تعليق قانون جراهام.. لحظة تاريخية في عمر العقوبات على موسكو
وقع الرئيس الأمريكي ترامب الجمعة الماضي، أمرًا تنفيذيًا يلغي العقوبات والرسوم الجمركية الجديدة المفروضة على روسيا بموجب القانون الذي سمي تيمنًا بالسيناتور الراحل “ليندسي جراهام”، وذلك قبل يومين فقط من دخوله حيز التنفيذ.
وهي المرة الثانية خلال أسبوعين التي يلغي فيها ترامب العقوبات المفروضة على روسيا، في ظل سعيه للتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للمساعدة في تخفيف حدة ارتفاع أسعار الديزل، وقد أدت هذه الخطوات أيضًا إلى تصعيد التوترات بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
تأتي تحركات الرئيس ترامب في وقت تستعد فيه أوكرانيا لشتاء قاسي، في ظل الهجمات الروسية المستمرة على بنيتها التحتية للطاقة، والتي تستخدم لتدفئة المنازل وتوفير الكهرباء.
وأثار قرار الرئيس دونالد ترامب المفاجئ بإلغاء العقوبات على روسيا، حالة من الغضب يوم السبت الماضي، بين أعضاء الكونغرس؛ إذ كان المجلس قد أقر هذا التشريع بأغلبية ساحقة، في خطوة عكست توافقاً بين الحزبين على دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.
وانتقدت السيناتور دارلين غراهام – المعينة على مقعد شقيقها ليندسي في مجلس الشيوخ- الجمهورية عن ولاية كارولاينا الجنوبية الرئيس ترامب بحذر يوم السبت، بسبب استثنائه روسيا من قانون العقوبات الذي كان شقيقها الراحل ليندسي، من أشد المدافعين عنه بل ويحمل اسمه.
خلفية الأحداث
وقع الرئيس ترامب، على مشروع القانون ليصبح قانونًا نافذًا الشهر الماضي، بعد أن أقره الكونغرس بأغلبية ساحقة، وقد بذل السيناتور جراهام، الذي وافته المنية فجأة في يوليو الماضي، جهودًا حثيثة لإقرار القانون، الذي كان يستهدف بشكل أساسي المسؤولين السياسيين والأوليغاركيين الروس، فضلًا عن البنوك والمؤسسات المالية وما يسمى بـ”أسطول ناقلات النفط غير الرسمي” الذي كان يستخدم للتحايل على العقوبات.
ويجيز القانون للرئيس رفع العقوبات المفروضة على روسيا، وقد فعل ذلك قبل دخول حزمة جديدة من العقوبات حيز التنفيذ في 18 أكتوبر، وأبلغ الرئيس ترامب الكونغرس بأن الإعفاءات الصادرة يوم الجمعة تصب في المصلحة الوطنية، وفقًا للأمر الصادر، الذي لم يفصح عن تفاصيل إضافية.
وكان قد أعلن الرئيس ترامب مؤخرا عن اتفاقية لاستيراد وقود الديزل من روسيا، في محاولة تبدو فرص نجاحها ضئيلة للحد من ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة، وهي القضية التي تلقي بظلالها على انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبرالماضي.
ما الذي يشمله الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب؟
نص القانون على إلزام الرئيس بزيادة الرسوم الجمركية على جميع السلع الروسية المستوردة إلى الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 500%، وذلك في موعد أقصاه 30 يوماً من تاريخ صدور القانون، كما ألزم القانون ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على دول من بينها الصين والهند تعد من أكبر خمس جهات مشترية للنفط الخام أو الغاز الروسي.
كما رفع الرئيس ترامب العقوبات المفروضة على البنوك الأجنبية التي تجري معاملات تجارية كبيرة مع البنوك الروسية المملوكة للدولة وخدمات الرسائل المالية المستخدمة للتحايل على العقوبات؛ وحظر شراء الديون السيادية الروسية، والاستثمارات الأمريكية في روسيا، والبنوك والوسطاء الأمريكيين الذين يجرون تحويلات مالية إلى الحكومة الروسية أو لصالح مسؤولين روس.
لماذا رفع العقوبات؟
أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية الأسبوع الماضي ترخيصًا عامًا ساريًا حتى أبريل، يجيز بيع وتوريد واستيراد الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، وذلك في إطار اتفاقية تزود بموجبها روسيا الأسواق الأمريكية والعالمية بمئات الآلاف من أطنان الديزل، ولولا هذا الإعفاء لكان القانون قد فرض رسومًا جمركية على المنتجات البترولية الروسية، كالديزل وعقوبات على السفن التي يضبط وهي تحملها.
وتأتي هذه الخطوة أيضا بعد أسبوع من منح إدارة الرئيس ترامب إعفاء مؤقت من العقوبات على صادرات الديزل الروسية، يمتد حتى أبريل 2027، وذلك بهدف تخفيف أزمة الإمدادات الناجمة عن الحرب.
وتمثل أسعار الوقود المرتفعة قضية حساسة بالنسبة للناخبين قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر، ويتمتع الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب، بأغلبية ضئيلة في كلا مجلسي الكونجرس.
هل يؤثر القرار على العقوبات القائمة السابقة؟
لا يؤثر قرار يوم الجمعة الماضي على العقوبات القائمة المفروضة سابقًا بموجب أمر تنفيذي، لكن الأهم من ذلك أن القرار يلغي بندًا في القانون كان يلزم باستمرار تلك العقوبات، مما يمكن الرئيس من اتخاذ إجراءات أحادية الجانب بشأنها أيضًا.
ووفقًا للأمر ستبقى الإعفاءات الصادرة يوم الجمعة الماضي، سارية المفعول إلى أن يقرر الرئيس أو وزير الخارجية، بالتشاور مع وزراء الحكومة المعنيين، ضرورة اتخاذ مزيد من الإجراءات.
ومن المقرر حاليًا أن تنتهي صلاحية بنود القانون المتعلقة بروسيا في عام 2031، كما تنازل الرئيس ترامب عن البند الذي يسمح بإنهاء العقوبات إذا وقعت روسيا اتفاقية سلام تقبلها أوكرانيا وأوقفت الأعمال العدائية، مع احتفاظ الكونغرس بصلاحية منع أي إنهاء محتمل.
أبرز الانتقادات والتأييدات التي يواجهها قرار رفع العقوبات
أثار القرار انتقادات من الديمقراطيين وردود فعل متباينة من المشرعين الجمهوريين، وقال السيناتور تشاك شومر الديمقراطي عن ولاية نيويورك، أن الرئيس ترامب قدم لبوتين أفضل هدية عيد ميلاد سيحصل عليها هذا العام بدعمه للاقتصاد الروسي، وتزداد صفقات ترامب مع الشيطان قذارة.
بينما على الجانب المؤيد قال النائب توماس ماسي، الجمهوري عن ولاية كنتاكي، إنه كان واحدا من سبعة جمهوريين فقط صوتوا ضد مشروع قانون العقوبات قصير النظر الذي قدمه ليندسي غراهام، وأنه مسرور أن ترامب قد استخدم السلطة التنفيذية الممنوحة له من قبل الكونجرس لإلغاء العمل بمعظم بنود هذا القانون الأحمق المتعلقة بروسيا.
وفي منشور على منصة “إكس” وصف المبعوث الاقتصادي للرئيس الروسي، كيريل ديميترييف، تعليق بعض بنود قانون جراهام بأنه “لحظة مهمة وتاريخية بحق”، وأضاف ديميترييف أن الحوار الاقتصادي بين الولايات المتحدة وروسيا سيستمر وكذلك جهود إحلال السلام.
في المقابل انتقد الرئيس زيلينسكي هذه الخطوة وأعرب عن توقعه بأن يقوم الرئيس ترامب بإلغاء عقوبات أخرى مفروضة على روسيا أيضا، معتبرا أنها تشجع بوتين على مواصلة القتال وقتل الأوكرانيين، وأضاف أنه يكن احتراما كبيرا لجراهام وشكره، مرفقا منشوره بصورة تجمعه بالسيناتور الراحل.
حجب المعلومات الاستخباراتية
تدور شكوك حول قيام إدارة الرئيس ترامب بحجب معلومات استخباراتية عن أوكرانيا تتعلق بهجمات وشيكة بصواريخ باليستية روسية، بالإضافة إلى تقييد عمل “ستارشيلد” (Starshield) النسخة العسكرية من شبكة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك”، لمنع استخدامها في طائرات مسيرة تتجاوز سرعتها 100 ميل في الساعة، ومع ذلك لم يتم تأكيد أي من هذه المزاعم بشكل رسمي.
تكتنف حالة من عدم اليقين الخطوات المقبلة، في ظل دخول مجلسي النواب والشيوخ في عطلة تستمر حتى ما بعد يوم الانتخابات، وقد صرح الرئيس ترامب بأنه سيعلق العقوبات إلى أجل غير مسمى، مبررًا ذلك بمخاوف تتعلق بالأمن القومي، ومن غير المرجح أن يتمكن الكونجرس من اتخاذ أي إجراء لمواجهة قرارات ترامب قبل عودة المشرعين إلى واشنطن.
وكان استغرق إقناع ترامب بالموافقة على حزمة العقوبات ضد روسيا قرابة عام كامل بفضل جهود جراهام، لذا فالسؤال المطروح: ما هو المبرر الجوهري الذي قدمته الإدارة للكونجرس للتنازل عن كل بنود العقوبات والتعريفات الجمركية الرئيسية تقريباً في تشريع حظي بدعم الحزبين؟.






