مقالات

علّموا أولادنا قبل ما تحاسبوهم

من حق الدولة أن تحرص على أن يتعلم أبناؤها اللغة العربية، وأن يعرفوا تاريخ بلدهم. ومن واجب المدرسة، أيًا كان نظامها، أن تمنح الطالب صلة حقيقية بلغته ووطنه. لكن من حق الطالب أيضًا أن يحصل على تعليم يؤهله لما سيُطلب منه، وأن يعرف قواعد تقييمه قبل أن يجد نفسه أمام امتحان تتوقف عليه فرصه الجامعية. هذه هي القضية ببساطة: علّموا أولادنا قبل ما تحاسبوهم.

ونحن في حزب العدل نعتز باللغة العربية، ونقدر مكانتها باعتبارها مصدر قوة وثقل ثقافي وحضاري لمصر، ونتمسك بالحفاظ عليها وتعزيز حضورها في تعليم أبنائنا. لكن هذه المسؤولية أكبر من أن تُختزل في مزايدة على انتماء الطلاب وأسرهم، أو في إلزام لا تسبقه مقومات التعلم. نريد العربية واقعًا حيًا في قدرة أبنائنا على القراءة والكتابة والتعبير، وصلة حقيقية بثقافتهم وتاريخهم. فالقرار يستطيع أن يفرض امتحانًا، لكن بناء المعرفة والانتماء يحتاج إلى تعليم جيد وعمل مستمر.

في ملف تدريس العربية والتاريخ لطلاب المدارس الدولية واحتسابهما ضمن المجموع، لا يكفي أن تقول الوزارة إن الهدف هو تعزيز الهوية. الهدف مفهوم ومقدر، لكن تفاصيل التنفيذ هي التي تحدد إن كان القرار سيحقق غرضه، أم سيحمّل الطلاب وأسرهم تكلفة تغيير لم يستعدوا له بالقدر الكافي.

ولهذا تقدم حزب العدل بطلب إحاطة بشأن القرار وآليات تطبيقه، ثم أعاد تقديمه مرة أخرى، تمسكًا بضرورة مناقشة الملف داخل البرلمان. فمستقبل الطلاب يستحق إجابات واضحة عن المناهج، والامتحانات، وتوقيت التطبيق، وجاهزية المدارس، وضمانات عدم الإضرار بالطلاب الملتحقين بالفعل بهذه الأنظمة التعليمية.

عندما يصبح للعربية والتاريخ وزن يبلغ 20% من المجموع، وفق ما يتناوله طلب الإحاطة، فإن الأمر يتجاوز إضافة مادتين إلى الجدول الدراسي. نحن أمام درجات قد تغير فرصة طالب في الالتحاق بالكلية التي يريدها. ولذلك، فإن تحديد هذه النسبة يستلزم أساسًا تربويًا معلنًا، واستعدادًا يتناسب مع حجم أثرها على مستقبل الطالب.

لا يجوز أن نطلب من طالب أن يعوض خلال فترة قصيرة ما يفترض أن يتعلمه على امتداد سنوات، ثم نحاسبه كأنه حصل على الفرصة نفسها. الطالب الذي درس في نظام دولي جاء من مسار له مناهجه ولغاته وأساليب تقييمه. وقد تختلف حصيلته في العربية والتاريخ عن طالب تلقى تعليمًا منتظمًا فيهما لسنوات. التعامل مع هذا الاختلاف مسؤولية تعليمية يجب حلها قبل الامتحان.

والأسرة التي اختارت مدرسة دولية اختارت مسارًا قائمًا وتحت إشراف الدولة. لم تضع الأسرة شروط اعتماد المدرسة، ولم تحدد متطلبات الشهادة. فإذا رأت الوزارة ضرورة تعديل هذه المتطلبات، فعليها أن تدير الانتقال بصورة واضحة ومنصفة. كل تغيير جوهري يحتاج إلى وقت للاستعداد، وإعلان مبكر، وترتيبات تراعي الطلاب الذين قطعوا بالفعل جزءًا كبيرًا من رحلتهم الدراسية.

أما تحميل هؤلاء الطلاب تبعات أي قصور سابق في تدريس مواد الهوية، فهو نقل للمسؤولية إلى الطرف الأضعف. فإذا كانت هناك فجوة تعليمية، فإن البداية تكون بتحديد أسبابها ومعالجتها داخل المدارس. الطالب يحتاج إلى معلم ومنهج وساعات دراسة كافية، ثم يأتي التقييم ليقيس ما تعلمه.

وهنا يصبح السؤال عن جاهزية المدارس أساسيًا. هل يتوافر المعلمون المؤهلون؟ وهل عدد الساعات يسمح بتحقيق المستوى المطلوب؟ وهل المحتوى مناسب للمراحل المختلفة؟ وكيف ستُوضع الامتحانات وتُصحح؟ هذه تفاصيل يجب أن تكون معلنة قبل التطبيق، لأنها تشكل شروط نجاح القرار نفسه.

كما أن المدارس الدولية تختلف في أنظمتها وشهاداتها وجداولها الدراسية. إعداد آلية تنفيذ تراعي هذه الاختلافات يحتاج إلى عمل تفصيلي، وإلى حوار مع المدارس والمعلمين والأسر. والقرار العام، مهما كانت وجاهة هدفه، يحتاج إلى خطة تحول هذا الهدف إلى تعليم فعلي داخل الفصل.

الخطر أن يتحول الحرص على العربية والتاريخ إلى ضغط جديد يدفع الأسر للبحث عن دروس إضافية، ويدفع الطلاب لحفظ ما يكفي لعبور الامتحان. عندها قد نحصل على درجات، بينما تظل القدرة على التعبير بالعربية وفهم التاريخ محدودة. قيمة المادتين تستوجب الاهتمام بطريقة تدريسهما، وبالمهارات والمعرفة التي يكتسبها الطالب منهما.

نريد طالبًا يستطيع أن يقرأ ويكتب ويعبر عن رأيه بلغته، وأن يفهم تاريخ بلده ويناقشه. وتحقيق ذلك يتطلب مناهج جيدة، ومعلمين مؤهلين، وتقييمًا يقيس الفهم. وربط المادة بالمجموع وحده لا يضمن هذه النتائج، خاصة إذا سبق الاستعداد الكافي لها.

الحل يبدأ بخطة معلنة تحدد الصفوف والدفعات المشمولة بالتغيير، وتوفر مرحلة انتقالية حقيقية للطلاب الحاليين، وبرامج دعم لمعالجة الفروق في مستوياتهم. ويجب أن يصاحب ذلك تفسير واضح للوزن النسبي للمادتين، ودراسة لأثره، وضمانات تجعل التقييم متناسبًا مع فرص التعلم المتاحة.

وعلى لجنة التعليم بمجلس النواب أن تفتح هذه المناقشة بجدية. حزب العدل تقدم بطلب الإحاطة وأعاد تقديمه، والمطلوب الآن أن تحضر الوزارة بإجابات تفصيلية وخطة قابلة للتقييم. القلق على مستقبل الأبناء يستحق معالجة واضحة، والتطمينات تحتاج إلى إجراءات تسندها.

تعزيز مكانة العربية والتاريخ واجب نتمسك به، وحسن إدارة التعليم يظهر في قدرة الوزارة على تحقيق هذا الهدف بعدالة، وعلى حماية الطلاب أثناء الانتقال إلى متطلبات جديدة. قوة اللغة تتجسد في إتقان أبنائنا لها، والاعتزاز بالوطن ينمو بالمعرفة والفهم. وهذه نتائج تُبنى داخل الفصول، وتحتاج إلى أكثر من قرار بإضافة درجات إلى المجموع.

علّموا أولادنا، جهّزوا مدارسهم، ووضحوا لهم القواعد.. وبعدها حاسبوهم.

زر الذهاب إلى الأعلى