الاستثمار الأجنبي من ينقذه؟
لا ينكر أحد أن الاستثمار الأجنبي المباشر هو الأساس في تمويل فجوة الصرف الأجنبي، حيث يُعدّ ضرورة حتمية للاقتصاد المصري، ولكن كيف يتم إنقاذه في ظل العقبات والتحديات التي تواجه المستثمر؟.
ولأن الاستثمار المباشر يجب ألا يرتبط فقط بكونه أجنبيًّا، فالاستثمار الأجنبي سيخوض تجربته إذا شعر بثقة المستثمر المحلي، وشهد توجهه نحو الاستثمار في بلده، ومن هنا يجب على الحكومة أن تبحث محددات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر لمعرفة العوامل التي تسهم في جعل المستثمر يمنح ثقته ويضخ استثماراته مرة أخرى، مما يساهم في تحريك تدفقات رؤوس الأموال الدولية، وذلك عن طريق تغيير قوانين الاستثمار الحالية في مصر، وتحديدًا المتعلقة بمحفزات الاستثمار، وبحث السياسات المتعلقة بمعاملة رؤوس الأموال، سواء الموجودة منها أو العائدة من الاستثمار أو المقبلة عليه، بمعاملة تفضيلية لسنوات مقبلة، مما يعمل على جذب رؤوس الأموال الأجنبية.
ومع ذلك، تعاني مصر من تعدد اللوائح والأجهزة البيروقراطية والجهات التي تتعامل مع المستثمر، فرغم إدخال العديد من التعديلات على القوانين والتشريعات التي تهدف إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية وجذبها، فإنها تبقى أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب، كذلك هناك جانب تنظيمي وإداري يرفع التكاليف المالية للمعاملات عند دخول السوق، بسبب التأخر في الإفراج عن البضائع في الجمارك والمحاكم التجارية، وعدم وضوح النظام الضريبي وشفافيته، وغياب شهادات الأمن للمستثمرين الأجانب، وعدم وجود لوائح أو خريطة استثمارية واضحة.
ولذلك يجب تسهيل كافة إجراءات الاستثمار وضمان العدالة في المنازعات بين المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار، والاهتمام بالشفافية وتوفير معلومات عن الفرص الاستثمارية، والقضاء على الروتين وتسريع الوقت، وتغيير هيكل التشريعات المتعلقة بالاستثمارات، والاقتداء بتجارب الدول التي نجحت في جذب الاستثمارات الأجنبية.
ومن هذه التجارب تجربة الصين، التي اعتمدت على الانفتاح التدريجي والاستثمار في التكنولوجيا، فنجحت في جذب أكثر من 530 ألف شركة أجنبية، وبلغت التدفقات الاستثمارية إليها نحو 104.7 مليارات دولار في 2025، وتجربة تركيا، التي تحولت بعد إصلاحات هيكلية شاملة إلى وجهة مفضلة للاستثمار، إذ ارتفعت التدفقات إليها من 15 مليار دولار قبل عام 2002 إلى أكثر من 287 مليار دولار خلال الفترة من 2003 إلى 2025، وبلغ عدد الشركات ذات رأس المال الأجنبي نحو 87 ألف شركة في 2025، أما الأردن، فرغم محدودية حجمه، نجح في رفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 25.1% خلال 2025 لتتجاوز 2 مليار دولار، وهي أعلى مستوياتها منذ 2017، بفضل الإصلاحات التشريعية وتطبيق قانون بيئة الاستثمار لعام 2022 وما رافقه من حوافز تنافسية.
لذلك يجب على القائمين على التشريع في مصر، القيام بإصلاح تشريعي جاد، وتبسيط حقيقي للإجراءات، وشفافية في المعاملة، وثقة تبنيها الدولة مع المستثمر المحلي قبل الأجنبي، وأرقام السنوات الأخيرة توضح أن الطريق ما زال طويلًا، ففي السنة المالية 2022/2023، بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 10.0 مليارات دولار، ثم قفز إلى 46.1 مليار دولار في 2023/2024، مدفوعًا بشكل أساسي بصفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار، لكن في 2025، تراجعت التدفقات إلى نحو 15 مليار دولار، مع الإشارة إلى أن الاستثمارات الأساسية باستبعاد أثر الصفقات الاستثنائية ارتفعت بنسبة 25%، مدعومة بصفقة علم الروم بقيمة 3.5 مليارات دولار.
لو تأملنا في تلك الأرقام لوجدنا أن مصر قادرة على جذب استثمارات كبيرة، لكن قدرتها على تحويل ذلك إلى تدفق مستدام ما زالت مرتبطة بالصفقات الكبرى، لا ببيئة استثمارية مستقرة ومتوقعة، وإنقاذ الاستثمار الأجنبي في مصر لن يأتي من صفقة عابرة، بل من إصلاح يشعربه المستثمر في كل خطوة، وعندها فقط يمكن أن يتحول الاستثمار الأجنبي من رقم في ميزان المدفوعات إلى منقذ للاقتصاد المصري.



