لاجدال بأن الحوافز الضريبية من أكثر الأدوات إثارة للجدل، فهي من ناحية تستخدم كحل سحري لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز النمو، ومن ناحية أخرى تتحول إلى عقبة بيروقراطية ترهق المستثمرين وتُفقد الحوافز قيمتها الحقيقية، فالحوافز الضريبية، التي تُعد في جوهرها أدوات سياسية تهدف إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، غالباً ما تفشل في تحقيق أهدافها حين تُمنح دون الأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية للمشروعات وأولويات الدولة التنموية، وهو ما يظهر بوضوح في حالة الاقتصاد المصري خلال العامين الماليين الأخيرين، حيث ارتفعت قيمة الإعفاءات المقررة في قوانين الاستثمار دون أن يقابلها تحسن مكافئ في معدلات الاستثمار الخاص.
الإعفاءات الضريبية في مصر، رغم كرمها النظري الذي قد يصل إلى خصم 50% من صافي الأرباح في المناطق الأكثر احتياجًا، تتحول عمليًا إلى لغز محير ، فالمستثمر الأجنبي الذي يفكر في ضخ أمواله في السوق المصري يجد نفسه أمام معادلة معقدة وهي كيفية حصوله على إعفاء من ضريبة يدفعها أصلاً مقابل أرباح لم يحققها بعد، هناك فجوة هائلة بين عدد المشروعات المؤهلة للحوافز وعدد الذين يحصلون عليها فعليًا، فالحصول عليها أشبه برحلة في بلاد العجائب أوراق هنا، موافقات هناك، لجان تدرس، لجان ترفض، وفي النهاية قد تحصل على الإعفاء بعد أن تكون قد دفعت ضرائب السنة التي تليها أصلاً.
القوانين المصرية المنظمة للاستثمار حاولت معالجة هذا الخلل بتقديم حوافز نقدية مباشرة، خاصة للمشروعات الصناعية التي تعتمد على تحويل النقد الأجنبي من الخارج، وهذه خطوة نوعية تنتقل من فكرة “الإعفاء” السلبي إلى فكرة “الحافز” الإيجابي. فقد تضمنت التعديلات الأخيرة لقانون الاستثمار، وخاصة القانون رقم 160 لسنة 2023، استحداث حافز نقدي يتراوح بين 35% و55% من قيمة الضريبة المسددة، حيث تُمنح نسبة 35% إذا كانت نسبة التمويل الأجنبي 50% فأكثر، و45% إذا كانت 75% فأكثر، و55% إذا تجاوزت 90% من أموال المشروع، مع صرف الحافز خلال 45 يوماً وإلا استحق المستثمر مقابل تأخير. ورغم هذا التطور التشريعي، تظل العقبات الإدارية قائمة، وأبرزها عدم وضوح معايير تقييم المشروعات الاستراتيجية واستمرار ازدواجية الاختصاصات بين هيئة الاستثمار ومصلحة الضرائب والهيئات الصناعية، مما يجعل الحافز الجديد مجرد وعد نظري ما لم تُصلح الإجراءات المصاحبة له.
هنا يتضح ضرورة ربط مدة الإعفاء الضريبي بمدى أهمية المشروع في الخطة التنموية للدولة، فليس كل مشروع يستحق نفس المعاملة، والمشروعات ذات القيمة المضافة العالية أو التي تساهم في نقل التكنولوجيا تستحق معاملة خاصة، لكن المعايير لا تزال غامضة والتقييم يترك لتقدير لجان إدارية متغيرة. أما العلاقة الضعيفة بين الحوافز وتحفيز الاستثمارات الأحنبية فهي نتيجة تراكمية لبيئة أعمال تعاني من عدم استقرار تشريعي وتضارب في الاختصاصات وصعوبات إجرائية تبدأ من لحظة تقديم طلب الاستثمار وتستمر حتى بعد بدء الإنتاج، حيث يستغرق الحصول على ترخيص صناعي وحده شهوراً، مما يجعل الحافز الضريبي مجرد ورقة في ملف طويل قد لا يلتفت إليها المستثمر أصلاً.
وتزداد المعوقات تعقيداً في ظل تشابك القوانين المنظمة للاستثمار، والتي تشمل قانون الاستثمار وقانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة وقانون الحوافز الصناعية الصادر بالقرار رقم 77 لسنة 2023، إلى جانب قانون رقم 159 لسنة 2023 الذي ألغى الإعفاءات التفضيلية لجهات الدولة. كما تم التوسع في منح الرخصة الذهبية كموافقة واحدة تشمل تراخيص البناء وتخصيص الأراضي بمدة لا تتجاوز 20 يوم عمل، وتسعى مصر للوصول بها إلى 102 رخصة بحلول 2030، بعدما نجحت 70% من المشروعات الحاصلة عليها في بدء التشغيل، لكن هذه الخطوة تظل قاصرة عن حل جذري لمشكلة تعقيد الإجراءات.
من هنا يتضح أهمية التجربة الصينية، حيث اعتمدت على نظام مركزي لتخطيط الحوافز مرتبط بأولويات التنمية، مع مراكز استشارية متخصصة تقوم بتقييم الجدوى الاقتصادية للمشروعات وتقديم توصيات مخصصة حول الحوافز الأنسب ومتابعة الإجراءات بالنيابة عن المستثمر، مما يحول الحوافز إلى أدوات فعالة لتوجيه رأس المال. وفي المقابل، يفتقر النظام المصري لمثل هذه المراكز، ويُترك المستثمر الاجنبي وحيداً في مواجهة تعقيدات الإجراءات وتعدد الجهات. والحل الأمثل يكمن في إنشاء هيئة عليا للحوافز الاستثمارية تضم ممثلين عن وزارات المالية والتخطيط والاستثمار والقطاع الخاص، تتولى وضع معايير موضوعية لمنح الإعفاءات بناءً على أولويات تنموية محددة، وتعمل على تبسيط الإجراءات عبر منصة رقمية موحدة تضمن الشفافية.
الحوافز الضريبية ليست عصا سحرية، ولا يمكنها وحدها أن تعوض عن غياب الاستقرار السياسي أو ضعف البنية التحتية، لكنها عندما تُصمم بشكل ذكي وتُطبق بشكل عادل وتُبسط إجراءاتها بشكل جذري، يمكنها أن تكون عنصراً مهماً في جذب الاستثمارات. وإذا استمرت مصر في منح الإعفاءات دون تبسيط الإجراءات وربطها بالأهداف التنموية، فستظل العلاقة بين الحوافز والاستثمارات الأجنبية علاقة هشة تستهلك وقت الجميع دون تحقيق النتائج المرجوة.




