الرئيسيةسياسة

«الأحزاب الصفرية».. نحو 90 حزبًا بلا تمثيل نيابي تنتظر التطوير

مراقبون لـ«ليبرالي»: الملف معقد ويحتاج لحلول متشابكة وبدء النظر في مشاكل الأحزاب

د. محمد سيد أحمد يحذر من الأحزاب “الصورية” ويقترح دمجها وتدشين شروط صارمة لاستمرارها

د. عمرو هاشم ربيع: القائمة النسبية أساس لإشراك الفئات المهمشة.. واندماج الأيديولوجيات ضرورة للمشهد الحزبي

أمجد فتحي: لابد من إصلاح تشريعي مع تشجيع الاندماج بين هذه الأحزاب على غرار ما تم في الاندماج الكروي 

طارق درويش: وجود أحزاب بالبرلمان لا يعني إلغاء الأحزاب الأخرى أو تهميشها لعدم تمثيلها برلمانيًا

يضم المشهد الحزبي الراهن عشرات الأحزاب المرخصة التي لا تملك مقاعد في مجلسي النواب أو الشيوخ، بينما يتركز التمثيل في مجلس النواب الحالي في نحو 15 حزبا، ويصف خبراء، منهم الدكتور محمد سيد أحمد، الأحزاب غير الممثلة بأنها «صورية» لافتقارها إلى حضور حقيقي في الشارع، فيما يرى آخرون، ومنهم طارق درويش، أن غياب المقاعد لا يعني غياب الدور، وأن الأحزاب تظل وسيطا بين المواطن والدولة.

ويتراوح عدد الأحزاب المرخصة في مصر بين 100 و106 أحزاب، وفق تقديرات غير رسمية، إذ لم يتسن الحصول على قائمة رسمية محدثة من لجنة شؤون الأحزاب، ويشترط قانون الأحزاب لتأسيس أي حزب جمع خمسة آلاف عضو مؤسس من عشر محافظات على الأقل.

ويحذر خبراء، تحدثوا لـ«ليبرالي» من أن استمرار الوضع الراهن دون إصلاح تشريعي أو إعادة هيكلة يضعف فاعلية الحياة الحزبية، ويقترحون الدمج وفرض شروط أشد لاستمرار الترخيص، فيما يرفض آخرون هذه المقترحات.

نحو 90 حزبًا بحضور نيابي صفري

أسفرت انتخابات مجلس النواب 2025-2026 عن برلمان يضم 596 مقعدا، تصدّره أحزاب مستقبل وطن، يليه حماة الوطن، فالجبهة الوطنية، ثم الشعب الجمهوري. وتوزعت المقاعد الأخرى على أحزاب العدل، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والوفد، والإصلاح والتنمية، والنور، والتجمع، والمؤتمر، أما الأحزاب التي حصلت على مقعد أو مقعدين، فهي الحرية المصري، وإرادة جيل، والوعي، والمحافظين.

ويحق لـ11 حزبا فقط تشكيل هيئات برلمانية في مجلس النواب، وفق اللائحة الداخلية التي تشترط ثلاثة نواب على الأقل، أما في مجلس الشيوخ، فقد وصل التمثيل إلى نحو 19 حزبا، اقتصر عدد كبير منها على مقعد أو اثنين، مثل الناصري والمصريين الأحرار والسادات الديمقراطي والجيل والوعي.

وبحسب الرصد، لا تملك نحو 90 حزبا مقاعد في مجلس النواب، من أصل 100 إلى 106 أحزاب مسجلة، ومنها الخضر، ومصر الحرية، وشباب مصر، والغد، والدستوري الاجتماعي الحر، والسلام الديمقراطي، والعمال الديمقراطي، ومصر الحضارة، وحقوق الإنسان والمواطنة، والعربي للعدل والمساواة.

وتأسس بعض هذه الأحزاب بعد ثورة 25 يناير 2011، وبعضها قبلها، ويرى مراقبون أن عددا منها لم يبنِ قواعد جماهيرية ولا هياكل تنظيمية واضحة، إذ يقتصر نشاط بعضها على بيانات إعلامية أو الإعلان عن تحالفات.

محمد سيد أحمد: ثلاثة مسارات للإصلاح

من جانبه، حذر الخبير السياسي الدكتور محمد سيد أحمد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي» من تداعيات الأعداد الهائلة للأحزاب السياسية التي وصفها بـ «الصورية» أو التي تفتقر لوجود نواب يمثلونها في غرفتي البرلمان (مجلسي الشيوخ والنواب)، مؤكدا أنها تضر بالحياة السياسية لعدم اشتباكها الحقيقي مع الواقع الاجتماعي والجماهيري.

الدكتور محمد سيد أحمد أستاذ علم الاجتماع السياسي
الدكتور محمد سيد أحمد أستاذ علم الاجتماع السياسي

وأوضح «سيد أحمد» أن مصر تضم على المستوى الورقي والرسمي أكثر من مئة حزب، في حين أن الأحزاب الفعلية والممثلة داخل البرلمان تعد قليلة ومحدودة للغاية. وأشار إلى أن كثرة الأحزاب ببرامج متشابهة ومكررة تفتقر للفاعلية وتشتت التيار الفكري والسياسي في البلاد.

ولمواجهة هذه الإشكالية، طرح أستاذ علم الاجتماع السياسي ثلاثة مسارات للإصلاح هم إعادة الهيكلة والدمج بجانب وجود شروط صارمة للاستمرار وتمثيل برلماني إلزامي.

وأشار إلى ضرورة دمج الأحزاب التي تتقارب برامجها وتتجه نحو يمين أو يسار الخريطة الفكرية، للحد من ظاهرة الأحزاب التي بلا هوية سياسية واضحة، مشددًا على أهمية وجود ضوابط ومعايير حاسمة وجادة لضمان استمرارية تراخيص الأحزاب، بحيث لا يقتصر الوجود الحزبي على مجرد تأسيس مقار ورفع لافتات ورقية.

واقترح أحمد أن تكون «العضوية البرلمانية» والحصول على مقاعد حقيقية في المجالس النيابية شرطا أساسيا لاستمرار رخصة الحزب ووجوده الفاعل، معتبرا أن غياب الغالبية العظمى من الأحزاب عن المشهد البرلماني واقتصاره على نسبة ضئيلة يعكس أزمة حقيقية في فاعلية الشارع السياسي.

«ربيع»: القائمة النسبية أساس إشراك الفئات المهمشة

وأكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي» أن تطبيق نظام القائمة النسبية في الانتخابات يُعد ركيزة أساسية لإدخال الأحزاب وتمثيل الفئات المهمشة والاقليات داخل البرلمان، مشيرًا إلى أن الوظيفة الأساسية للنظام النسبي هي ضمان تمثيل هذه الفئات، موضحًا أنه طالما يتم التمسك بالقائمة المطلقة في الانتخابات «فسيكون عليه العوض في هذه الأحزاب»، وفق قوله.

الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني
الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني

وأوضح «ربيع» أن المشهد الحزبي في مصر يضم أربع تيارات رئيسية تشمل اليمين، والوسط، والإسلامي، واليسار، لافتًا إلى أن اندماج القوى السياسية والأيديولوجيات الواحدة يمثل أهمية بالغة، قد يمثل فرصة لحل مشكلات الأحزاب.

وأكد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن النقطة الأهم والسبب الرئيسي في أزمات الأحزاب هو عدم تواجدها الجماهيري في الشارع، فهناك أحزاب من شقة واحدة، وأحزاب ليس لها انتشار جغرافي، وأحزاب ليس لها تنظيمات، وأخرى ليس لها ديمقراطية داخلية، وأحزاب ليس لها مساحة لصنع قرار أو تداول سلطة، مشددًا على أن كل هذا الكلام هو ما يفقد الأحزاب هويتها وحضورها.

«فتحي»: غالبية الأحزاب المصرية ستظل «صفرية» في التأثير

أمجد فتحي
أمجد فتحي

وأكد الحقوقي والباحث في شئون المجتمع المدني أمجد فتحي، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي» أن هذه الأحزاب ستظل على هذا الحال ما لم يتم تعديل قانون الأحزاب، والنظر فيه من جديد من أجل مواكبة التغيرات الميدانية والظروف الاقتصادية وتحديث ما يلزم بناء على ما استجد في الواقع، لكنه يشير إلى أن هذه الأحزاب تظل بمثابة قوات احتياط لتقوية الحياة السياسية متى تم توفير المناخ الملائم لها وللمساحة السياسية ككل.

وطرح فتحي فكرة تشجيع الاندماج بين هذه الأحزاب على غرار ما تم في الاندماج الكروي في هذا الموسم الرياضي بين اندية مقتدرة وأندية شعبية ومحلية، من أجل تعزيز بقائها والحفاظ على الترخيص، موضحًا أن العمل السياسي بات مكلفًا فالمقرات ليست بالمجان والأنشطة تتطلب نفقات مالية باهظة فضلا عن أن الدوائر الانتخابية باتت في حاجة إلى كلفة مالية كبيرة لتغطيتها بسبب اتساع مساحاتها.

وتابع أن استمرار الواقع الحالي يؤكد أن الغالبية الساحقة من الأحزاب المصرية ستبقى “صفرية” في التمثيل والتأثير، فيما يستمر المشهد البرلماني محكومًا بعدد محدود من القوى المنظمة، مالم يحدث أي تغيير في التشريع والأفكار المنظمة للعمل الميداني والحزبي، معولًا على منتدى مصر 2026 في مناقشة مقترحات في هذا الصدد جديرة بإنهاء تلك الظاهرة الحزبية، التي أثقلت كاهل الحياة السياسية والنيابية بكيانات التي لا تتجاوز الورق والعناوين المسجلة.

درويش: واقع الأحزاب يحتاج إلى قواعد وتمكين

من واقع الأزمة نفسها، أوضح الكاتب الصحفي طارق درويش، رئيس حزب الأحرار الاشتراكيين، في حديثه لـ«ليبرالي» أن دمج الأحزاب السياسية تحت غطاء القانون يخالف الدستور، مشددًا على أن تأسيس الأحزاب يجب أن يقوم على تجمع أشخاص يؤمنون بفكرة محددة، ويقدمون برنامجًا مميزًا يعبر عن توجهاتهم السياسية.

طارق درويش
طارق درويش

وأوضح درويش، أن الحياة الحزبية شهدت تغيرات في طبيعة تأسيس الأحزاب وأعدادها، مشيرًا إلى أنه قبل يناير 2011 كانت الأحزاب تُنشأ استنادًا إلى التمايز في البرامج والأفكار، وكان لها تأثير في الحياة السياسية، بينما ارتفع عدد الأحزاب بعد ذلك إلى أكثر من 104 أحزاب، بحسب تقديره، مع تشابه برامج نحو 100 حزب، بما لا يضيف، وفق تعبيره، جديدًا إلى الحياة السياسية.

وأشار رئيس حزب الأحرار الاشتراكيين إلى أن التمايز بين الأحزاب كان يظهر سابقًا من خلال أحكام المحكمة الإدارية العليا، التي كان يلجأ إليها البعض لإشهار أحزاب جديدة استنادًا إلى تقديم برامج مميزة، معتبرًا أن اختلاف البرامج والأفكار يمثل أساسًا لتنظيم التعددية الحزبية.

وشدد درويش على أن وجود أحزاب ممثلة في مجلسي النواب والشيوخ لا يعني إلغاء الأحزاب الأخرى أو تهميشها لعدم تمثيلها برلمانيًا، موضحًا أن العمل الحزبي يمثل وسيطًا بين المواطن والدولة، ويستهدف التعبير عن متطلبات المجتمع وتنوع مصالحه. وطالب بأن يتضمن أي قانون جديد للأحزاب شروطًا واضحة لتأسيس الكيانات الحزبية، بما يضمن وجود برامج متميزة وحقيقية تؤهل الأحزاب للقيام بدورها، وبناء قواعد جماهيرية، وتحقيق حضور فاعل على أرض الواقع، بدلًا من الاكتفاء بالتشابه في البرامج.

وانتقد درويش توقف الدعم المالي الحكومي الذي كان موجهًا إليها، معتبرًا أنه مثّل مصدرًا مهمًا لدعم النشاط الحزبي وإثراء الحياة السياسية داخل الأحزاب، في ظل الحاجة إلى توفير الموارد اللازمة لممارسة أنشطتها وتعزيز قدرتها على التواصل مع المواطنين، والضرورة الملحة لإخراج العمل الحزبي من دائرة أي هيمنة. فيما شدد رئيس حزب الأحرار الاشتراكيين على ضرورة الحفاظ على استقلال الأحزاب وقدرتها على التعبير عن الأفكار والمصالح المختلفة، وتمكينها من أداء دورها السياسي والمجتمعي، مع وضع قواعد لتأسيسها وتمويلها تضمن فاعليتها واستمرارها.

زر الذهاب إلى الأعلى