضرورة الانتقال من الوساطة إلى طرح رؤية للمنطقة
قال السفير أيمن زين الدين، الدبلوماسي والسفير السابق، إن مشاركة مصر في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة تأتي في إطار حدث دوري، لكنها تكتسب أهمية من الظروف الدولية والإقليمية المحيطة بها، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى جانب القضية الفلسطينية ولبنان، وكذلك طبيعة علاقات الولايات المتحدة بمختلف دول العالم في ظل رئاسة دونالد ترامب.
وأوضح «زين الدين»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن التحرك المصري يأتي في إطار الحرص على الدفع نحو إنهاء حالة الحرب في المنطقة، لما تسببه من أزمات إنسانية واستراتيجية واقتصادية، مشيرًا إلى أن الملف الإيراني والقضية الفلسطينية يمثلان محورين أساسيين في هذا السياق.
وأضاف أن تأثير المشاركة المصرية يكون أكبر عندما يشارك رئيس الجمهورية بنفسه، إلا أن الوفد المصري برئاسة رئيس الوزراء، إلى جانب وزير الخارجية، يقوم بدوره في اجتماعات الأمم المتحدة.
وحول أدوات القوة المصرية، أشار إلى أن مصر تمتلك ثقلًا سكانيًا وجغرافيًا وقدرات عسكرية وخبرات دبلوماسية، فضلًا عن امتلاكها قنوات مفتوحة وحوارًا نشطًا مع مختلف الأطراف المرتبطة بالأزمات الإقليمية.
وأوضح أن مصر وضعت نفسها على مدى سنوات في موقع الوساطة داخل المنطقة، معتبرًا أن هذا الدور مهم، لكنه يرى أن المرحلة الحالية قد تستدعي دورًا أوسع.

وقال «زين الدين» إن الوقت قد حان لتتخطى مصر مسألة الوساطة وتقريب وجهات النظر إلى طرح رؤيتها والسعي إلى تحقيقها، بما يجذب شركاء آخرين يلتفون حولها.
وأضاف أن المنطقة ربما تمر بمرحلة انتقالية في السياسة الخارجية المصرية، تنتقل خلالها من التركيز على الوساطة إلى امتلاك رؤية مستقبلية للمنطقة والتحرك من أجل تحقيقها، مشيرًا إلى ضرورة تطوير الدور المصري بصورة أوضح وأقوى وأسرع.
وأشار إلى أن التحركات المصرية في غزة والسودان والبحر الأحمر لا تزال تتضمن البحث عن التهدئة وتقريب وجهات النظر والوساطة، مع دخول عنصر آخر بصورة متزايدة يتمثل في محاولة بلورة رؤية والتحرك نحو تنفيذها.
وأوضح أن ملفات مثل ليبيا والسودان تتمتع بوضع خاص، نظرًا لارتباطها المباشر بالأمن القومي المصري، معتبرًا أن مصر تمثل قوة فعالة ومؤثرة بصورة أكبر فيهما، بينما توجد قوى أخرى كبيرة في القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
مختار غباشي: الاتزان الاستراتيجي لا يمنع الحاجة إلى دور أكثر فاعلية
قال الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن المشاركة المصرية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة جاءت من خلال مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الذي ألقى كلمة مصر وتحدث خلالها عن ضرورة إصلاح المنظمة الدولية بما يتواكب مع العصر والتغيرات الجيوسياسية.
وأضاف «غباشي»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن مصر شاركت كذلك في الاجتماع الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقادة العرب والمسلمين، وطرحت وجهة نظرها تجاه القضايا المطروحة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب عقد لقاءات ثنائية على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

وأوضح أن الحضور المصري أتاح طرح وجهة النظر المصرية على المنصة الدولية، مؤكدًا أن اجتماعات الأمم المتحدة تمثل فرصة للتعبير عن مواقف الدول ومناقشة قضاياها الدولية والإقليمية.
وحول موقع مصر داخل منظومة التحالفات والتنسيقات الإقليمية، قال «غباشي» إن مصر تتسم بما وصفه بـ«الاتزان الاستراتيجي»، حتى في الملفات الحساسة، مثل سد النهضة والتطورات في قطاع غزة ومحور فيلادلفيا والمعابر.
وأكد أن مصر تحاول الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، ولا تتبنى مواقف جامدة تجاه أي طرف، مشيرًا إلى تحركاتها في ملفات متعددة، سواء في الصراع الأمريكي الإيراني أو القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن مصر تؤدي دور الوسيط أو المساعد للوساطة في بعض الملفات، وتسعى في القضية الفلسطينية إلى إدخال المساعدات الإنسانية والغذائية والدوائية والتخفيف من معاناة الفلسطينيين في حدود مقدراتها وظروفها.
وحول طبيعة الدور المصري في الإقليم، أوضح «غباشي» أن مصر تحاول الحفاظ على دورها وتجنب التورط في مواقف شديدة أو أدوار تتجاوز إمكانياتها، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى دور أقوى في بعض الملفات.
وأضاف أن أدوار الوساطة التي تؤديها دول مثل باكستان وتركيا وقطر وسلطنة عمان تختلف عن الدور المصري، موضحًا أن مصر تحاول تقريب وجهات النظر وطرح رؤيتها، لكنها لا تنخرط بصورة مباشرة في تفاصيل بعض الملفات وأطراف الصراع.
دعوات لتعزيز الدور المصري
وقال «غباشي» إنه يرى ضرورة أن يكون لمصر دور قيادي في حركة تغيير حقيقية على مستوى العالم العربي، وأن تسهم في جمع قوة عربية أكثر فاعلية، إلى جانب تطوير دور جامعة الدول العربية وإخراجها من حالة الجمود إلى دور أكثر تأثيرًا في الملفات الإقليمية.
وأضاف أن هناك ملفات تحتاج إلى تحرك مصري أكثر قوة ووضوحًا، وعلى رأسها سد النهضة، إلى جانب الملفين اللبناني والسوري، مشيرًا إلى أن مصر فاعلة بالفعل في الملف الفلسطيني، لكنه يرى أن بإمكانها أن تكون أكثر فاعلية في عدد من الملفات الإقليمية.






