الجريمة تحت ضغط المعيشة.. لماذا تتزايد البلاغات رغم تراجع البطالة؟
47.3 نقطة على مؤشر نامبيو.. 6.2% معدل البطالة.. و2.15 مليون متعطل يفتحون ملف العلاقة بين الاقتصاد والجريمة

لم تعد أخبار السرقة والقتل والابتزاز والنصب حوادث منفصلة تتصدر صفحات الحوادث فقط، بل أصبحت مشاهد متكررة تفرض نفسها على النقاش العام حول أسباب تصاعد بعض أنماط الجريمة داخل المجتمع المصري.
وبينما تكشف البلاغات اليومية عن تنوع الجرائم واختلاف دوافع مرتكبيها، يبقى العامل الاقتصادي حاضرًا بقوة في تحليل الظاهرة، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية ووجود ضغوط اقتصادية واجتماعية تؤثر على قطاعات واسعة من المواطنين.
ورغم أن الجريمة ظاهرة معقدة لا يمكن تفسيرها بسبب واحد، تشير دراسات علم الاجتماع والجريمة إلى وجود علاقة بين الضغوط الاقتصادية وبعض أنماط الجرائم، خاصة الجرائم المرتبطة بالسرقة والاحتيال والنصب، مع التأكيد على أن عوامل أخرى مثل التفكك الأسري، وتعاطي المخدرات، والتحولات الثقافية، وضعف الاندماج الاجتماعي، تلعب أدوارًا مؤثرة في تشكيل السلوك الإجرامي.

البطالة تتراجع.. لكن الضغوط المعيشية مستمرة
وفقًا لأحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء “CAPMAS”، تراجع معدل البطالة في مصر إلى نحو 6% خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 6.3% خلال عام 2025، وهو ما يعكس تحسنًا نسبيًا في مؤشرات سوق العمل، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار التحديات المرتبطة بتوفير فرص عمل كافية، خاصة مع استمرار الفجوة بين معدلات بطالة الذكور والإناث.
كما أظهرت أحدث نتائج بحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل البطالة بلغ نحو 6.2% خلال الربع الرابع “أكتوبر–ديسمبر” لعام 2025، مقارنة بـ 6.4% خلال الربع الرابع من عام 2024، فيما سجل حجم قوة العمل نحو 34.8 مليون فرد، وهو ما يعكس تحسنًا في مؤشرات التشغيل، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن استمرار وجود تحديات تتعلق بقدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وبلغ عدد المتعطلين، وفق أحدث البيانات، نحو 2.152 مليون شخص، بينهم 1.019 مليون من الذكور و1.133 مليون من الإناث، وهو ما يجعل ملف التشغيل وتحسين مستويات الدخل أحد العناصر المهمة عند دراسة العلاقة بين الاقتصاد والسلوكيات الاجتماعية.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن موجات التضخم وارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة أثرت على القوة الشرائية للأسر المصرية، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، مؤكدة أن تحسين فرص العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية يمثلان عنصرين أساسيين لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأظهرت دراسة ميدانية بعنوان “High Unemployment and Crime Rates Threaten Slum Dwellers in Egypt” للباحثة د. سوزان عبد الرحمن، والمنشورة في دورية Journal of Poverty عام 2024، وجود ارتباط بين ارتفاع أعداد المتعطلين عن العمل وانتشار بعض السلوكيات الإجرامية داخل ثلاث مناطق عشوائية في مصر هي بين السرايات وأبو قتادة وزينين.
واعتمدت الدراسة على مسح شمل 900 أسرة، ورصدت انتشار المشاجرات والاتجار بالمخدرات والسرقة، مؤكدة أن توفير فرص العمل والخدمات الاجتماعية والأمنية يمثل أحد مسارات الحد من الظاهرة.
يُِشير الدكتور وليد رشاد أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن تفسير انتشار بعض الجرائم داخل المجتمع لا يرتبط بالعوامل الاقتصادية فقط، وإنما يرتبط أيضًا بالتحولات التي طرأت على العلاقات الاجتماعية وتراجع بعض آليات الضبط والرقابة داخل الأسرة والمجتمع.
ويؤكد أن فهم الظاهرة يتطلب تحليلًا شاملًا يراعي تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية، بدلًا من اختزال أسباب الجريمة في عامل واحد.
مؤشر الجريمة.. بين الأرقام الدولية والرواية الرسمية
وتوضح دراسة منشورة في Journal of Economic Structures بعنوان “الترابطات الديناميكية بين الفقر وعدم المساواة والجريمة والإنفاق الاجتماعي” أن ارتفاع معدلات عدم المساواة والبطالة يرتبط بزيادة معدلات الجريمة في بعض المجتمعات، مع التأكيد على أن الجريمة ظاهرة متعددة الأبعاد تتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية متداخلة.
وبينما تشير بعض المؤشرات الدولية إلى وجود تحديات مرتبطة بمعدلات الجريمة، أظهر مؤشر نامبيو للجريمة لعام 2025 أن مصر سجلت نحو 47.3 نقطة على مؤشر الجريمة، وهي بيانات تعتمد بشكل أساسي على استطلاعات الإدراك المجتمعي ولا تمثل إحصاءً رسميًا لعدد الجرائم المسجلة، لكنها تعكس تصورات المواطنين حول مستويات الأمان وانتشار الجريمة.
في المقابل، تؤكد الرواية الرسمية أن معدلات ارتكاب الجرائم شهدت انخفاضًا خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع نسب ضبط القضايا الجنائية، مشيرة إلى دور تطوير المنظومة الأمنية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في مواجهة الجرائم المختلفة مستندة إلى نتائج الحملات الأمنية وتطور أدوات المواجهة.
وخلال فعاليات عيد الشرطة الـ74 في يناير 2026، أعلن اللواء محمود توفيق وزير الداخلية أن الإحصاءات الأمنية أظهرت انخفاضًا في معدلات ارتكاب الجرائم خلال عام 2025 بنسبة 14.4% مقارنة بالعام السابق.
وأوضح أن هذا التراجع جاء نتيجة تطوير منظومة العمل الأمني، وتعزيز قدرات أجهزة البحث الجنائي، وتكثيف الإجراءات الاستباقية لمواجهة الجريمة، فضلًا عن الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات ودعم جهود المكافحة.
يقول الخبير الاقتصادي هاني توفيق، إن الظروف الاقتصادية الصعبة لا تمثل سببًا مباشرًا أو وحيدًا لارتكاب الجريمة، لكنها قد تشكل عامل ضغط لدى بعض الفئات، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
ويؤكد أن مواجهة التداعيات الاجتماعية للأزمات الاقتصادية تتطلب تعزيز فرص العمل، ورفع معدلات الإنتاجية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية للحد من الضغوط التي قد تؤثر على استقرار المجتمع.







